يقول " سيبرمان " العالم الإنجليزي المشهور ، في كتابه " علم النفس خلال العصور " : ( هنالك حقيقة لعل الجمهور غير الخبير لا يدركها دائما ، هي أن العلم في العادة يشمل شيئا مهما جدا بجانب موضوعه ، ذلك هو طريقته - أو طرقه - التي يعالج بها هذا الموضوع ) . ويظهر أن بعض الخبيرين أيضا ينسون هذه الحقيقة أو يتجاهلونها في كثير من الأحيان ، بل يبدو أن بعض المتصلين بالدراسات العلمية والجامعية في هذه الأيام لم يصل إلى علمهم أن هناك فرعا من فروع الدراسات المنظمة ، يطلق عليه الآن اسم " علم مناهج البحث ، وأن هذا الفرع يدرس الصفات التي لا بد أن تتحقق في طرائق البحث حتى تسمى مناهج علمية ، وحتى يصح أن تبنى عليها نتائج لها قيمتها العلمية ؛ ثم يبحث في الخصائص التي إذا اجتمعت لطائفة من الدراسات المنظمة المترابطة امكن ان تسمى علما ؛ ويبحث في تنوع طرائق البحث -رغم اتفاقها في الأساسيات - حسب تنوع موضوعاتها من رياضية وتاريجية وغيرها .
وتجاهل هذه الحقيقة أو نسيانها هو الذي يدفع الكثيرين إلى أن ينكروا على بعض العلوم صفة " العلمية " ففريق من المستنيرين يرفضون الاعتراف مثلا - بعلم النفس ، وآخرون ينكرون أن يكون التاريخ علما ، وجماعة يحلو لهم أن يعيبوا نظرية من النظريات بأنها فلسفة! ولعل عددا لا يستهان به " من المشتغلين بدراسات الطبيعة والكيمياء والأحياء في مصر يبتسمون أبتسامة الساخر إذا سمعوا بعض الإخصائيين في الدراسات الأدبية يقولون " علم الأدب " أو " علم تاريخ الأدب " أو " علم النقد الأدبى فهذه في نظر علماء الكونيات لا تعدو أن تكون مجرد إنشاء ، يدلي فيه كل من شاء بدلوه غير
متقيد بطريقة منظمة ولا منهج معروف . وأعرف عالما من كبار علمائنا المشهورين إذا اشترك في وضع أسئلة الامتحانات العامة ، قصر همه على الجزء الخاص بالرياضة والعلوم ، فأما شعب الآداب فلا تستحق عنده تدقيقا ولا وقوفا طويلا ! ومن أعجب العجب أن يكون بعض باحثي الأدب أنفسهم عونا على انتشار هذه الفكرة بما يذيعون وينشرون من أن دراسة الأدب ونقده يجب أن تقوم علي الذوق المحض ، وأن تنأي كل النأي عن العلم ونظرياته . فكل محاولة لتحديد طرائق الدراسة الأدبية ومصطلحاتها عندهم جناية على الأدب ، وكل دعوة إلى توسيع ثقافة الناقد ودارس الأدب بالأطلاع على نتائج الدراسات الإنسانية الأخرى من نفس وجمال واجتماع تعتبر عندهم إفحاما للعلم في الأدب ، وخطرا على الإنتاج الأدبي الحر لابد لهم من أن ينتدبوا لها لمحاربته وتحذير الناس منه . وليتهم يقفون عند هذا بل يندفعون إلى حد الإزراء بجهود رجال البيان العربي في مختلف عصوره ، ذلك لأن أولئك الرجال حاولوا أن يبحثوا النواحي العامة من الأدب بحثا نظريا ؛ وأن يتناولوا صفات الجمال فيه من وجهاتها العامة ، بجانب ما يفيضون فيه من نقد عملي ؛ وأن يتوسعوا - مثلا - في مناقشة التشبيه والاستعارة وما إليهما على أساس ما تحدثه هذه الأنواع البيانية في النفس من تأثير وارتياح . والويل لمن يغفل فيذكر أمام هؤلاء الحنابلة العصريين اسم قدامة (الأعجمي ) في نقد الشعر ، أو اسم عبد القاهر ( الجرجاني ) في أسرار البلاغة
