الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 411الرجوع إلى "الثقافة"

بلد العميان, للكاتب الكبير ه . ج . ولز

Share

المتوفى فى أغسطس سنة ١٩٤٦

لمصرنا في الثقافة في أوائل سبتمبر الماضى ملخص سيرة الكاتب القصصى والروائى الشهير ه . ج . ولز مع نبذة قصيرة عن مواهبته ومميزاته الأدبية . واليوم ننشر ملخصا لإحدى قصصه المشهورة

على بعد ثلثمائة ميل أو أكثر من شميرازو ، وعلى بعد مائة ميل من ثلوج جبل كونوياكسى فى مجاهل جبال الأنديز بإكوادور ، يقع ذلك الوادى المجهول العجيب المنعزل عن سائر بقاع العالم والمعروف ببلد العميان . ولم يكن ذلك الوادى فى الزمن الماضى البعيد منقطعا عن العالم كما هو اليوم ، ولم يكن أهله عميا ، وكان فى استطاعة من شاء من الناس ان يذهب إلى مراعيه النضرة مخترقا إليه مسالك وعرة تعترضها الأخاديد وللقلل الشامخة المكللة بالثلوج. وقد جاءت إليه فعلا وسكنت فيه أسر مولدة من بلاد يبرو خرجت من بلادها فرارا من استبداد أحد

الطغاة الأسبانيين وسوء سيرتهم . ثم حدث بعدئذ أن نار وكان مندوياما وقذف بالحمم والرماد البركانى الذى حجب الضوء وبدل النهار ليلا سبعة عشر يوما كاملة لأرى فيها شمس ولا قمر ، وغلت مياه البحر بجواره ، وتصدعت صخور الجبال القريبة من الشاطئ . وذابت التلوج وجرفت سيولها ما صادفها من أشجار ومنازل ، وماتت أسماك المحيط الهادى على بعد عدة أميال من شاطئه ، وأنهارت إحدى القلل وهوت بصوت كالرعد ، وفصلت وادى العميان من سائر بلاد العالم إلى أبد الدهر.

ولم تكن السماء تمطر فى ذلك الوادى ولا تساقط منها الثلوج ، ولكن عيونه الكثيرة كانت تفيض مياهها على أرضه فتخصبها وتنبت فيها الكلا والحب اللذين يعيش عليهما الناس والحيوان فى سعادة دامت كثيرا من السنين . لكن هذه السعادة لم تلبث أن عكر صفاءها مرض عجيب ، كان من أثره أن أصبح كل من يولدون في هذا الوادى من الأطفال عميا لا يبصرون . بل إن كثيرا من الشباب والكهول أصيبوا هم أيضا بهذا المرض ، فأخذوا يفقدون بصرهم تدريجا ، فذهب بصر الشيوخ كله أولا ،

وضعف بصر الشبان ضعفا شديدا ، وولد الأطفال عميا ؛ ولكن الحياة ظلت سهلة ميسرة فى ذلك الوادى الخالى من الأشواك والحشرات والحيوانات البرية إلا قطعان اللاما . وكان الشبان الذين لم يفقدوا بصرهم كله يقودون العمى من الشيوخ والأطفال حتى عرف هؤلاء مسالك الوادى ومنحناته وكل ما فيه أدق معرفة . فلما أصبح كل من فيه عميا كانت معرفتهم به كاملة ، وعاشوا وكانهم لم تكن لهم أبصار فقدوها . ومن أعجب الأشياء أنهم كان في وسعهم أن يوقدوا النار فى أفران ومواقد أنشؤوها لهذا الغرض ويسيطروا عليها سيطرة كاملة . وكانوا فى بداية أمرهم يعرفون القليل من مقومات الحضارة الأسبانية ، ولكنهم كانوا يعرفون الشئ الكثير من مبادى فنون الأمريكيين الأولين وفلسفتهم . وتوالت عليهم الأجيال ونسوا كثيرا مما يعرفون ، وابتكروا من عندهم أشياء أخرى جديدة ، وتضاءل علمهم بالعالم الواسع العظيم الذى قدموا منه ، ولكنهم كانوا فيما عدا فقد أبصارهم شعبا قويا قديرا . وتوالت عليهم وهم على هذه الحال خمسة عشر جيلا ، قدم عليهم بعدها رجل من أهل الجبال المحيطة بمدينة كيتو عاصمة جمهورية إكوادور وكان هذا الرجل قد شاهد البحر ورأى العالم وقرأ الكتب ، كما كان رجلا ذكيا مغامرا يعرف مسالك الجبال والوديان . وقد أخذته جماعة من الرحالة الإنجليز ليكون دليلا لهم في رحلة إلى تلك الأصقاع . وتسلقت الجماعة أ على قلل الجبال ، ثم أدركها الليل فأقامت لها مأوي بين الثلوج ، ولكنها في أثناء الليل افتقدت دليلها " نونز " فلم تجده ، وقضت ليلتها ساهرة . فلما طلع النهار عرفت من آثار أقدامه على الجليد أنه قام لبعض شأنه فضل الطريق وانحدر نحو السفوح الشرقية المجهولة ، ثم هوى إلى منبسط فسيح محمولا على كتلة من الثلج النهار . وأثرت هذه الفاجعة في أعصاب الجماعة فقطموا رحلتهم وعادوا من حيث أتوا.

