الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 190 الرجوع إلى "الثقافة"

بقايا الفصاح

Share

نشرت من أشهر مقالاً في مجلة المجمع العلمي العربى في دمشق اشتمل على ذكر طائفة من بقايا الفصاح ، وأعني بها الألفاظ التي استفاضت في العامية وأصلها فصيح . وهي لا تزال تستعمل في دمشق ، مثل قولنا :فتكت فلانه ، وفلان لعبه جماش ، وفلان بعزق مال أبيه ، أو مثل قولنا : باخ وفرتك والعطعطة والعراضة ، وغيرها

من الألفاظ التي تعاقبت عليها السنون ، فتباعد فريق من الكتاب عنها ، فذهب وهمنا إلى انها عامية ، فهذه الألفاط وكثير من أخواتها لا تزال شائعة في دمشق . وأعتقد أن في كل قطر من أقطار العرب طوائف من هذه الألفاظ تجري بها ألسن العامة ؛ وقد كنت رددت ما ذكرته من هذا النمط إلى أصله الفصيح ، وبينت ما له من منزلة رفيعة في الأدب . وفي خلال مطالعتي لبعض

أجزاء الأغاني في هذا الصيف ، اهتديت إلى نمط آخر من بقايا الفصاح غير النمط الذي نشرته في مجلة المجمع العلمي العربي ، فقد اهتديت إلى جملة من التراكيب التي شاعت في العامة واستعملها بلغاء الكتاب في قديم الدهر فقد أتى على استعمالها ما يفيف علي ألف سنة والحياة لا تزال تملأ جوانبها ، وأنا لا أذكر هذا النوع من الكلام لبلاغته ، وإنما أذكره لشئ آخر غير البلاغة ،

أفلا نشتهي في عصرنا هذا أن نعرف اللغة التي كان أهل العصور الماضية يتكلمون بها في مجتمعاتهم ويستخدمونها في كتاباتهم ؟ أفلا نشتهي أن نرى لغتنا متصلا آخرها بأولها ، وأن نعرف الأحوال التي تقلبت فيها على تراخي السنين ؟ والخلاصة أفلا نجد لذة وحبورا إذا علمنا ان التركيب الفلاني المتغلغل في يومنا هذا إلى جماهير العامة أصله فصيح أتت عليه أحقاب طويلة وهو لا يزال حيا ،

لم يذهب بحياته تعاقب أمم شتي ، ولغات شتى عليه ، فقد استطاع أن ينجو من تأثير العجمة التى خالطت لغة البلاد ، واستطاع أن يحتفظ بفصاحته وبعربته على مر العصور ، أفلا نجد لذة وحبورا إذا علمنا أن هذه اللغة التي نستعملها في أحاديثنا في عصرنا هذا كانت من ألف سنة لغة كتابنا وشعرائنا ، تفصح عن كثير من أفكارهم وعواطفهم ، فنشارك اولئك الكتاب والشعراء في هذه الأفكار وفي هذه العواطف ؟

إني أورد في مقالي هذا طائفة من تراكيب العامية الفصيحة الأصل لأنها سلفة من لغتنا ، فقد يأتي يوم يستطيع فيه العرب أن يصلوا آخر لغتهم بأولها ، وأن يعرفوا الأطوار التي نقلت فيها ، سواء في ذلك لغة العامية ولغة الخاصة . فأي لذة أعظم من أن نعرف مثلا اللغة التي كانوا يتكلمون بها على أيام بني أمية في مجالسهم ؟ فقد روي صاحب الأغاني أن زيادا الأعجم دعا غلاما له ليرسله في حاجة فأبطأ ، فلما جاء قال له زياد : منذ لدن داوتك

إلى أن قلت لي ما كنت تسنا ؟ يريد بذلك : منذ لدن دعوتك إلى أن قلت لبيك ، ماذا كنت تصنع ؟ فهذا طراز من الكلام الذي كانوا يستعملونه في المناطق العامة ؛ وإذا كانت هذه الألفاظ على رأي أبي الفرج الأصبهاني في نهاية القبح والعجمة ، فصاحبها له كلام في شعره قادر ، ومعان نقية ، وقصائد مختارة ، ولكن هذه الألفاظ القبيحة لا تخلو من قيمة تاريخية ، ليست بيسيرة ، لأنها تدلنا على ضرب من الكلام المتداول في الاحاديث العامة

