الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 964 الرجوع إلى "الرسالة"

بقية حية

Share

كان تورجنيف خلال صيد يفتش عن ملجأ من المطر فى  مزرعة لأمه. فهبط كوخا مهجورا ووجد خصا فى زاوية من

زوايا سرير خشبى يرقد عليه شكل إنسانى صغير) قال تورجنيف:  دنوت ولكن الدهشة سمرتنى فى مكانى. أن إزائى كائنا  حيا، ولكن ما هو هذا الكائن؟  وجه غاض منه ماء الحياة، وغشيه لون برنزى كأنما يرى  فيه الناظر صورة قديسة قديمة، وأنف دق مارنه حتى أشبه حد  المدية، وشفتان دقيقتان نحيفتان لا تكادان تحسان، وعينان  لامعتان، وأسنان بيضاء، وبعض غدائر شقراء ناست تحت  النقاب، وفى أطواء الفضاء تتحرك ببطء أصابع يدين ووجه  لا يسمه القبح، وإنما هو جميل، ولكنه غريب مؤثر،  وكان أشد ما أثر فى نفسى ما لمحته على الخدين المتصلبين من  صورة ابتسامة تجهد نفسها عبثا لتظهر

- ألا تعرفنى يا سيدى؟  تردد ذلك الصوت الذى راح يردده هذا الكائن كنفحة،  تحركت به شفتان بعناء  - إنى (لو كريا) هل تذكرنى؟ أنا التى كنت أرسل  الأغانى وأثير الضحك عند أمك!  - أأنت (لو كريا) أنت؟ هذا مستحيل  - أنا هى بذاتها  وما كان لى إلا القول والنظر كالمجذوب فى هذا الوجه الأربد،  وفى هاتين العينين اللامعتين الشاخصتين بدون حياة.  أهذه المومياء هى (لو كريا) أجمل وأبهى إمائنا، من كانت  بضة الإهاب وردية اللون، ترقص وتضحك وتمرح وتغني؟  لو كريا. . . الرقيقة التى فتنت رفاقها، ومن كنت أبسم لها خفية  حينما كنت فى السادسة عشرة؟  آه يا لو كريا ماذا أصابك؟  - حادثة مروعة، ولكن لا تخش يا سيدى، ولا  تعرك السآمة من حالى. اجلس منى قريبا على هذه الخابية لأنك  لا تستطيع الإصغاء إلى بعيدا. أى صوت لى الآن؟ إننى جد  مسرورة برؤيتك. .  (وهنا تقص عليه لو كريا قصتها، وأنها فى ساعة عرسها

سقطت عن السلم فأصابها هذا الشلل الذى عطل حركتها. وقد  جربوا عبثاً أن يجدوا لها الدواء. وأخيراً قادوها إلى هذه  المزرعة عند بعض الأقارب)

- وهل تظلين مضطجعة هكذا دائما؟  - نعم! وقد مر على سبعة أعوام، فى الصيف أمكث فى  هذا الخص الصغير، وفى الشتاء يحملونى إلى مدخل هناك

- ومن يعني بك ويقوم بحاجاتك؟  - أن هنا رجالا كرماء لا يتركوننى ولكن فى  الغالب لا احتاج إلى شىء. كدت استغنى عن الطعام والشراب،  وترانى اكثر الأوقات مطروحة جانب هذا الينبوع البارد،  وأستطيع أن أبلغ مقرى وحدى، إذ لا تزال إحدى يدى  سليمة. وهناك فترة صغيرة يتيمة ترافقنى كثيرا فليجزها الله  عنى! كانت هنا قبل لحظة، ألم تلاقها فى طريقك؟ أنها غادة  شقراء تحمل إلى أزهارا أحبها. كان عندنا من الروضة أزهار  ولكنها ذوت. أما أزهار الحقول فهى جميلة أيضاً وشذاها  أضوع! ماذا تريد أحسن من ذلك؟

- ولكن الحياة، ألا تجدينها كئيبة ثقيلة عليك يا لو كريا  البائسة؟

- ما العمل؟ لا أقدر أن أكذب. كانت أيام مصابى  الأولى أياما ثقيلة قاسية، ثم ما لبثت أن تعودت، وللإنسان من  دهره ما تعود، وصبرت وذكرت أن آخرين - هنالك - قد  يكونون أحق بالشكوى منى. .  - وكيف ذلك؟

- من لا مأوى لهم مثلا، والعميان والصم! أما أنا  - فشكرا لله - أبصر وأرى، وأسمع ما خفت من الأصوات  إذا شق خلد منفذا فى الأرض فإنى أسمعه، وأتروح كل العطور  حتى الضئيل منها. لا تزهر شجرة فى الحقول أو زيزفونة فى البستان  دون أن أخبر بذلك، فإذا مرت عليها الريح أكون أول كائن  يحس ما تنطوى عليه هذه الريح! لا لا. . ولماذا العن حظى؟  هنالك آخرون حظهم أقسى، وكذلك الأشخاص المعافون  تدفع بهم ميولهم كثيرا إلى عمل الشر. أما أنا فالخطيئة

تركتنى  - وهل أنت وحيدة دائما يا لو كريا؟ كيف تعملين  لتطردى الأفكار عن نفسك؟ وعلى الأقل ألا تنامين كل الوقت؟  - لا يا سيدى! لا أستطيع أن أنام. حينما أريد وبدون أن  أحس الآلام الكبيرة أجد فى أعماق نفسى آلاما صماء تتمشى فى  عظامى، وهذا ما يحرمنى النوم. لا أظل على حالة واحدة  هادئة دون تفكير أحس أننى أحيا. إننى أتتنفس، وهذه كل  حياتي، إننى أنظر وأسمع. تدوى أسراب النحل وتسقط حمامة  على السقف وتمشى، ودجاجة تقاسم فراخها فتاتاً أو عصفورة  أو فراشة تحوم. هذا كله يدخل السرور فى نفسى، ومن عامين  طرق السنونو هذا المكان، وبنى - هنا - عشا،  ما أجمل هذا!

