الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 206الرجوع إلى "الثقافة"

بعض مناهج الدراسة الأدبيه

Share

- ٢ - من أطرف القصص وأكثرها إمتاعا قصة تطور النقد الأدبي خلال العصور ، فمنذ أن نشأ الأدب نشأ معه التذوق الذي لم يلبث أن أصبح نقدا ، ثم نمأ الأدب ونقده معا يؤثر كل واحد منهما في صاحبه ، ويستمد منه مظاهر القوة أو الضعف ، والحياة أو الخمود . ولعل أول أساس اعتمد عليه النقد هو تتبع صفات الآثار الأدبية التي اشتهرت بين الجماعات ، فلهجوا بها واستجادوها وأكبروا أصحابها ؛ ثم تطلع الذهن الإنساني - طوعا لفطرته التي فطر عليها - إلي تحليل هذه الصفات وجمعها تحت أصول ونواح عامة وإذ تيسرت له طائفة من تلك الأصول واطمأن إليها ، أخذ يطبقها مرة أخري علي ما تبدعه قرائح الأدباء من كتاب وشعراء . وكلما اصطبغت ثقافته أو معارفه أو حياته أو فلسفته بصبغة خاصة تلون معها اتجاهه في النقد ؛ فهو مرة " كلاسيكي " تقليدي يري البراعة جريان الكلام على منهج القدماء ، وأنا ابتداعي عاطفي يعجبه من البيان ما تغني بجمال الطبيعة ونوازع النفوس . وقد تلقاه حينا معجبا بصياغة المعاني العميقة والكشف عن الدفين منها ، وحينا تلقاه يعشق السهولة وسلاسة الكلام أني وجدها ، وربما استهوته الألفاظ وزخرفها عصرا من العصور ، ثم جذبته المعاني وأسرارها في العصر الذي يليه . ولقد يأتي عليه حين من الدهر وجل همه الأثر الأدبي في نواحي تصويره ولغته وعباراته ؛ ثم يتغير اتجاه معارفه حينا آخر ، فيتغير هدف نقده ، فيدرس الأثر الأدبي في صلته بمنشئه ، أو تكيفه ببيئته ، أو تأثيره في جمهوره ، أو تصويره لنواحي الاجتماع في عصره . وربما وجدت خليطا من هذه النزعات المختلفة معا في عصر واحد ، وفي بلد واحد ، يتنازع

ويحترب ، وكل يدعي وصلا بليلي !

هذا التباين في مناهج الدراسة الأدبية ، والتنوع في مذاهبها ، قد يضايق الباحث العجل ، حتى لينفذ صبر صاحبنا على هذه الفوضى الضاربة بأطنابها على ميدان النقد - كما يظن - فيبحث عن أيسر المخارج وأبعدها من الجهد والمشقة ، فلا يلبث ان يتعلق بأذيال مذهب من هذه المذاهب يعتنقه ، ويشرع قلمه للدفاع عنه ، ويشن على كل ما خالفه حربا خاطفة !

ولكن الباحث الحق يجد لكل نزعة من هذه النزعات مكانها في التفكير الإنساني خلال العصور ؛ فالطبيعة الإنسانية متنوعة النواحي والنوازع ، وهي عرضة لأن تختلف فيها آثار العوامل المختلفة ، واتجاهات الحضارة بوجه عام . لهذا كان من واجب دارس الادب ألايتعجل في تكوين فلسفة فجة في فهم الأدب تسد عليه مسالك التفكير ، وتصرفه عما قد يكون في الاتجاهات الآخرى من هدى وصواب ؛ بل يجعل به بعد طول العكوف على دراسة الآثار الأدبية طبعا - أن يوسع أفق ثقافته بدراسة مذاهب كبار النقاد ، لا في ادبه فحسب ، بل في بعض الآداب الآخرى أيضا ، وان يصطنع في دراسته الروية والآناة ، ويقاوم ما قد يكون عنده من نزوع إلي سرعة القضاء وإلقاء الأحكام دون حساب

