الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 305الرجوع إلى "الثقافة"

بعير يقود قافلة

Share

قرأت للأستاذ أحمد أمين بك مقالا مفيدا في الثقافة ، عالج فيه موضوع الوحي والإلهام . وقد ورد في هذا المقال ذكر للحواس المجهولة التى يتمتع بها بعض انواع الحيوان والطير ، والتي بواسطتها يمكنها ان تهتدي إلي مواطنها ، ولو كانت بعيدة عنها بآلاف الاميال . وقد ذكرني هذا بحادث وقع لنا في إحدي رحلاتنا في الصحراء الغربية ،

يوم أن ضللنا الطريق وكنا على وشك الهلاك ، لولا أن قيض الله لنا بعيرا ملهما قاد قافلتنا في احرج الازمات إلي السلامة ، ذلك انه في ربيع سنة ١٩٢٥ رافقت قافلة من الجمال كانت متجهة إلي الواحات البحرية في الصحراء الغربية ،

وكانت القافلة مكونة من اثني عشر جملا ، محملة بسلع لبعض تجار الواحدة . وكان قائدها ودليلها الحاح مصطفى من عرب الفيوم . فحصل بعد ان توغلنا في الصحراء مسيرة يومين أن أصيب الحاج مصطفى بمرض شديد أعجزه عن متابعة السير ، فترك قيادة القافلة لوكيله ، وركب هو أحد الجمال في المؤخرة . وكان الشيخ نوفل وكيل الحاج مصطفى . المذكور شريكا له كذلك في جمال القافلة ، وكان رجلا طاعنا في السن ضعيف النظر

وكان من عادة القافلة ان تسير بالليل إلي ما يقرب من منتصفه ، ثم تستريح حتى بزوغ الشمس في اليوم التالي ، ثم تستأنف السير حتى الظهر ، ثم تستريح حتى العصر ، ثم تبدأ السير وهكذا

وقد حدث في تلك الليلة أن اختلط الأمر على الدليل ، فحاد عن الدرب ، ودخل بالقافلة في منطقة واسعة غير مطروقة من غرود الرمال ؛ ولم ينتبه احد من قادة الجمال الآخرين لهذا الخطأ ، لظلام الليل ، وتشابه المسالك ، وحداثة عهدهم بالصحراء ، فأوغلت القافلة بين الغرود

في تيه عظيم لا آخر له كالمحيط . وبقينا نضرب في هذا التيه على غير هدى حتي قبيل ظهر اليوم التالي حينما اعترض سيرنا واد عميق ، فتقدم الشيخ نوفل ليستطلع الوادي ،

وهنا كانت وقفة لا انساها ما حييت فقد شاهدت الرجل يقف على حافة الوادي ، ثم يتطلع إليه مليا ، ثم ينقلب إلينا مهرولا مذعورا كالمجنون ، وهو يصيح بصوت اجش كالمخنوق : لقد ضللنا الطريق ياحاج مصطفي   كانت صيحة منكرة ، ومعناها في الصحراء الهلاك على أبشع صورة . فكان وقعها في نفوسنا شديدا اليما تفككت لها اوصالنا ، وهلعت لها نفوسنا .

واستيقظ الحاج مصطفي - وكان لا يزال محمولا علي الجمل - على صياح الشيخ نوفل وضجيجنا ، فقفز عن ظهر البعير كالمخبول ، وجسمه يرتجف من شدة الحمى ، واندفع نحو الوادي يجر جسمه جرا ، وقد بدأ عليه الضعف وشدة الهزال .

وعلى حافة الوادي نظر هو الآخر إلى الوادي نظرة فاحصة ، ثم ارتمي على الأرض واخذ يندب سوء المصير ، متوعدا وكيله بأشد أنواع العقاب واصاب القوم مس من الجنون فهاجوا وثاروا ، واخذوا يسبون بعضهم بعضا ،

ويكيلون للشيخ نوفل اللعنات ، ثم اشتبكوا في مشاحنات وعراك . واستمروا هكذا نحو ساعة حتى استفرغت اعصابهم الهائجة حدتها وهدأت ، فسكن القوم وسكتوا ، واستسلموا للقدر ؛ وفاق الحاج مصطفى من الصدمة وعاد إليه رشده ، وتذكر واجباته نحو القافلة كقائد لها ودليل ، فتجلد وتقوي ، ودعانا حوله واعتذر إلينا عما حصل ، وطمأننا على السلامة ؛ وقال إنه رأي بالليل وهو نائم سيدنا الخضر عليه السلام وقد اقبل على القافلة من جهة الغرب تم استلم زمامها وقادها حتى اوصلها إلى الواحة بسلام ، ثم صاح فينا : أبشروا ولا تحزنوا ! الله معنا ! ثم وقف منفعلا وقد تقلصت

عضلات جسمه ، وتجهم وجهه ، وجمدت عيناه ، وشاح بوجهه نحو السماء ، كمن يستلهم المعونة وسداد الرأي والهداية .