أما الصديق فقد أنجاه من الموت ما سقط عليه وما سقط معه من الثلج . ومع أن سقوطه قد أفقدة وعيه زمنا ما ، فإنه لما عاد إليه شعوره وجد عظامه كلها سليمة لم يصب منها عظم واحد بسوء . . ثم وقف على قدميه ، وخرج من بين ا كوام الثلج الذى سقط معه ، وانحدر على سفح الحبل حتى وصل إلى بقعة كانة فيه ، وهنا سقط من فرط الإعياء إلى جانب صخرة عظيمة ، وشرب قدرا من الماء الذى كان يحتفظ به فى وعاء فى احد جيوبه ، ونام من فوره نوما عميقا لم يستيقظ منه إلا فى الصباح على تغريد الطيور فوق الأشجار.

ووجد الرجل نفسه فى إحدى شعاب الوادى ومضايقه وأعضاء الجبل عن يمينه وبساره ، فسار بينمها في مسلك سهل تارة ووعر تارة اخرى ، حتى أبصر من بعيد سهلا فسيحا ذا أشجار وبيوت أخذ يسير نحوها حتى خرج وقت الظهيرة من الوادى الضيق إلى السهل الفسيح ، ثم جلس إلى جوار مجرى من الماء شرب منه حتى ارتوى وطعم من نبات الوادى ، ثم تابع السير نحو بيوت السهل . وأقبل عليها فراها بيوتا عجيبة لا شبيه لها فيما رآه من الدور فى القرى الجبلية . فقد كانت كلها فى صفين بينهما طريق واسع نظيف ، ذات أبواب صغيرة ، عديمة النوافذ ، مطلية جدرانها بطلاء غير متناسب الألوان . فلما رآها قال فى نفسه : " إن الذى طلاها كان بلا شك أعمى لايبصر".

وشاهد غير بعيد رجالا ونساء متكئين على أكوام من الكلا ، وأبصر بجوار البيوت عددا من الاطفال ، ورأى بالقرب منه ثلاثة رجال يحمل كل منهم دلوين معلقتين إلى جانبيه . وفكر نونز قليلا ، وذهبت عنه مخاوفه ، وأراد أن يعرف أهل القرية بنفسه ، فوقف حيث يظن أن فى وسعهم أن يروه ، وصرخ صرخة عالية تردد صداها في شعاب الوادى.

ووقف الرجال الثلاثة ، وحركوا رؤوسهم كأنهم ينظرون

حولهم ، وأداروا وجوههم يمنة ويسرة ، وأخذ تونز يلوح بيديه ويصرخ بأعلى صوته ، ولكن الرجال بدا عليهم أنهم لم يروه . وبعد قليل من الوقت أتجهوا جهة اليمين . واتخذوا طريقهم نحو الجبل البعيد ، وصرخوا صرخات عالية ظن نونزأنهم يجيبون بها عن ندائه ، وكرر هو صراخه بعد أن رأى أن حركاته بيديه لم تلفت إليه أنظار الرجال ، وقال فى نفسه : " كأن هؤلاء ، البلهاء عمى لا يبصرون ".

