الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 48الرجوع إلى "الثقافة"

بلاغة التلحين ! . . .

Share

كنا ، وما برحنا ، نشكو من هذه التطرية التي لحقت الغناء المصري في السنين الأخيرة ، بل لا غرو على إذا قلت من شيوع التخنيث في هذا الغناء ، لا تستثني على ذلك نظم المقطوعات الغنائية ، في بعض الأحيان . ولا تلحينها ، في كثير من الأحيان ، ولا أساليب أدائها في أكثر الأحيان .

تسمع الغني وكانك تستمع إلى أنين عليل أو جريح ، او حشرجة محتضر ، إذا استثنيت الصرخة ( الأفرنجية ) الأخيرة التي لا بد من أن تختم بها الأصوات في هذه الأيام ، ولعلها الصرخة الأخيرة التي تشبه من المحتضر إيماضة الخمود !

ذل ، وتوجع ، وتميع ، وتسايل ، وتزايل واسترخاء لا يليق بامرأة فضلا عن صدوره من الرجال !

ومن العجب العجيب أنك لا تجد أثرا مطلقا لهذا التخنيث في غناء مغنياتنا ، وأعني مغنيات الطبقة الأولى ، على وجه خاص ، فان غناءهن تشيع فيه القوة والرجولة ، الهم إلا ما يستكرههن عليه بعض السادة الملحنين ! اما التميع والتزايل ، فأكثر ما تجده الآن في أغاني الرجال . ومن أعجب العجب أن يكون صوت المغني ، بطبيعته ، قويا شديد الأسر ، فيأبي هو إلا أن يتكلف تطريته وإلا نته ، بحبس جوهره في الخلق ، وصوغ سوت له من سقف الحنك ولا تذهب عنك أن الأصوات مما يمكن ان يصنع ويصاغ . وكذلك يتهيأ للمغني أن يلين ويسترخي ويسيل . وإنني اؤكد لك ، يا سيدي القارئ ، أن

أكثر من تسمع الآن من هذا الضرب من المغنيين ، إنما يتنغمون بأصوات مستعارة ، لا بالاصوات الطبيعية التي تجري في الحلوق !

وأرجوك ألا تعجل بلوم محطة الاذاعة ، ولا بلوم هؤلاء المغنيين ؛ فهم إنما يوانون نزوة تعتلج في الصدور في هذه السنين ، مع الاسف الشديد . ولست أكتمك أنني ، من بضعة أسابيع ، سمعت نشيدا ( حماسيا ) ، جعل رئيس الجماعة يتكسر في إنشاده ، ويتزايل في إلقائه ، ويلين من صوته ، ما أسمدته القدرة على التليين ، حتى لقد ظننت في أول الأمر أن هذا النشيد ( الحماسي ) إنما يغني لحث الجند على الفرار ، لا لحثهم على الأقدام ، لولا ما فطنت إليه أخيرا من أنه لا يصلح لهذا أيضا ، لأنه يرخي الجوانب ويخذل السوق ، وهيهات لمنخذل الساق القرار ! وكل هذا إنما يتكلفه المغني مطاوعة لذلك الطائف الكريه .

وبعد ، فإذا كان هذا سائا فيما خلا من الزمن . وهو غير سائغ في أمة من الأمم ، في أي زمن من الأزمان - فإنه على كل حال غير سائع في هذا الوقت الذي تستنفر فيه الشباب لحمل السلاح . ليس سائغا البتة في هذا الوقت الذي تدعو فيه الأمة شيبها وشبابها ، رجالها ونساءها وأطفالها إلى الحياة العسكرية التي لا تعرف ترفا ولا لينا ، حتى تستطيع أن تلقي الشدائد ، مهما يكن لونها ، بالصبر والقوة والعزم الحديد .

وأخيرا ، يظهر أن أولياء الغناء في مصر ، تفطنوا إلي ان هذا ، ولكن في الأناشيد الحاسية فحسب ، أمر

سخيف مليخ . فماذا صنعوا ، يارعاك الله ، ليخرجوا أناشيد ترج النفوس رجا ، وتستحمس الشباب أنما استحماس . ولا تذر في البلاد كلها ففي ولا شابا ، ولا كهلا ولا شيخا إلا قذفت ( إلي الميدان ، ليروي غلته إلي الضرب والطعان . ما يبالي أين يقع من الموت الزؤام أو أين يقع منه الموت الزؤام !

أتدري ماذا صنعوا في سبيل إدراك هذا المطلب الجسام ؟ لقد شمروا عن سواعدهم ، وشدوا متونهم ، وقواوا عزائهم ، وحدوا انيابهم . أرأيت الليث وقد تهيأ وئاب ، أو ( اخر نبق لينباع ) كما يقول أئمة اللغويين . وأطلقوا الحناجر بأصوات ترعب سكان المريخ ، لو كان في المريخ سكان ! .

وليت لي حظا من البلاغة يهيء لي أن أصف لك بعض هذه الأناشيد الحماسية ! ولكني عاجز أبلغ العجز عن أن أفعل . وكل ما أستطيع أن أصورها به لنفسي أن أذكر أيام كنا أطفالا ، وكانت العجائز يسلين عنا بفنون الأحاديث ( الحواديت ) ، حتى إذا انتهين إلي ( أم الغولة ) ، ونهوضها لافتراس العابر المسكين في جوف الفلاة ، جوفن أصواتهن أشد التجويف ، وفخمن لفظهن أعظم التفخيم ، وفلن يحاكين زمزمتها ساعة فرمها وافتراسها : " هم أكلك منين ؟ ! " .