لهذه الطائفة من باحثي اليوم بعض العذر فيما يكتبون ، فهم يقرأون في بعض كتب النقد العربي أن فهم الشعر عماده الذوق ، وقد يقرأون نظرية ما من نظريات النقد الغربي الحديث - وما أكثرها ! - تنادي بالاعتماد على الذوق في فهم الفن ؛ وقد يطالعون فيما يطالعون أن بعض كبار الفلاسفة - وما أكثر اختلافهم ! - يرفعون
الذوق والغريزة فوق مقام الذهن والذكاء وقد يتفق أن يكون هؤلاء أنفسهم من أصحاب الطبائع الانفعالية المرهفة التي يؤثر فيها الفن تأثيرا عاجلا فتتدفع إلى تسجيل أحاسيسها منه في نقد قائم على الذوق والفطرة ، وهذا اللون من النقد في العادة يعجبنا كما يعجبنا الفن الجميل . وقد يجذبنا أحيانا عن طريق استفزازنا لما فيه من أقوال جريئة ، وأقضية خارجة على الإجماع ، وهي حيلة ناجحة كثيرا ما يلجأ إليها الناشئون من النقاد ، ولكن نقدهم في الغالب لا يشبع فينا حاجة الإنصاف والحكم الصحيح .
لهؤلاء كما ترى سيكلوجية خاصة يختلفون فيها من صنف آخر مقابل لهم يمتاز بالأناة والروية ، والصبر على تفهم الحقيقة ، والنظر إلى الموضوع الواحد من وجهاته المختلفة ، والتسامح مع الخصوم ، لاحتمال أن يكون رأيه خطأ ؛ ورأي الخصوم صوابا ، وإذا صح أن يقسم الناس أنماطا وأصنافا على حسب صفة معينة تقوى في بعضهم وتضعف في الآخرين ، فلنا أن نقول إن هذين الصنفين موجودان بين الناس علي درجات متفاوتة ؛ وهناك بجوار هذين آخرون وسط بين هؤلاء وأولئك . وهذه الفروق في العادة نجد منافذها في المنازع العملية لأصحابها ؛ فالذوقيون يتجهون ناحية الفن وإنتاجه ، والذهنيون ناحية العلم وبحثه ، والآخذون بطرف من الخصلتين إلى النواحي التي تجمع الاثنين كالنقد ، وكالبحث في الأدب والفن بحثا علميا منظما . وإذا اتجه كل إلى ما يناسبه عاشت جمهورية الفكر في سلام ، ولكن الذوقيين بطبعهم عجلون لا يستطيعون صبرا على الخلاف والمناقشة ، فالصبر يناقض طبائعهم ، وكثير من جاذبية حياتهم قائم على ذلك الغموض الصوفي الذي يحيط بما يسمونه ذوقا ومن أظهر صفاتهم الثورة على معظم المؤلفين من قدامى ومحدثين ، والإندفاع إلى تقرير الأحكام دون مقدمات معروفة ، والنفور من تحديد ما يتكلمون فيه ، وعدم التقيد بمنهج واضح يمكن
على أساسه أن يناقشهم مناظرهم ، أو يصل وإياهم إلى سواء ، أما الذهنيون فهم مضطرون - أرادوا أو لم يريدوا - إلى الوقوف عند الحقائق ومحاولة تفهمها ، واصطناع طرق الدراسة لكشف مجاهلها ، والوصول فيها إلى قوانين عامة . وقد ظلوا دهرا يبحثون الحقائق الخاصة بنفس الإنسان - من سجية وعاطفة وغريزة وذكاء وذوق ومزاج وخلق - بحثا نظريا حتى جاء العصر الحاضر بدراساته التجريبية ، فاصطنعوا هم المنهج التجريبي في دراسة الإنسان ، وراحوا يطبقون البحث العلمي حتى على حاسة الجمال عنده - ووصلوا بذلك إلى نتائج في سيكلوجية الفن وأربابه جذبت أنظار الأدباء والنقاد والباحثين في مختلف الشعوب .
