بقى في نفسي بعد سفرة من سفراتي إلي العراق أثر بيت من الشعر لم يمحه شئ على الرغم من الصور الكثيرة التي مرت على هذه النفس ، كنا ثلاثة في سيارة ذاهبين في نزهة من بغداد إلى الحلة ، وكان احدنا ، وهو بغدادي المولد ، كثير المحفوظ ، فكان ينشدنا على الطريق ما يحفظه من الشعر ، وصوته الحسن يزيد في محاسن الشعر الذي ينشده . ولما طوت بنا السيارة الفلوات والصحاري افرغ هذا الصديق في مسامعنا قصيدة لدعبل ، منها هذا البيت ؛
بنات زياد في القصور مصونة
وبنت رسول الله في الفلوات
من ذاك اليوم بقي بيت دعبل في ذهني . إني لم ار القصور التى صانوا فيها بنات زياد ، ولكني رايت الفلوات التي شئتوا فيها بنت رسول الله ، وقد يجوز أني في طريقي من بغداد إلي مكة مررت بالفلوات نفسها التي اشار إليها دعبل في شعره .
فقد عرفت كآبة هذه الصحاري وعرفت كثيرا من متاعبها ، ولماذا بقي في ذهني بيت دعبل ، على ان حفظت من الشعر شيئا كثيرا ، ولكن السنين محت هذا المحفوظ إلا اقله . فليس في بيت دعبل تشبيه حسن من التشبيهات وما أظن أن فيه أي باب من أبواب البديع ، على قلة نصيبي من معرفة هذه الأبواب على التفصيل ؛ وكيف كان الأمر فليس فيه صورة شعرية من هذه الصور التي تعودنا أن تسكرنا برئات ألفاظها . ولئن لم يكن بيت دعبل أبلغ بيت قالته العرب ، فإنه في أبلغ الشعر ، إنه خالد في اللغة العربية خلود هذه الفجيعة الحمراء التي فاضت فيها دماء
طاهرة ، وسكبت فيها دموع نقية ، واعتني بها فجيعة الحسين . ثم تأته البلاغة من محاسن التشبيهات والكنايات والاستعارات ، فهو مجرد من هذا كله ؛ ولم تأته البلاغة من ألفاظه الجزلة الفخمة ، فلست أعرف ألفاظا أسهل من ألفاظه ولم تأته البلاغة من دقة معانيه ، فلست أعرف معاني اظهر من معانيه ؛ ولكن البلاغة أتته من وجه آخر ، فقد اتته من صدق المعنى الذي صوره ، من عظمة هذا المعنى ، من بساطته ، وأظن أنا لا نري البساطة في الحياة إلا رأينا العظمة في ظلالها
لست في مقام المؤرخ ، فلا أتعرض لأمر معاوية وعلي ولا أتعرض لمقتل الحسين عليه السلام ، كل هذا أتركه للتاريخ ، فإن موضوعي : بلاغة الصدق ، فبيت دعبل بليغ لأنه صادق . إن هذه الدماء التي سفكت في الفلوات ، وهي دماء المسلمين ، قادرة علي أن تفجر دموع العيون من دون أن تحتاج إلي شئ من زخرفة الكلام ، فأي قلب لا يحزن عليها ، وأي عين لا تدفع لها ، سواء أكان هذا القلب هواء في عبيد الله بن زياد أم كان هواه في الحسين ؟ ! أي قلب لا يذوب لشتات الحسين وأطفاله في الفلوات ؟ ! إن بيت دعبل ، على بساطة معانيه ، وعلى سهولة ألفاظه خليق بأن يستثير أرق النفوس ، وألطف القلوب . فالبلاغة الكاذبة قد تعمل عملها في النفوس ، ولكن هذا العمل لا يلبث أن يزول أثره ، لأن هذا النمط من البلاعة يلبس الأمور لباسا لا يناسبها ، فلا يلبث تنافر الأمور ولباسها أن تظهر مفايحه للعيون ؛ أما البلاغة الصادقة فإنها إذا عملت في القلوب عملا دام عملها السنين كلها ، لا بل الدهر كله ، لأن اللباس الذي تخلعه على الأمور إنما هو اللباس اللائق بهذه الأمور ، تستحسنه العيون في كل حين فليس للنفس عنه نبوة . لم يحتح دعبل في بيته إلي بلاغة ، لأن الفجيعة التي قيل فيها دونها كل البلاغات ،
فعظمة معانيها ألفت على ألفاظ البيت عظمة مثلها ، فتناسبت بساطة الصور وعظمة المعاني الصادقة ، فخلد لبيت دعبل هذا الخلود
وفي كتب أدبنا أمور كثيرة من هذا الشكل : كان سيف الدولة يميل إلي أبي العباس الثاني ميلا شديدا ، إلي ان اتصل المتنبي بسيف الدولة ، فمال عن الناس إليه ، فغاظ ذلك ابا العباس ، فلما كان ذات يوم خلا بسيف الدولة وعاتبه وقال : الأمير ، ولم يفضل علي ابن عيدان السقاه ؟ فأمسك سيف الدولة عن جوابه ، فلح وألح عليه وطالبه بالجواب ، فقال سيف الدولة : لأنك لا تحسن أن تقول كقوله :
يعود من كل فتح عبر مفتخر
وقد أغد إليه غير محتفل
فنهض من بين يديه مغضبا .