وبعد أن مكث على هذه الحال نحو دقيقة ، لا يتكلم ولا يبدى حراكا ، كانه في غيبوبة ، عاد إلى حالته الطبيعية وقد زال عنه الاضطراب والقلق ؛ ثم قال إنه قد اصبح منهوك القوي ضعيفا ، ورأسه تدور لا تقوي على تعيين الاتجاهات ، ولهذا فقد عول على تسليم قيادنا لبعيره الخاص .

وقال وهو يقدمه لنا إنه بعير أصيل ، ولد في هذه الصحراء ونشأ فيها ، وإنه جربه في اسفاره السابقة إلى الكفرة والجغبوب فكان بعيرا موهوبا يمكنه ان يهتدي من تلقاء نفسه إلي عيون الماء ، حتى ولو كانت على مسيرة خمسة ايام .

فتقبل الجماعة قراره بالإذعان والتسليم ، ثم عاونوه في ركوب البعير فاستلقي علي ظهره كما كان ، بعد أن أرخي للبعير الزمام وشخصنا بأبصارنا إلى دليلنا الحديد وأملنا الوحيد الباقي في النجاة ، تتبع حركاته وسكناته بلهفة واهتمام .

ونظرت إلي البعير فرأيته مرفوع الرأس ، شامخ الانف ، يجول بعينيه في جميع الآفاق وقد بدأ عليه الجد والاعتداد بالنفس .

ولما صدر الأمر بالسير على بركة الله ، تقدمنا وحده حرا طليقا ، فسار الهوينا علي حافة الوادي نحو ساعة ، ثم وقف ووقفنا . ورفع رأسه إلي أعلي ، وأخذ يشم الهواء بشهيق عميق  ، ثم تحول نحو الشمال الغربي وأوغل بين كثبان الرمال ، وبعد نحو ساعتين وقف مثل وقفته الأولى ، وأخذ يشم الهواء ، ثم اتجه نحو الشمال وأخذ يهرول والجمال الآخرى في اثره تتبعه كظله ، لا تحيد عن أثره كأنها عالمة بحرج الموقف .

وتابعنا السير في هذا اليوم من غير توقف ونحن في غم وهم ، لا ندري ما خبأه لنا القدر ، مستسلمين لحيوان اعجم يقودنا منذ الصباح حيث شاء ، من سهل إلى نجد ، ومن

نجد إلى سهل ، في فيافى  صحراء جرداء شاسعة واسعة لا نبات فيها ولا ماء .

وقبيل العصر خرجنا من منطقة الغرود ؛ وبعد ساعة اتجهنا نحو الغرب ، وأخذنا نرتقي هضبة عالية ) قارة ( وعند الغروب وقرص الشمس يحتجب وراء الأفق البعيد ؛ في تلك الساعة ، وقد أدير النور وأقبل الظلام ، كنا نجاهد للحياة جهاد البائس اليائس ، ونتبع البعير خطوة خطوة من غير أن يكون لنا إرادة أو عقل أو تفكير . في تلك الساعة كنا قد بلغنا القمة وانكشف السهل من تحتنا ، فأبصرنا أمامنا شريطا طويلا أبيض ، يمتد عرض الصحراء من الشرق إلي الغرب . ولم تكد الجماعة تتبينه حتى هاجوا وصاحوا وهللوا وكبروا ، وفاض بهم الفرح فبكوا للنجاة والخلاص . إنه كان الدرب الذي أضاعه الدليل منذ أن حل مساء الأمس ! ! وتدافعوا مقبلين على البعير يقبلونه ويتبركون به ، وعلي الحاج مصطفي يقبلون يديه ورأسه . وأدرك البعير أنه قد أنجز مهمته فبرك على الأرض ليستريح

اشترك في نشرتنا البريدية