الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 210الرجوع إلى "الثقافة"

بلاغة الصدق

Share

بقى في نفسي بعد سفرة من سفراتي إلي العراق أثر بيت من الشعر لم يمحه شئ على الرغم من الصور الكثيرة التي مرت على هذه النفس ، كنا ثلاثة في سيارة ذاهبين في نزهة من بغداد إلى الحلة ، وكان احدنا ، وهو بغدادي المولد ، كثير المحفوظ ، فكان ينشدنا على الطريق ما يحفظه من الشعر ، وصوته الحسن يزيد في محاسن الشعر الذي ينشده . ولما طوت بنا السيارة الفلوات والصحاري افرغ هذا الصديق في مسامعنا قصيدة لدعبل ، منها هذا البيت ؛

بنات زياد في القصور مصونة

                                وبنت رسول الله في الفلوات

من ذاك اليوم بقي بيت دعبل في ذهني . إني لم ار القصور التى صانوا فيها بنات زياد ، ولكني رايت الفلوات التي شئتوا فيها بنت رسول الله ، وقد يجوز أني في طريقي من بغداد إلي مكة مررت بالفلوات نفسها التي اشار إليها دعبل في شعره .

فقد عرفت كآبة هذه الصحاري وعرفت كثيرا من متاعبها ، ولماذا بقي في ذهني بيت دعبل ، على ان حفظت من الشعر شيئا كثيرا ، ولكن السنين محت هذا المحفوظ إلا اقله . فليس في بيت دعبل تشبيه حسن من التشبيهات وما أظن أن فيه أي باب من أبواب البديع ، على قلة نصيبي من معرفة هذه الأبواب على التفصيل ؛ وكيف كان الأمر فليس فيه صورة شعرية من هذه الصور التي تعودنا أن تسكرنا برئات ألفاظها . ولئن لم يكن بيت دعبل أبلغ بيت قالته العرب ، فإنه في أبلغ الشعر ، إنه خالد في اللغة العربية خلود هذه الفجيعة الحمراء التي فاضت فيها دماء

طاهرة ، وسكبت فيها دموع نقية ، واعتني بها فجيعة الحسين . ثم تأته البلاغة من محاسن التشبيهات والكنايات والاستعارات ، فهو مجرد من هذا كله ؛ ولم تأته البلاغة من ألفاظه الجزلة الفخمة ، فلست أعرف ألفاظا أسهل من ألفاظه ولم تأته البلاغة من دقة معانيه ، فلست أعرف معاني اظهر من معانيه ؛ ولكن البلاغة أتته من وجه آخر ، فقد اتته من صدق المعنى الذي صوره ، من عظمة هذا المعنى ، من بساطته ، وأظن أنا لا نري البساطة في الحياة إلا رأينا العظمة في ظلالها

لست في مقام المؤرخ ، فلا أتعرض لأمر معاوية وعلي ولا أتعرض لمقتل الحسين عليه السلام ، كل هذا أتركه للتاريخ ، فإن موضوعي : بلاغة الصدق ، فبيت دعبل بليغ لأنه صادق . إن هذه الدماء التي سفكت في الفلوات ، وهي دماء المسلمين ، قادرة علي أن تفجر دموع العيون من دون أن تحتاج إلي شئ من زخرفة الكلام ، فأي قلب لا يحزن عليها ، وأي عين لا تدفع لها ، سواء أكان هذا القلب هواء في عبيد الله بن زياد أم كان هواه في الحسين ؟ ! أي قلب لا يذوب لشتات الحسين وأطفاله في الفلوات ؟ ! إن بيت دعبل ، على بساطة معانيه ، وعلى سهولة ألفاظه خليق بأن يستثير أرق النفوس ، وألطف القلوب . فالبلاغة الكاذبة قد تعمل عملها في النفوس ، ولكن هذا العمل لا يلبث أن يزول أثره ، لأن هذا النمط من البلاعة يلبس الأمور لباسا لا يناسبها ، فلا يلبث تنافر الأمور ولباسها أن تظهر مفايحه للعيون ؛ أما البلاغة الصادقة فإنها إذا عملت في القلوب عملا دام عملها السنين كلها ، لا بل الدهر كله ، لأن اللباس الذي تخلعه على الأمور إنما هو اللباس اللائق بهذه الأمور ، تستحسنه العيون في كل حين فليس للنفس عنه نبوة . لم يحتح دعبل في بيته إلي بلاغة ، لأن الفجيعة التي قيل فيها دونها كل البلاغات ،

فعظمة معانيها ألفت على ألفاظ البيت عظمة مثلها ، فتناسبت بساطة الصور وعظمة المعاني الصادقة ، فخلد لبيت دعبل هذا الخلود

وفي كتب أدبنا أمور كثيرة من هذا الشكل : كان سيف الدولة يميل إلي أبي العباس الثاني ميلا شديدا ، إلي ان اتصل المتنبي بسيف الدولة ، فمال عن الناس إليه ، فغاظ ذلك ابا العباس ، فلما كان ذات يوم خلا بسيف الدولة وعاتبه وقال : الأمير ، ولم يفضل علي ابن عيدان السقاه ؟ فأمسك سيف الدولة عن جوابه ، فلح وألح عليه وطالبه بالجواب ، فقال سيف الدولة : لأنك لا تحسن أن تقول كقوله :

يعود من كل فتح عبر مفتخر

                                وقد أغد إليه غير محتفل

فنهض من بين يديه مغضبا .