والواقع أن بعض التحسين للذوق المجرد يجرون في تفكيرهم على قاعدة ( فويل للمصلين) فكل من درس كتب النقد العربي في أزهى عصوره يعلم كيف ذهب مؤلفوها - في منهجهم العلمي وفي بحوثهم النظرية . إلى أن عماد دراسة الأدب ونقده إنما هو الذوق والمعرفة ، أو أن شئت فقل الذوق المستنير ، الذي يستمد من ثقافته العامة ملهما روحيا يعينه على أن يستمتع بجمال الفن ويتعمق أسراره ؛ ثم يستمد من معارفه المنظمة وذهنه المنطقي ميزانا يزن به ما يقول إذا نصب نفسه للنقد والتحليل وهذا المعنى هو الذي قصدنا إلى تصويره في عرضنا لآراء الشعراء النقاد من الإنجليز ) في الثقافة ( ؛ وهو المعني الذي عبر عنه الدكتور عبد الوهاب عزام " في إحدى مقالاته عن مكانة الأدب العربي بين آداب الأمم ( الثقافة عدد ٢٠٠ ) إذ يقول : ( ولابد للأدب من إدراك بلبغ ، وإحساس مرهف ، وإبانة قوية ، وكلما اتسعت معارف الأديب اتسع أمامه مجال البيان ، وازدادت قدرته على الإبانة والتصوير ، وتعددت أمامه سبل القول ، فمن أوتي طبعا دراكا مبينا وضاقت معارفه فهو ضيق المجال ، لا يرتقي عن العامة
وأشياء العامة إلا قليلا ، ومن أوتي معرفة ولم يرزق الطبع المبين المصور فهو عالم ليس له في الأدب مجال ( . وما قيل هنا في الأديب يقال مؤكدا عن ناقد الأدب ، فهو شخص لا يتذوق فحسب ، ولا يستمتع بالجمال فحسب ، ولا يشارك في تجربة الفنان فحسب ، ولكنه يزن ويحلل ويحكم ويميز الجيد من الرديء ، ويحاول أن يوصل هذه الأحكام إلى أكبر جمهور ممكن من المثقفين . فمن حق البحث والإنصاف عليه أن تكون له فكرة ) أو فلسفة ( في الأدب وطبيعته وجماله ومنابعه من الشخصية الإنسانية ومسالكة إلي النفوس ، وأن تكون هذه الفكرة واضحة التطبيق في نقده العلمي وبعبارة أخرى يجب أن يفهم " أن دولة الأدب ( كما يقول أبوكرومبي في كتابه " قواعد النقد الأدبى - ترجمة دكتور محمد عوض ) تحتلها ملكات ثلاث : الأولى ملكة الإنتاج ، والثانية ملكة التذوق ، والثالثة ملكة النقد ، وأهم ما تمتاز به ملكة النقد أنها يمكن أن تكتسب - فمع أنه من الجائز أن يكون النقد أحيانا غريزيا - فالناقد عادة يكون مدركا للخطة التي يتبعها في نقده ، وهذه الخطة تعتمد على قواعد منطقية خاصة قابلة لأن ترتب بحيث يتألف منها نظام خاص ، ومن الممكن دراستها وتطبيقها في دقة وعناية . . " ويقول : " بدأ النقد - كجزء من النشاط الأدبى - حينما انتقل الناس من التفضيل المبهم إلى الاختيار الذي يمكن تبريره بكل معقول ، أو بعبارة أخرى حينما تسنى للناس الرجوع إلى قواعد عقلية . . ولكن هل هناك فائدة من الرجوع إلى مثل تلك القواعد ؟ أجل ، فائدة ذلك أن يكون حكمنا مبنياً على العقل ، وأيا كان الموضوع الذي يفكر فيه الإنسان ، فإن هناك أناسا يصرون على أن يكون تفكيرهم بالغا أقصي حدود الدقة والجلاء ، وهنالك فائدة للنقد أوضح من هذه ، وهي أنه يمكن الرجل الذي رزق مقدرة على الإنتاج الأدبي من أن يستخدم مقدرته هذه بذكاء ، وأن