وفى بعض خطراتى أردد صلوات، ولكنى لا أعرف منها  كثيراً، ولماذا أضجر الإله الصالح منى؟ وماذا أطلب  إليه؟ أنه يعلم حاجتى أكثر منى. أنه أرسل إلى صليبه وهذه  علامة محبته لى. أعرف صلاة (يا أبانا) وصلاة (السلام  عليك يا مريم) ثم أرانى أحلم فى شىء. . . وهكذا  الزمن يمضى

(وهنا يعرض عليها (تورجنيف) أن يقتادها إلى مستشفى  فى المدينة ولكنها ترجوه ألا يفعل)

- إننى أعرف يا سيدى أن فيما تعمله خيرا لى، ولكن  هل فى الإمكان مساعدة لآخرين؟ هل يمكن قراءة ما فى  النفوس؟ إنما يجب على الإنسان أن يجد مساعدة فى نفسه. إنك  لا تؤمن به. فى بعض خطراتى وأنا مضطجعة وحدى أحس  أن لا أحد على الأرض غيرى، وأن لا أحد لى سواى، وأشعر  بأن بركة تتنزل على. . . تساورنى أفكار تبعث على الدهشة

- وأية أفكار تساورك يا لو كريا؟  - يستحيل الإفضاء بها يا سيدى! لأنها مما لا يمكن  التعبير عنه. ثم أنساها. ثم يعرض لى ذلك كسحابة تمر  فوقى. وعنها أحس نداوة تغمرنى. ما هذا! لا أعلم عنه  شيئاً. ولكنى أقول: لو كان واحد معى  لما وجد له مكانا.  لا أحس شيئا إلا رزيئتى

وهنا تنهدت لو كريا تنهدا شديدا ولكن صدرها لم  يسعفها على التنهد اكثر من بقية أعضائها  - سيدى! إننى هجت فيك حس الشفقة كثيرا،  فلا تأسف أصغ إلى ما سأقوله لك. . . إنك تعلم،  أو تذكر أننى كنت طلابة للمرح كثيرا فى عهدي الأول. وتعلم  كم كنت أغنى!  وأنت تغنين أيضا!  - نعم: أردد أغانى القديمة، أنواعا كثيرة من الأغانى،  أعرف منها كثيرا ولم أنسها ولكن ألحان الرقص أصبحت  لا أرددها لأن حالتى لا تساعدنى  - إنك تغنيها لنفسك بدون شك؟  - لنفسى. . . وأرددها عاليا، قد لا أقدر أن أغنى عاليا  جدا، ولكن سامعها يفهمها. إننى حدثتك الآن عن غادة  صغيرة تعودنى. لقد علمتها إياها وأصبحت تعرف منها أربعا، وعما  قليل ترى.

تنفست (لو كريا) وهذه الفكرة التى بدأت ترددها هذه  الغادة الفانية قد أيقظت فى نفسى هولا لا قبل لى به. ولكنى  قبل أن انبس بكلمة تصاعدت رنة تتعالى بصعوبة ولكنها صافية  مستقيمة ملأت أذنى، ثم رنة أخرى تلتها ثم أخرى. . .  ولو كريا لا تزال تردد:

(فى هذه المروج، هذه المروج، فى هذه المروج الجميلة  الخضراء) كانت تشدو دون أن تتبدل ملامح وجهها وعيناها  لا تتحولان. ولكنها كانت ترسل صوتها يرن مؤثرا، هذا  الصوت الضعيف الذى كان يجهد نفسه متصاعدا كأنه خيط  دخان، متدفقا من كل نفسها. أصبحت لا أحس ذلك الرعب  بل حل محله شفقة عنيفة تضغط قلبى.  أنت فجأة وقالت:

- لا أقدر. . . إن قوتى تخوننى إن فرحى كثير برؤيتك  وهنا أغمضت عينيها، ولمست بيدى أصابعها الباردة فنظرت إلى  نظرة خفيفة، ثم رأيت حاجبيها الكثيفتين المنتهيين بخطوط ذهبية  كخطوط الهياكل القديمة قد أغلقا

كنت بالقرب من الباب عندما ذكرتنى. . .  - هل تذكر يا سيدى (وقد بدت ملامح غريبة على عينيها  وشفتيها) هل تذكر جديلتى الصغيرة؟ كانت تسقط حتى ركبتى  مضى على ذلك عهد طويل وأصبحت لا أجزم. كانت غدائر جميلة  وإنى لى أن اعمل المشط فيها على هذه الحالة؟ فاضطررت إلى  قصها. . . عفوا يا سيدى. . . لا أستطيع!

مرت أسابيع معدودة علمت خلالها لو أن لو كريا غادرت هذا  العالم. وهنالك يقصون - أنها فى يوم موتها - كانت  تسمع بدون انقطاع نواقيس تقرع. وكانت لو كريا تزعم أن هذا  اللحن الذى تسمعه لا يقبل من الكنيسة ولكنه يقبل من  العالم الأعلى وكأنها لا تجرؤ أن تقول أنه من السماء  خ. هـ

اشترك في نشرتنا البريدية