وأرجو أن أكون بهذه الصورة قد أجدت التعبير عن أكثر هذه الأناشيد .

وصدقوني ، يا سادتي القراء ، إذا قلت لكم إن بعض هذه الأناشيد قد التي ذات يوم وانا جالس ، وولدي الصغير بين يدي ، وهو الآن في طريقه إلى الثانية عشرة ، حتي إذا فرغ المنشدون من نشيدهم ( الحماسي ) اقبل علي وقال : " يعني بابا متحمتنات " ، وفي سينه وشيته لثغة فأجيبته من فوري : " الحق علينا يا ابي اللي متحمسناش . باللا بنا نتوكل على الله ونتحمس "

ما هذا أيها الاخوان الملحنون ، وما هذا أمها الاخوان المنشدون ؟ ولله أبو الشاعر يقول :

أوردها سعد وسعد مشتمل

                      ما هكذا تورد يا سعد الإبل

وما هكذا يكون الاستحماس ، ولا استنفار الشباب للقتال ، بل إنه لأشبه ما كان يدخل به الذعر على قلوب الأطفال في سالف الأجيال !

وبعد ، فليست البلاغة مقصورة على فن الكلام ، بل إن لكل فن جميل بلاغة ، فللتصوير بلاغة ، والموسيقي كذلك بلاغة . وهكذا . فإذا خلا الفن من هذه البلاغة ، خرج سمجا مؤذيا ، أو سخيفا باردا ، كما هو الشأن في الكلام الفشل الركيك ، الضعيف التأليف سواء بسواء .

وانت ، بعد ، خبير بأن البلاغة قوامها الذوق ورعاية المقام . وهنا قد يقول قائل : إذا جاز لك ان تنكر من الللحتين تلك الأناشيد ( الحماسية ) التي يشيع فيها اللين والأسترخاء ، فكيف لك بإنكار هذه الأناشيد التي وصفتها بالقوة فيما تقدم من الكلام ؟

والواقع أن الأناشيد الخماسية كما تحتاج في لفظها إلي الجزالة ، محتاج في نظمها إلي المتسانة ، ومحتاج أخيرا في تلحيها إلى القوة . نعم تحتاج إلى القوة القوية . فذلك هو الأشبه بأيام البأس ، والدعوة إلى ملاقاة الأهوال . ولكن لعله ذهب عن ذلك القائل أن العنف لم يكن على الدوام دليلا على الشدة ، ولا كان الصراخ عنوانا لقوة الأقوياء ! بل لقد يدل هذا وهذا على الضعف والخور في كثير من الأحيان . وإن من يظن أن المعني الشديد لأ يؤدي إلا باللفظ الصاخب العنيف ، وإن من يحسب ان الموسيقى الخماسية لا تصور إلا في التلحين الصاخب العنيف ، لهو واقع في خطأ عظيم .

ولأضرب لناشئة المتأدبين في هذا الباب مثلا من أبلغ الأمثال :

كلمة هادئة رفيقة وادعة ، قالها رجل هادىء رفيق وادع . ولعله لم يبرعه في هذه الخلال احد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا صح ان هذا الرجل كان ممن شك السل صدورهم ، فقدر مبلغ حظ هذه الكلمة من الظرف والرقة واللين ، فليس ارق ولا ألين ولا أخف على الأذن من حديث مساول ، ومع هذا ، لو تفطنت ، فانك واجد لهذه الكلمة من الترجمة عن القوة والسطوة والسلطان ما لا يكاد يدانيها في ذلك كلام .

وجه أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن سفيان على جيش الى الشام وخرج يشيعه راجلا فتعاظم الامر يزيد فقال يا امير المؤمنين اما ان تركب واما ان أنزل فقال له الصديق ما انا براكب وما انت بنازل ثم انشا يقول ان هي الا خطي احتسبها لله وفي الله الخ

لعلك استشعرت ما وراء هذه الكلمات الرفيقة الوادعة من سطوة ومن سلطان فاذا تعاظمك مع هذا انها خلت حتى من صبغة الامر والنهي فاعلم ان من اسباب قوتها وباسها اذا لم يكن السبب الوحيد في قوتها وباسها هو خلوها من ذاك وكذلك يخبر قائده اخبارا بان ارادته  قد مضت بما سيكون فليس له بتغيير الامر يدان

ونعود الي القول بأن التدليل على القوة لا يحتاج البتة الى عنف ولا الي صراخ واصطخاب فمن لنا بذلك الملحن البليغ الذي يصوغ هذه الاناشيد في قوة تتنزه عن مثل هذا الصراخ الحقيق بتخويف الصبيان

من لنا بذلك الملحن البليغ الذي يصوغ لنا هذه  الاناشيد في لحن قوي يشيع فيه الطرب وأقول الطرب

لأنه شرط أساسي في مثل هذه الأناشيد . فالطرب مما يثير الأريحية ويدعو إلي الإقدام

ومما يحسن ذكره في هذا المقام أن القوة والطرب كانا ، إلي وقت قريب ، هما الطابع المصري لما يصاغ من التلاحين في هذه البلاد ، كشأن التلاحين الشامية والتركية جميعا !

واخيرا فلست أشك في وجود الملحنين القادرين على هذا ولكن يظهر انه قد جرفهم هم الاخرين هذا التيار مع الاسف العظيم

اشترك في نشرتنا البريدية