الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 206 الرجوع إلى "الثقافة"

بقايا الفصاح

Share

ارجع إلي موضوع تصديت له في هذه المجلة من زمن غير بعيد وقد ذكرتني إياه زيارة زرتها من شهر للجامعة العبرية في القدس ، فقد زرت المكتبة في هذه الجامعة ، فأراني بعض أساتيذها عملا من أجل الأعمال ، فقد هيأوا في القسم الشرقي من هذه الجامعة دفاتر دونوا فيها الفاظ اللغة العربية على حسب تاريخها . إنك تطلب مثلا أن تعرف مني استعملت لفظة الثوب ، ومن هو أول من استعملها ، فتطالع الدفتر المختص بلفظة الثوب ، فتجد أنها استعملت في العصر الجاهلي ، استعملها فلان وفلان ، ثم استعملت في العصر الإسلامي ، استعملها فلان وفلان ، ثم استعملت في العصر الأموي ، استعملها فلان وفلان ، إلي آخر عصور استعمالها

وعلي هذا النحو من الترتيب نستطيع ان نعرف اطوار لغتنا المعرفة المتكاملة ، فمتى تم هذا العمل الدقيق فإنا نستطيع أن نعرف أطوار الألفاظ ، ميلادها ونشأتها وموتها او بقاءها . كيف كان معني لفظة من اللفظات في أول ميلادها ؟ وهل حافظت على أصل معناها في خلال نشأتها ؟ وهل ماتت هذه اللفظة أم عاشت ؟ وفي أي عصر كان موتها أو بقاؤها ؟ ثم نستطيع أن نعرف أطوار المعاني التي تقلبت فيها اللفظة ؛ فنستطيع أن نعرف أن أصل معني الكفر في اللغة كذا وكذا . . ثم جاء الإسلام فتحولت هذه اللفظة عن اصل معناها ودخلت في معني آخر جعله لها الاسلام ؛ ثم نستطيع أن نعرف أن اللفظة الفلانية لم تكن في الجاهلية ولا في الإسلام ولا في عصر بني أمية

وإنما ولدت في عصر بني العباس  ، وعاشت مع  العباسيين ، ثم ذهبت دولتهم فذهبت هذه اللفظة بذهابها .

ولو شئت أن أفصل فوائد هذا الباب لامتد بي نفس الكلام ، ولست أعرف في اللغة بحثا جمع من اللذة ما جمعه نظير هذا البحث . فمتى استطعنا أن ندون ميلاد الألفاظ ونشأتها وموتها أو بقاءها في كتاب أو في كتب فإنا نستطيع أن نشهد ميلاد فكر العرب وشعورهم وعاطفتهم ، كما نستطيع أن نشهد الأطوار التي دخل فيها هذا الفكر وهذا الشعور وهذه العاطفة .

بعد هذه المقدمة الوجيزة ادخل في موضوع مقالي ، وهو جزء من اجزاء معرفة اطوار اللغة ، وقد كنت اتيت في مقام متقدم على ذكر طائفة من التراكيب الفصيحة التي استعملت من ألف سنة ولا تزال في عصرنا هذا شائعة في العامة في دمشق . وأذكر الآن في مقالي هذا ما اهتديت إليه حديثا من نظائر هذه التراكيب ، وقد يكون عملي لا شئ إلي جنب العمل الذي اشرت إليه في صدر هذا المقال ولكن إذا تفرغ كل واحد منا لجمع ما يعثر عليه في لغة العامة من مفردات أو تراكيب اصلها فصيح ، ثم استطاع أن يردها إلي أصلها ، فإني اعتقد أنا بعد جملة من هذه الأعمال تيسر للقائمين على معرفة اطوار اللغة سبيلهم ، وتخفف عنهم بعض العناء.

وقد تكون لغة التراكيب الفصيحة الشائعة في العامة لغة شعرية ، فهي لا تخلو من باب من أبواب البديع ، كالاستعارة أو الكتابة أو التشبيه أو غير ذلك ، مما يدل على أن العامة تميل إلي اللغة الشعرية ، أي إلي الصور في الفاظها ، من غير ان تشعر بذلك ، وقد تكون هذه التراكيب خالية من أبواب البديع ، فهي مستعملة علي حقائقها ليس فيها شئ من المجاز .

من قول العامة في دمشق : " عينك عليه " وهم يريدون

بذلك الاستعطاف علي رجل من الرجال وقد يقولون : عينك عليه ، وهم يريدون مراقبة الرجل

وفي نشوار المحاضرة للقاضي التنوخي : ثم دخل وعيني عليه ، فضرب يده إلي قبر في القبة ليحفر... فمعنى عيني عليه في هذا المقام المراقبة لا الاستعطاف ، وهو من المعاني التي تستعملها العامة .