من هذه التراكيب ما عدل تعديلا قليلا في بعض الأحرف . إنما لا نزال نقول في لغتنا العامة : رجلي  ورجلك ، ونحن نقول هذا القول إذا شئنا أن نرسل رجلا في أمر من الأمور ، أو إذا شئنا أن نخرج هذا الرجل

من المجلس ؛ فإذا أراد أن يتملص من الذهاب لخطورة الأمر أو لشيء آخر ، أو إذا أبى الخروج من المجلس وحده قال لمخاطبه : رجلى ورجلك . . أي لا أخرج وحدي ، ولا أذهب وحدي

ذكر صاحب الأغاني في كلامه عن أخبار ابن سريج مع سكينة بنت الحسين عليهما السلام ما يلي : وتذمم ابن سريج من الرجل صاحب المنزل ، فقال لأشعب : اخرج من منزل الرجل ، فقال : رجلي مع رجلك ، فخرجا .

فهنا استعملت مع بدلا من الواو وهو تعديل يسير ، وقد تكون الواو في هذا المقام أخف على اللسان من (مع ) ، فالمعنى الفصيح القديم مثل المعنى العامي الحديث .

ومن هذه التراكيب ما عدل تعديلا يسيرا في ألفاظه ، فقامت فيها لفظة مقام أختها ؛ فمن قولنا في أحاديثنا العامة : فلان حط عينه على كذا . . إنا نقول هذا القول إذا أردنا أن نصور طموح البصر او أمتداد القلب إلى أمر من الأمور المادية أو المعنوية

تكلم صاحب الأغاني على حماد عجرد ونسبه ، فمن جملة كلامه ما يلي : قال أبو يعقوب الخزيمي : كنت في مجلس فيه حماد عجرد ومعنا غلام أمرد ، فوضع حماد عينه عليه

فقد استعملت في هذا المقام مادة ( وضع ) بدلا من حط ، والمادتان متقاربتان ، وقد تكون حط أخف من وضع ، فالتركيب الذي نستعمله في لغتنا العامة مثل التركيب الفصيح الذي كانوا يستعملونه في القديم .

ومن هذا النوع الذي لم يفقد شيئا من قوته وحياته قولنا : قام مثل المجنون ، ونحن نقول هذا القول إذا أردنا الافصاح عن قيام رجل غاظه أمر من الأمور ، أو سمع كلاما فيه غلظة ، أو ما يشبه هذه الحالات .

روي صاحب الأغاني في كلامه على أشعب وعلى أخباره حكاية أعرابي عبثوا به في مجلس أبان بن عثمان ، فقال في جملة

كلامه : ثم نهض مثل المجنون ، حتى أخذ برأس بعيره . فاستعملت في هذا المقام نهض بدلا من قام والمادتان متقاربتان في المعنى .

ومن التراكيب التي عدلت تعديلا قليلا في ألفاظها قولنا : بعثت وراءه ، إذا أردنا بذلك دعوة رجل إلينا

قال صاحب الأغاني في أخبار ربيعة الرقي : فوقعت الرقعة في يد صاحبه ، فأوصلها إليه ، من غير علمي ولا أمري ، فبعث خلفي ، فلما دخلت عليه .. .

فاستعملت (خلفي ) بدلا من ( ورائي ) والمعنى واحد .

ومن هذه التراكيب ما بقي على حاله ، لم يعدل في أحرفه ولا في ألفاظه ، مثل قولنا : مات من الضحك ، إذا أردنا التعبير عن كثرة الضحك .

قال الشريشي في حكاية ابن المغازلي عند المعتضد ما يلى : ولم يبق ورائي خادم ولا غلام إلا وقد ماتوا من الضحك - . . فما أظن أن أحدا يشك في قوة هذا التعبير : مات من الضحك

ومن هذا النحو قولنا في هذا العصر : استر علينا . الله يستر عليك . . إنا نقول هذا القول إذا صدر عن أحدنا أمر فيه ريبة ، وقديما  كانوا يقولون القول نفسه ، فقد ذكر صاحب الأغاني في كلامه على أخبار الحزين ونسبه ما يلي : فلما رآهما قال : أقسم بالله ما اجتمعنا إلا على ريبة ، فقال له ابن أبي العتيق : استر علينا ، ستر الله عليك .