فبيت المتنبى على ما أعتقد خال من أي تشبيه حسن ومن آية استعارة حسنة ، فلماذا استحسنه سيف الدولة ! أظن أنه لم يبلغ من نفسه هذا المبلغ إلا لأنه صادق البلاغة لا كاذبها ؛ فسيف الدولة عظيم في بطولته . عظيم في أعماله فلا تحتاج عظمته إلي بلاغة كاذبة ، وهذه العظمة هي التي صبغت بيت المتنبى بهذا الصباغ البهيج حتي وقع من سيف الدولة هذا الموقع ، وهو ليس بقصير الباع في معرفة البلاغة وأساليبها ، ولكن عظمته نزهته عن حب كل بلاغة كاذبة ، وححبت إليه كل بلاغة صادقة ، حيث إليه البساطة ، والبساطة أخت العظمة

غير انى لم أ كتب هذا المقال لأقرر فصلا من فصول البلاغة ، فلست من فرسان هذا الميدان ، وإنما موضوعي ؟ بلاغة الصدق . وكما تكون هذه البلاغة في الأقوال فقد تكون في الأعمال ، وربما كانت بلاغة الصدق في العمل أجل من بلاغة الصدق في القول !

قرأت أخبار الرئيس سلازار " مصلح البرتغال لقد كان هذا الرئيس أستاذ الحقوق في جامعة كويميرة ثم كان نائبا وهو ابن اربعين سنة ، وترك مجلس النواب من أول جلسة ، ثم كان وزير المالية سنة ١٩٢٨ واشترط في وزارته شروطا ، منها مراقبة النفقات بمجامعها ، ومنها أن الوزير كائنا ما كان لا يجوز له أن يجمع امرا من الأمور إلا بعد أن يوافقه سلازار عليه ، وقد وضح في بلاغ من بلاغاته المبادئ القاسية التى بني عليها سياستة في إصلاح الحياة المالية والحياة الاقتصادية في الأمة . وأعرب عن حاجته إلي ثقة الشعب المطلقة على ان تكون هذه الثقة مملوءة  هدوءا وصفاءا، وبين أنه لا يميل في نفسه إلي الحكم ، وانه لم يرض به إلا من أجل مصلحة البلاد ، فإذا شاكوه في خلال قيامه بالواجب فإنه يتخلي عن الحكم ويعود إلي منبر التدريس

إني اري في الكلمات الأخيرة اصفي صورة من صور بلاغة الصدق في العمل ، ثم على هذا المصلح إلي ما مال إليه نظراؤه في سفك الدماء وتخريب البلاد ، ولم يحتج في بيان إلي ما يحتاج إليه غيره في تزويق وتعميق فقد رأي أن البساطة في العمل بمنتهى البلاغة فيه وهذه البساطة ناشئة عن الصدق ، فاستغني سالازار " عما لم يستغن عنه غيره لانه صادق في عمله ، فإذا صدعت البلاد بما يأمر استخرج مكنونه في خدمتها ، وإذا عاسروه القي مقاليد الرياسة وعاد إلي التدريس لقد تم الإصلاح علي يديه دون ان يحتاج إلي البطش ، ثم هذا الإصلاح بفضل طرائقه المستقيمة الواضحة . وقد قيل إن رئاسته كانت أشرف الرئاسات وأحذقها في أوربا ، وكانت في الوقت نفسه أحزمها

إني لا أشك في صحة هذا الكلام ، لأن الرجل الذي تلقى  إليه مقاليد الأمور فيوطن النفس علي صدق الخدمة ،

فإذا ضايقوه عاد من نفسه إلي صناعته الشريفة وهي التدريس من دون محاولة من المحاولات ، ومن دون دسة من الدسات ، إنما هو رجل صادق في العمل ، وبلاغة صدقة في العمل أغنته عن كل بلاغة كاذبة في القول .

وسواء أكانت البلاغة ناشئة عن الصدق في القول ثم الصدق في العمل ، إنها والبساطة صنوان . فقد رأينا مقدار بساطة بيت دعبل وبيت المتنبئ ، وشهدنا مبلغ بساطة الرئيس ) سالازار " في قوله وفي عمله وقد قدر لي من تسع سنين أن أزور عواصم كثيرة في أوربا ، وإذا رجعت إلي خواطري التي دونتها في رحلتي إلي " لندن " فإني أجد فيها ما يلي :

كل شئ في لندن ؟ بسيط حتي هذا الفندق الذي نزلت فيه ، وحتي هؤلاء ، الفتيات النظيفات اللواتي يخدمن فيه ، وحتي هذه المآكل ، ولكن بساطة هذا الفندق وهؤلاء الخدم وهذه المآكل لا تخلو من مظاهر العظمة ؛

ومن جملة هذه الخواطر أيضا :

كل شئ في لندن عظيم ، حتى مبانيها ، إنك لا تجد في هذه المباني العظمة التي تريدها في زيادة الزينة أو في زيادة الرونق ، أو في زيادة الفخامة ، ولكنك تجد فيها البساطة وهي مادة عظمتها

إني لا أريد التبسط في هذا الوصف ، فها أنا أطوي الدفاتر التي دونت فيها امثال هذه الخواطر واعود إلي موضوعي ، لا بل اختم موضوعي بهذه الكلمات : إنا لا نكون بلغاء في أقوالنا وفي أعمالنا إلا إذا كنا صادقين في هذه الأقوال وفي هذه الأعمال ، وقد يستغني صدقنا عن كل بهرج ، ولكنه لا يستغني عن شئ من البساطة ، فعلى قدر بساطتنا في القول وفي العمل وفي الحياة نفسها تكون عظمتنا

(دمشق)

اشترك في نشرتنا البريدية