يستغلها على أحسن وجه وأكمله . وكذلك الرجل الذي رزق المقدرة على تذوق الأدب فإن استمتاعه يصبح مبنيا على أساس من الفهم وحسن التخير . . والمتتبعون لكتابات " أبو كرومبي " - وقد كان أستاذ الأدب الانجليزي في لندن وأكسفورد - وحاضر في القاهرة منذ سنوات - يعلمون كيف يقسم هذا العالم ميدان النقد إلى ناحيتين : الناحية الأولى ما يسميه " نظرية الأدب ( ، وفي هذه ينظر الباحث تلك النظرة العامة الشاملة إلى الأدب والخصائص المشتركة بين أنواعه ، والوظيفة التي يؤديها ومن هذه المباحث والأجوبة عليها تتألف قواعد منظمة نستطيع أن نعبر بها عن مبلغ فهمنا لطبيعة الأدب ، وهي قواعد مشتقة من الأدب نفسه وليست مفروضة عليه فرضا . والناحية الثانية هي ما يسميه النقد بالمعنى الخاص ، وفيها يشغل الباحث بالقطعة الأدبية وصفاتها وأسلوبها بمعناه الواسع - أعني ما يشمل اللغة والإجادة الفنية والنزعة والروح واختيار الموضوع . وهاتان الناحيتان ممتزجتان بحيث لا يمكن الفصل بينهما ، فنظرية الأدب لا بد لها من الرجوع دائما إلى صلب الأدب ؛ ولا بد للنقد الخاص من أن يعتمد على شيء أقوي وأمتن من مجرد أثر تحدثه في النفس ميول شخصية أو طوارئ عاطفية .
فالفكرة التي اتجهت مقالاتنا في " الثقافة " إلى إبرازها هي توسيع ثقافة الأدب والناقد وطالب الأدب عن طريق الإطلاع على نتائج الدراسات الإنسانية الأخرى - بعد ممارسة الأدب وتذوق روائع آثاره طبعا - ثم رفع البحوث الأدبية إلى مستوى منظم واضح المعالم تتلاقي فيه عقول الباحثين وأذواقهم . وهذا منهج سلكة باحثون سابقون ومعاصرون ، نطبقه نحن لطلابنا في قاعات الدرس ، و نعرضه عليهم ليفهموه وينقدوه ويطبقوه إذا شاءوا . وعلى ضوء هذه الفكرة الأساسية يمكننا أن نتبين وجه الحق فيما ينادي به بعض النقاد اليوم من تقريب
المسافة بين الدراسات السيكلوجية والجمالية من جهة . وبين الدراسات النقدية من جهة أخرى ، أو ما يفضل بعضهم ان يسميه " سيكلوجية الأدب " . وهو موضوع لنا فيه رأي تمهيدي قد نلخصه بعد . وسنحاول أن نعرض بعض نماذج من التأليف العربي قديمة وحديثه ، في البلاغة والنقد يتبين منها أن الذوق والمعرفة في دراسات الادب صنوان لا يفترقان ، وأن مثل من يعارض إحدى الطريقتين بالأخرى كمثل من يريد إرغام الرجل اليمنى علي مسابقة اليسري . ( للكلام بقية )