ومثل هذا التركيب قولنا : وقعت في أذني ، أي الكلمة .

ففي كلام أبي الفرج الأصبهاني على أشعب وأخباره ما يلي : فقال لهم عثمان : من أغمد سيفه فهو حر ، قال أشعب : فلما وقعت والله في أذني كنت أول من أغمد سيفه . .

وقد يطول ذكر هذه الشواهد فأختمها بحادثين

لأنتقل إلى نمط آخر من بقايا الفصاح دون شئ من التبسط .

لا يزال الناس يعوذون بالله من الشيطان الرجيم ، وبلعنونه في كل مقام ، ومع هذا كله فهم لا يستغنون عن هذا الشيطان في استعمالهم لبعض انواع البديع ، فهو مادة لبعض تشبيهاتهم واستعاراتهم ، فالعامة لا تزال تقول : فلان شيطان ، وتريد مثل هذا الكلام الدلالة على فهمه أو على حذقه او على حسن تصرفه وأشياء هذه الأمور .

وقد جاء في الأغاني في كلام لصاحبه على خبر لبيد في مرئية اخيه ما يلى : وكانت هؤلاء الثلاثة رءوس القوم وشياطينهم .

فلا غنى لنا عن الشياطين لا في القديم ولا في الحديث ، إنهم لا يزالون مادة لبياننا .

أما المادة الثانية فهي قولنا : فلان متكلم ونحن تريد بذلك تصوير الرجل الذي إذا تصدر كان له بيان رائع في كثير من الأمور .

وفي الأغاني ، في كلام لأبي الفرج على الزرقاء صاحبة ابن رامين ما يلى : وكانت عاقلة ، مقبولة ، متكلمة ، فأعجبه ما رأى منها .

فليس في اللغة لمادة متكلم هذا المعنى الذي جعلوه لها في القديم والحديث ، ففي اللغة يقال : تكلم فلان إذا تحدث ، ورجل تكلامة وتكلام وكلماتي وكلماتي جيد الكلام فصيحه ، ولكن الرجل المتكلم غلب على الرجل التكلام أو الكلماتي ، فالعامة تذهب إلى سهولة التعبير بطبيعتها .

وإلى جنب هذا الطراز من تراكيب العامة الفصيحة الأصل طراز آخر دخل في اللغة الشعرية ؛ فالعامة تميل في بعض لغتها إلى البديع وتستعمله من دون علمها ، فمن قول العامة في دمشق : بالوعد يا كمون ، وهم يقولون

هذا القول لرجل غير صادق الوعد .

وقد لجأ إلى هذا التعبير شاعر منقطع النظير ، وأعني به بشاراً ، فقد قال في هجو حماد عجرد :

مواعيد حماد سماء مخيلة

تكشف عن رعد ولكن ستبرق

إذا جئته يوما أحال على غد

كما وعد الكمون ما ليس يصدق

ولكني أرى قول العامة ( بالوعد باكمون ) أخف على اللسان من شعر بشار

ومن هذا النوع قولنا في أحاديثنا العامة : من الدلف إلى تحت المزراب ، ونحن نريد بذلك الانتقال من مصيبة إلى مصيبة أعظم .

ولكن ليس في اللغة لمادة الدلف المعنى الذي تريده العامة ، فهي تريد بالدلف الوكف والقطر ، واما المزراب فهي فصيحة ، إنها المرزاب ، والمرزاب هو الميزاب ، قال أبو العتاهية :

أنت مثل الذي يفر من القطر

حذار الندي إلى الميزاب

وهكذا فقد نجد في بعض تراكيب العامة ما انحدر أصله الفصيح عن شعراء أمثال بشار وأبي العتاهية ، إلا أنى لا أشاء الاسهاب في هذا الباب ، وإنما ذكرت ما ذكرت من بقايا الفصاح في مقالي هذا حتى أبين أنه كما استطاعت طائفة من الألفاظ الفصيحة أن تعيش في العامة في عصرنا هذا على الرغم من تعاقب السنين عليها ، فكذلك استطاعت طائفة من التراكيب الفصيحة أن تعيش في هذه العامة ، فهل يأتي علينا حين من الدهر نرى فيه تقارب لغة العامة ولغة الخاصة كما هي الحال في بعض لغات الأفرنجة ؟

( دمشق )

اشترك في نشرتنا البريدية