ومن قولهم : " كأني أحكي مع الحيطان " ، أي أن الذي أحدثه لا يصغي إلي أو لا يفهم ما أقول ؛ والتشبيه بالحيطان في هذا الموضع من أبلغ التشبيهات . وقد ذكر صاحب الأغاني في كلامه علي أخبار حنين الحبري ونسبه حكاية ظريفة حكاها حنين في أثناء خروجه إلي حمص والتماسه الكسب بها ، فقد قال حنين وهو يصف اهل حمص " فابتدأت في هنات ابى عباد معبد ، فكأنما غنيت للحيطان ، لافكهوا لغنائي ولا سروا به .

ومن التراكيب الفصيحة الشائعة في العامة : " اغسل يدك منه ، وهم يريدون بذلك قطع الأمل من فلان أو من أمر من الأمور .

أتي أبو دلامة العباس بن محمد في عشر الأضحى ينتجزها فقال العباس : " يا ابا دلامة ! أليس قد مات ابنك ؟ قال : بلى ! قال : انقصوه دينارين . قال : اصلح الله الأمير ، لا تفعل ، فإنه ترك علي ولدين ! فأبي إلا أن ينقصه . فخرج أبو دلامة وهو يقول:

أخطاك ما كنت ترجوه وتأمله

فاغسل يديك من العباس بالياس

واغسل يديك بأشنان فأنقهما

مما تؤمل من معروف عباس

هذه الحكاية نجدها في الأغاني في كلام صاحبه على أخبار أبي دلامة ونسبه .

ومن قول العامة في دمشق : " لا يجمعنا سقف وهم

يريدون بذلك غاية التباعد والتقاطع ، وقد ورد في شعر عمر ابن أبي ربيعة هذا التركيب نفسه :

ليشهد الرحمن لا يجمعنا

سقف بيت رجبا بعد رجب

إلا أن قول العامة أوجز وأخف ، فقد استغنوا عن كل حشو .

ومن قولهم : " الله لا يخليني إذا خليته يمشي على الأرض " فإذا وقع بين الرجلين شئ من النزاع ، وعزم احدهما علي قتل الآخر قال هذا القول ، وهو غاية في التهديد .

وفي كلام ابن هشام على إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه : فقال له نعيم : والله لقد غرتك نفسك يا عمر ! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا .

فاللفظ والمعنى في التركيبين الفصيح والعامي واحد لا تباعد بينهما .

ومن التراكيب الفصيحة الشائعة في العامة قولهم : انتظر حتي تهدأ الرجل وهم يريدون بذلك خفة الأزدحام

وقد ورد في الأغاني في كلام صاحبه علي عدى بن زيد ونسبه وقصته ومقتله ما يلي : وقال لعدي : اتتني الليلة إذا هدأت الرجل لتعلم حالي . .

إلا أن العامة تستعمل الرجل بكسر الراء معتقدة أنها ضد اليد ، وأظن أن الرجل في هذا التركيب الفصيح جمع الراجل وهو غير الفارس ، وعلي هذا تفتح الراء ولا تكسر ، فالمعنى حتى يهدأ الناس الماشون على أقدامهم أي حتى تخف الزحمة .

ومن قولهم في دمشق " شفت الهلال على وجهه ! وهم لا يريدون بهذا القول شيئا من الغزل ، وإنما يريد قائل هذا القول : أول شئ رأيته عند طلوع الهلال وجه فلان . فمن قول عبد الله بن محمد الأمين في المعتمد :

رأيت الهلال علي وجهكا

فما زلت ادعو إلهي لكا

فالمعنيان في التركيبين واحد ، إلا أن العامة استعملت مادة ؛ شاف ، وفي اللغة : شفته ، معناها : جلوته .

ومن التراكيب الفصيحة قولهم : " هجم الشتاء " وهم يريدون بذلك مفاجأته للناس .

وقد ورد في الأغاني في حكاية حكاها أبو الفرج عن إسحق بن إبراهيم ما يلي : فلما اصبحت ، أرسل إلي أبي ، فقال : يا بني ، هذا الشتاء قد هجم عليك ، وانت تحتاج فيه إلي معونة .

ومن هذه التراكيب قولهم : " كل كلام وله جواب " . قال جميل :

وقلنا لها قولا فجاءت بمثله

لكل كلام يابثين جواب

وتقول العامة في دمشق : " مر على رأسه شئ كثير " ، وهم يريدون بذلك تصوير الرجل المجرب ، المحنك ، الذي مارس الأيام ومارسته .

وقد جاء في الأغاني في كلام أبي الفرج على هلال ونسبه ما يلي : وعمر هلال بن اسمر عمرا طويلا ، ومات بعد بلايا  عظام مرت على رأسه .

لا يتسع المجال في هذا المقال لذكر اكثر مما ذكرت من التراكيب الفصيحة الشائعة في العامة في دمشق ، فهل نستطيع أن نعرف جملة من أمثال هذه التراكيب الشائعة في العامة في مصر ؟

( دمشق )

اشترك في نشرتنا البريدية