فلما ان عبر مجرى الماء على قنطرة صغيرة ، ونفذ من باب في الجدار ، ورأى هؤلاء الناس عن كثب ، أيقن من فوره أمهم عمى ، وأنه في بلاد العميان التى تتحدث عنها الاساطير ، ورأى الرجال الثلاثة واقفين متجاورين لا ينظرون إليه ، بل يديرون آذانهم نحوه ، يتعرفونه بخطاء غير المألوفة وكان يبدو عليهم شئ من الخوف والاضطراب ، وكانت جفونهم مقفلة وهبونهم غائرة في وجوههم

وقال واحد منهم : " إنه رجل - رجل أو روح  خرج من جوف الصخور".

ولكن تونز تقدم نحووهم بخطا ثابته ، ومر بذا كرته فى أثناء تقدمه كل ما سمعه من الأساطير عن بلاد العمى العجيبة ، ومنها المثل السأر المأثور : الأعور فى بلاد العمى سلطان " . ثم حياهم فى أدب ، وتحدث إليهم ؛ وسأل أحدهم زميله : " ترى من اين جاء يا يدرو ؟ " فأجابه صاحبه : " من جوف الصخور بلا شك " . وقال نونز : " بل جئت من بلاد بعيدة ، وراء الجبال الشاهقة حيث الناس يبصرون . جثت من جوار بجوتا العظيمة حيث يعيش مائة ألف من الناس او يزيدون " .

وقال يدرو مندهشا : " يبصرون ! يبصرون ! " واجابه صاحبه : " لقد خرج من جوف الصخور " . ودهش حين تقدم ثلاثتهم نحوه ، ومد كل منهم إليه يده فتنحى عن طريقهم ، ولكن أحد العميان الثلاثة أقبل عليه

وأمسك به وهو يقول له : " لا تحاول الهرب " وقبض عليه ثلاثتهم وأخذوا يلمسون بأيديهم كل جزء من جسمه ، ولم ينبس هو فى أثناء ذلك ببنت شفة ، حتى وضع أحدهم أصابعه فى عينيه وقال : " إنه مخلوق عجيب " . وقال الثانى حين لمس لحيته ويده المبللة : " إنه خشن كالصخور التى أخرجته ، ولكن لعله يصبح أرق ملمسا فيما بعد " وقال هو لهم : " حاذروا ، أبعدوا عن عينى" و دهش  الثلاثة لهذا القول وقال أحدهم : " إنه يتكلم ، إنه إنسان " ثم سأله : " ومن أين جئت إلى هذا العالم ؟ " فأجابهم : " جئت من بلد بعيد وراء الجبال الشامخة المتوجة بالثلوج . جئت من ذلك البلد العظيم الذى يبعد عن واديكم مسيرة اثنى عشر يوما "

وبدا له انهم لم يفهموا من قوله هذا شيئا ، وقال أحدهم : " لقد حدثنا آبؤنا ان الناس قد يخلقون من الصخور بفعل الحرارة والرطوبة والتعفن . ولكن هيا بنا نأخذه إلى كبررائنا فهم أدرى منا بهذه الشئون ، ولنصرخ أولا حتى لا يرتاع منه أطفالنا.

وصرخ احدهم صرخة قوية ، وأخذه بيده ليقوده إلى البيوت ، ولكن تونز سحب منه يده وقل له : - إنى أبصر . تبصر! فأجابه : " نعم أبصر " ، ثم عثر بدلو على الأرض حتى كاد يسقط.

وقال ثالث العمى : " إن حواسه لم تدق بعد ، ولعلها تدق فى المستقبل . إنه يتعثر فى مشيه ، وينطق بألفاظ لا معنى لها ، أمسكوا بيده".

واستسلم تونز لهم ، وهو يقول فى نفسه : إنهم لا يعرفون شيئا عن الإبصار ، وإنه سيعلمهم الشئ الكثير فيما بعد . وسمع الناس يصرخون ، ورأى أشباحا كثيرة تتجمع فى وسط شارع القرية ، رجالا ونساء وأطفالا ؛ فلما صار بينهم أخذوا بلمسون جسمه بأيديهم . وبقى الرجال الثلاثة الذين

جاءوا به بالقرب منه ، وكانوا يقولون من حين إلى حين : " رجل غريب خرج من جوف الصخور " .

وكان هو يرد عليهم بقوله : " من بجوتا . بجوتا ، وراء الجبال".