هكذا يجب أن يكون شأن طالب العلم يدرس التجديد كما يدرس المحافظة ، ويعني بالحركات المرجعية كما يعني بالثورية ، ويدرس الناقد المتأثر بالفلسفة او الدين او التاريخ كما يدرس الناقد الذوقي أو الفني او السيكلوجي ..... الخ وليس له من اداء هذا الواجب بد ، ما دام قد اتخذ العلم هدفه والحقيقة رائدة . ولكن عليه واجبا آخر لنفسه ، إذا آنس في طبيعته استعدادا للنقد ، وأراد أن ينمي هذا الاستعداد حتى يؤتى ثمرته ؛ ذلك الواجب هو التزود بنصيب

صالح من المعارف الإنسانية التي تمس الأدب من قرب ، ولا سيما إذا بلغت تلك المعارف درجة ظاهرة من التنظيم والتحديد ترفعها إلي صف العلوم ؛ ولا شك أن اتساع ثقافة الناقد يكشف له منابع جديدة من أسرار الفن ، ويمده بمفاتح أخري لكنوز الجمال ؛ وأظهر ما يكون ذلك في عصر كعصرنا الحاضر بلغ فيه التخصص العلمي درجة واضحة ، وعكفت فيه طوائف الباحثين على النواحي المختلفة من حياة الإنسان تلاحظها وتدرسها ، بل تجري عليها ضروب التجاريب . وقد أشار إلي هذا المعني الكاتب الإنجليزي(إليوت ) في مقاله " التجربة في النقد " إذ بين اتساع النواحي التي يطرقها الناقد الأدبي الآن ، وضرورة إلمامه بفروع من الدراسات تلمس جوانب النقد وتعالج بعض معضلاته ؛ يقول : " والناقد الحديث - إلي جانب إلمامه بالتصورات الجارية التي يشاركه فيها المتعلمون وأنصاف المتعلمين - يضم معرفة ما بمجموعة من العلوم ، وهو يعرفها لا ليؤدي عملها ، ولكن ليتعاون وإياها ، وليعرف حدود ميدانه " . وقد ضرب الكاتب لهذا أمثلة من الناقدين الأوربيين المشهورين من أمثال " أرنولد " و " سانت بوف " ، وبين كيف كانوا مثالا لهذه الثقافة الجامعة ، ثم نقل عن بعضهم رأيه في أننا " إذا استثنينا من النقد الأدبي كل ما لم يكن أدبيا محضا لم يبق هناك شيء يتحدث عنه إلا القليل ، لا بل لا يبقي هناك حتى التذوق الأدبى ، وهذا يصدق على فهمنا المؤلفين القدماء ، ولكنه يصدق أكثر علي فهمنا للمؤلفين المحدثين . أن هذا الاتساع في الميدان قد فرضه المؤلف الحديث علي الناقد الحديث ، وإن هناك مؤلفين لن نستطيع أن نكتب عنهم نقدا أدبيا صرفا ، وإذا فعلنا كان ذلك شيئا ناقصا كل النقص .

وبعد فلعل هناك إجماعا - أو شبه إجماع - على أن الهدف الأول للناقد الادبي هو تعرف مواطن الجمال في الأدب ، وتبين خصائصه الفنية ، وستجيء الشواهد على هذا فيما سنعرضه من نماذج الدراسة الأدبية في القديم والحديث ، ولكننا سنكتفي هنا بإشارات عابرة إلي نواح جمالية فنية في بعض المؤلفات النقدية المعروفة ؛ ارجع إلي الفصول التي عقدها " الباقلاني " في " كيفية الوقوف على إعجاز القرآن " نجده في تحليله لبعض شعر امرئ القيس والبحتري يستعمل من قاموس الجمال الفاظا وترا كيب اصبحت ميراثا مشتركا بين نقاد الأدب العربي في عصوره المختلفة ؛ استمع إليه إذ يتكلم عن لامية " البحتري " : أهلا بذلكم الخيال المقبل فعل الذي تهواه أم لم يفعل