فبيت المتنبى على ما أعتقد خال من أي تشبيه حسن ومن آية استعارة حسنة ، فلماذا استحسنه سيف الدولة ! أظن أنه لم يبلغ من نفسه هذا المبلغ إلا لأنه صادق البلاغة لا كاذبها ؛ فسيف الدولة عظيم في بطولته . عظيم في أعماله فلا تحتاج عظمته إلي بلاغة كاذبة ، وهذه العظمة هي التي صبغت بيت المتنبى بهذا الصباغ البهيج حتي وقع من سيف الدولة هذا الموقع ، وهو ليس بقصير الباع في معرفة البلاغة وأساليبها ، ولكن عظمته نزهته عن حب كل بلاغة كاذبة ، وححبت إليه كل بلاغة صادقة ، حيث إليه البساطة ، والبساطة أخت العظمة
غير انى لم أ كتب هذا المقال لأقرر فصلا من فصول البلاغة ، فلست من فرسان هذا الميدان ، وإنما موضوعي ؟ بلاغة الصدق . وكما تكون هذه البلاغة في الأقوال فقد تكون في الأعمال ، وربما كانت بلاغة الصدق في العمل أجل من بلاغة الصدق في القول !
قرأت أخبار الرئيس سلازار " مصلح البرتغال لقد كان هذا الرئيس أستاذ الحقوق في جامعة كويميرة ثم كان نائبا وهو ابن اربعين سنة ، وترك مجلس النواب من أول جلسة ، ثم كان وزير المالية سنة ١٩٢٨ واشترط في وزارته شروطا ، منها مراقبة النفقات بمجامعها ، ومنها أن الوزير كائنا ما كان لا يجوز له أن يجمع امرا من الأمور إلا بعد أن يوافقه سلازار عليه ، وقد وضح في بلاغ من بلاغاته المبادئ القاسية التى بني عليها سياستة في إصلاح الحياة المالية والحياة الاقتصادية في الأمة . وأعرب عن حاجته إلي ثقة الشعب المطلقة على ان تكون هذه الثقة مملوءة هدوءا وصفاءا، وبين أنه لا يميل في نفسه إلي الحكم ، وانه لم يرض به إلا من أجل مصلحة البلاد ، فإذا شاكوه في خلال قيامه بالواجب فإنه يتخلي عن الحكم ويعود إلي منبر التدريس
إني اري في الكلمات الأخيرة اصفي صورة من صور بلاغة الصدق في العمل ، ثم على هذا المصلح إلي ما مال إليه نظراؤه في سفك الدماء وتخريب البلاد ، ولم يحتج في بيان إلي ما يحتاج إليه غيره في تزويق وتعميق فقد رأي أن البساطة في العمل بمنتهى البلاغة فيه وهذه البساطة ناشئة عن الصدق ، فاستغني سالازار " عما لم يستغن عنه غيره لانه صادق في عمله ، فإذا صدعت البلاد بما يأمر استخرج مكنونه في خدمتها ، وإذا عاسروه القي مقاليد الرياسة وعاد إلي التدريس لقد تم الإصلاح علي يديه دون ان يحتاج إلي البطش ، ثم هذا الإصلاح بفضل طرائقه المستقيمة الواضحة . وقد قيل إن رئاسته كانت أشرف الرئاسات وأحذقها في أوربا ، وكانت في الوقت نفسه أحزمها
إني لا أشك في صحة هذا الكلام ، لأن الرجل الذي تلقى إليه مقاليد الأمور فيوطن النفس علي صدق الخدمة ،
فإذا ضايقوه عاد من نفسه إلي صناعته الشريفة وهي التدريس من دون محاولة من المحاولات ، ومن دون دسة من الدسات ، إنما هو رجل صادق في العمل ، وبلاغة صدقة في العمل أغنته عن كل بلاغة كاذبة في القول .
وسواء أكانت البلاغة ناشئة عن الصدق في القول ثم الصدق في العمل ، إنها والبساطة صنوان . فقد رأينا مقدار بساطة بيت دعبل وبيت المتنبئ ، وشهدنا مبلغ بساطة الرئيس ) سالازار " في قوله وفي عمله وقد قدر لي من تسع سنين أن أزور عواصم كثيرة في أوربا ، وإذا رجعت إلي خواطري التي دونتها في رحلتي إلي " لندن " فإني أجد فيها ما يلي :
كل شئ في لندن ؟ بسيط حتي هذا الفندق الذي نزلت فيه ، وحتي هؤلاء ، الفتيات النظيفات اللواتي يخدمن فيه ، وحتي هذه المآكل ، ولكن بساطة هذا الفندق وهؤلاء الخدم وهذه المآكل لا تخلو من مظاهر العظمة ؛
ومن جملة هذه الخواطر أيضا :
كل شئ في لندن عظيم ، حتى مبانيها ، إنك لا تجد في هذه المباني العظمة التي تريدها في زيادة الزينة أو في زيادة الرونق ، أو في زيادة الفخامة ، ولكنك تجد فيها البساطة وهي مادة عظمتها
إني لا أريد التبسط في هذا الوصف ، فها أنا أطوي الدفاتر التي دونت فيها امثال هذه الخواطر واعود إلي موضوعي ، لا بل اختم موضوعي بهذه الكلمات : إنا لا نكون بلغاء في أقوالنا وفي أعمالنا إلا إذا كنا صادقين في هذه الأقوال وفي هذه الأعمال ، وقد يستغني صدقنا عن كل بهرج ، ولكنه لا يستغني عن شئ من البساطة ، فعلى قدر بساطتنا في القول وفي العمل وفي الحياة نفسها تكون عظمتنا
(دمشق)