وقال أحد العمى : " بجوتا . أسمعتم هذا ؟ إنه يقول بجوتا . إن عقله لم يكمل بعد وإنه لا يكاد يعرف مبادئ الكلام" .

واقترب منه ولد صغير وقال ساخرا : " بجوتا " فأجابه : " نعم ، وهى مدينة عظيمة تعدل أضعاف قريتكم هذه لقد جئت من العالم العظيم حيث للناس عيون وحيث يبصرون ، وقال العمى : " إن اسمه بجوتا" .

وقال أحد الثلاثة الذين قبضوا عليه : " لقد عثرت قدمه مرتين فى الطريق ، فلنأخذ إلى كبرائنا" .

وادخلوا نونز فجأة إلى حجرة حالكة الظلام ومن ورائه الجمع الحاشد حتى حجب عنه كل ما يتسرب من بابها من ضوء قليل ؛ وقبل ان تتعود عيناه الظلام عثر بأحد من فيها من الكبار ، فسقط على وجهه عند قدميه ، ولطم بيده وجه رجل آخر ، وامتدت إليه أيد كثيرة أقالته من عثرته ، وقال لهم : " لقد سقطت لأنى لا استطيع أن أبصر فى هذا الظلام الحالك " .

وساد السكون كأن الناس الذين يحيطون به يحاولون ان يفهموا ما يقول . ثم علا صوت أحد الثلاثة الذين قبضوا عليه وقال : " إنه حديث الخلق ، يتعثر كما مشى ، ويخلط كلامه بألفاظ لامعنى لها " وقال غيره عبارات اخرى مثلها لم يحسن سمعها أو إدراك معناها . وأخذوا بعدئذ يتشاورون ، ثم شرع كبيرهم يسأله ، ووجد نونز نفسه يحاول أن يصف لهؤلاء الأقوام الذين يجلسون فى الظلام فى بلد العميان ذلك العالم العظيم الذى هوى منه إليهم،

وما فيه من سماء وجبال ومناظر جميلة . ولكنهم لم يصدقوا ولم يفهموا شيئا مما كان يقوله لهم على عكس ما كان ينتظره منهم . بل إنهم لم يكونوا يدركون معنى للكثير من ألفاظه ، فقد انمحى من عقولهم لطول عهدهم بالعمى والظلام كل ما يتصل بالضوء والإبصار ، واستحالت قصة العالم الخارجى إلى خرافة أشبه بخراقات الأطفال ، وأصبحوا لا يعنون بشيء خارج عن المنحدرات الصخرية القائمة وراء سورهم العظيم ، وقام بينهم فى أوقات متفرقة عمى عباقرة ، بحثوا فيما بقى فى عقول أولئك الأقوام من معلومات ضئيلة وتقاليد بالية من أيام الإبصار الخالية ، فأخرجوا من عقول القوم هذه المعتقدات وبدلوا مكانها معلومات جديدة أصح منها وأقرب إلى المعقول . واتضمر خيال هؤلاء القوم باتضمار عيونهم ، وبدلوا مكانه خيالا جديدا معتمدا على قوة آذائهم وأطراف أناملهم . وأدرك تونز شيئا فشيئا أن ما كان يتوقعه من عجب بأصله ومواهبه وإجلال لهما لم يتحقق منه شئ . ولما أيقن أن ما كان يحاوله من تفسير عالم المرئيات قد ذهب كله سدى وأنه لا يزيد في اعتقادهم على عبث مخلوق لم يكمل عقله أو تدق حواسه ، أسلم أمره إليهم وأخذ يستمع لتعاليمهم . وشرع كبير العميان يشرح له الحياة والفلسفة والدين ، ويقص عليه قصة خلق العالم (أى خلق واديهم ) فقال : إنه كان في البداية فجوة فى الصخور خالية من كل شئ امتلأت أولا بالجماد العديم اللمس ، وبحيوان اللاما ، وجاءت بعدئذ كائنات حية صغيرة ذات قدرة على اللمس قليلة ، ثم خلق الناس ثم الملائكة الذين بسمع تغريدهم ، والذين لا يستطيع أحد لمسهم . وقد حير هذا الوصف تونز أول الأمر ولم تذهب حيرته إلا بعد أن فكر في الطيور. يتبع

اشترك في نشرتنا البريدية