برق سري من بطن وجرة فاهتدت

بسناء أعناق الركاب الضلل

فيعترض على البيت الأول من ناحية الذوقية ، ولكنه يصف البيت الثاني بأنه " عظيم الموقع في البهجة ، بديع المأخذ حسن الرواء ، أنيق المنظر والمسمع ، يملأ القلب والفهم ، ويفرح الخاطر ، وترى بشاشته في العروق ، وكان البحتري يسعي نحو هذه الأبيات عروق الذهب ، ثم انظر إلي " عبد القاهر " في " أسرار البلاغة " إذ يطرق ناحية البناء الفني فيقول : " ولكن البيت إذا قطع عن القطعة كان كالكعاب تفرد عن الاتراب ، فيظهر فيها الإغتراب ، والجوهرة الثمينة مع أخواتها في العقد أبهي في العين ، وأملأ بالزين ، منها إذا أفردت عن النظائر ، وبدت فذة للناظر " ؛ وإذ يقول في حساسية الذوق وهذا موضع في غاية اللطف لا يبين إلا إذا كان المتصفح للكلام حساسا يعرف وحي طبع الشعر وخفي حركته التي هي كالهمس ، وكمسري النفس في النفس ، ثم اصغ إلي طه حسين في حديث الأربعاء إذ يدلي برأيه في موضوع

الوحدة الفنية في القصيدة العربية فيقول : " وما سمعت من خصوم الشعر القديم حديثهم عن وحدة القصيدة عند المحدثين وتفككها عند القدماء إلا ضحكت وأغرقت في الضحك ، والعجيب أن تنشأ الأساطير في العصر الحديث ، وان تنمو ويعظم أمرها وتسيطر علي العقول ، مع أن عهد الأساطير قد انقضي ، وأصبح العقل الحديث أذكي وأرقي وأدنى إلي الحذر والفطنة من أن يذعن لها أو ينخدع بها . وتفكك القصيدة العربية ، واقتصار وحدتها على الوزن والقافية دون المعنى أسطورة يا سيدي من هذه الأساطير التي أنشأها الافتتان بالأدب الأوربي الحديث ، والقصور عن تذوق الأدب العربي القديم . . . ولست أريد أن أبعد في التدليل على أن الشعر العربي القديم كغيره من الشعر قد استوفي حظه من هذه الوحدة المعنوية ، وجاءت القصيدة من قصائده ملتئمة الآجزاء ، قد نسقت أحسن تنسيق وأجمله ، وأشده ملاءمة للموسيقي ، التي تجمع بين جمال اللفظ والمعني والوزن والقافية . ثم خذ مثلا آخر من العقاد في كتابه عن ابن الرومي إذ يقول : " غير أن المزية التي لاغني عنها والتي لا يكون الشاعر شاعرا إلا بنصيب منها هي مزية واحدة ، أو هي مزية نستطيع أن نسميها باسم واحد : وتلك هي الطبيعة الفنية " .

الست معي في أن من أول ما يجب أن يتزوده الناقد ان يكون فكرة واضحة عن الجمال ما هو ، وما صفاته وعناصره ، وهل هو موضوعى تمكن مشاهدته وقياسه والاتفاق عليه ، ام هو ذاتي يختلف حسب مزاج سامعه أو رائيه ؛ ثم ما الرشاقة والطلاوة والرونق والانسجام وإشراق الديباجة وما إليها ! أليس من ألزم ما يلزم للناقد أن يكون فكرة واضحة عن الفن ما هو ، وما انواع النشاط التي تدخل تحته ، وما وحدة العمل الفنى ؛ ثم ما الطبيعة الفنية ، وما الفن الجميل ، وما منابعه من طبيعة الإنسان ،

وما وظيفته في الحياة ! اهي ان يزيد مقدار اللذة والسعادة فيها ، أم هي ان يبحث عن الجمال ويعرضه عرضا جميلا ، أم ان له وظيفة اسمي من عرض الجمال او إنتاج اللذة ، وان عليه دورا يلعبه في تهذيب بني الإنسان ، وتقوية عاطفة الاخوة الإنسانية ، أم أن غايته تصوير الأشياء تصويرا مثاليا متخيلا  كما يحبها الفنان أن تكون

تلك وأشباهها أسئلة من واد من المعرفة خاص - هو وادي الذوق أو الجمال - له رجاله الذين تخصصوا فيه ، وله دراساته النظرية والتجريبية ، ولست أدري كيف يجرؤ ناقد لم يواجه هذه الأسئلة مواجهة جادة ، ولم يكون لنفسه فيها رأيا يرضاه ويستطيع تبريره ، على أن يلبس بين الناس مسوح الحكم ، ويهجم علي الآثار الأدبية فيقضي علي هذا بالجمال ، وعلي ذاك بضده ، ويفضل شاعرا على شاعر وأديبا على أديب " للكلام بقية

اشترك في نشرتنا البريدية