إذا كان لنا ان نقيس ما لدولة من الخطر بمساحة اراضيها ، وعدد سكانها ، فان بلغاريا ليست بالدولة الأوربية ذات الشأن . وإذا كان اعتمادنا في التقدير ، على ما للدولة من التقدم المادي في الصناعة والتجارة ، او النفوذ الثقافي والفكري ، فهي دون كثير من الدول التي تنقص عنها في المساحة مثل بلجيكا وهولندة ، أو في عدد السكان مثل سويسرة ونزوج والدانمارقة ، بل إننا نراها في شبه جزيرة البلقان نفسها دون باقي الدول البلقانية أرضا وسكانا ، كما نري في الجدول الآتي :
المساحة بالكيلو متر المربع السكان بلغاريا ١٠٣,٠٠٠ ٦,١٧١,٠٠٠ اليونان ١٠٣,٠٠٠ ٦,٨٤٠,٠٠٠ يوغوسلافيا ٢٤٨,٠٠٠ ١٥,٠٠٠,٠٠٠ رومانيا ٢٩٥,٠٠٠ ١٩,٢٥٠,٠٠٠ تركيا (في آسيا واوربا) ٧٦٣,٠٠٠ ١٦,٣٠٠,٠٠٠
( ولم تذكر ألبانيا الواقعة تحت النفوذ الإيطالي ؛ وذكرنا تركيا لما لها من المركز الممتاز في شبه جزيرة البلقان ، وقبضها على المضايق الخطيرة التي تصل البحر الأسود ببحر الروم)
وهكذا يتضح لنا ان بلغاريا أقل دول البلقان مساحة
وسكانا ، وموقعها في الجزيرة ليس بالسكان الممتاز ، فهي تحتل موضعا صغيرا في وسطها ، تطل منه على جزء محدود من ساحل البحر الأسود ، وليس لها ببحر اليونان ، ولا بالبحر الأدرياتي صلة . وموقعها المتوسط بحيث تحيط بها جميع دول البلقان ، يجعل من السهل على جارانها ان تتفق على الاغارة عليها ، كما حدث فعلا في الحرب البلقانية الثانية .
ومع هذا كله رأينا اسمها بتردد كثيرا في الأسابيع الماضية ، كأنها عضو شديد الخطر في المجموعة البلقانية . ورأينا الدول الغربية وروسيا وألمانيا وإيطاليا يحاول كل منها أن يجتذبها نحوه ، وان يكتسب معاونها في الترويج السياسة التى ينشدها . . وكذلك لم تقصر دول البلقان الأخرى في محاولة التأثير في سياسة بلغاربا ، وتوجيهها إلي الناحية التي تلائم كلا منهم . فكان بلغاريا هي مفتاح سياسة البلقان كله .
وهذه الحالة التي قد تبدو لأول وهلة غريبة ، لا بد لفهمها من إلمامة يسيرة بتاريخ بلغاريا الحديث .
إذا صرفنا النظر عن تاريخ الدولة البلغارية في العصور الوسطى ، يوم كانت تشتمل في وقت عزها وسطوتها على الشطر الأعظم من جزيرة البلقان ، فان تاريخ بلغاريا الحديث يرجع إلى عام ١٨٨٥ ، حين اتحد النصف الجنوبي منها بالنصف الشمالي ، وتكونت منهما الدولة الحديثة ، التي كانت - رغم خضوعها الاسمي لسلاطين آل عثمان - متمتعة بنصيب وافر من الاستقلال الذاتي . وقد محول هذا إلى استقلال كام في سنة ١٩٠٨ ، يوم انتهز اميرها فرصة الاضطراب السائد في الدولة العثمانية ، فأعلن انفصاله التام عنها . ونادي بنفسه ملكا على البلغار
في ذلك الوقت كانت مساحة بلغاريا أقل منها اليوم . ولكنها كانت تحدثها نفسها بالتوسع وبامتلاك أقطار
جديدة ، واستطاعت حكومتها ان تؤلف من دول البلقان عصبة للاغارة على تركيا ، وإخراج العثمانيين من اوربا ؛ وهكذا بدأت حرب البلقان الأولى عام ١٩١٣ ، التي لم تلبث ان انتهت بنزول تركيا عن كل ما تملكه في أوربا ، ما عدا بقعة صغيرة في شمال المضايق . واستطاعت بلغاريا ان تستولى على مساحة عظيمة من الاراضي في مقدونيا وطرافيا ، وان يكون لها منفذ عظيم على سواحل بحر اليونان .
على أن هذه الحرب لم تكد تنتهي حتى دب الخلاف بين دول البلقان ، وكارت الحرب البلقانية الثانية ، التي وقفت فيها بلغاريا منفردة يحارب كلا من تركيا واليونان والصرب والحبل الأسود ورومانيا ! فلم يكن لها يد من التسليم ، واضطرت بلغاريا إلي النزول لتركيا عن الاقليم الذي لا تزال تركيا تحتله إلى اليوم ، ونزلت لليونان عن مساحة عظيمة فى مقدونيا الجنوبية ، وللصرب عن مقدونيا الشمالية ، ولرومانيا عن النصف الجنوبي من الديروجا .
وبرغم هذا كله سمح لبلغاريا بأن محتفظ بجزء من السواحل المطلة على بحر اليونان . وكان هذا أكبر غنم غنمته في مقابل الخسائر الباهظة التي منبت بها في هذه الحرب الضروس .
وكان طبيعيا أن تصبح حكومة بلغاريا حانقة على جاراتها ، لأنها وهي التي اضطلعت بالعبء إلا كبر في الحرب تؤوب منها بمكسب صغير في الجنوب ، يقابله خسارة في الشمال ؛ وكانت حانقة بوجه خاص على رومانيا ، التي لم تشترك في الحرب الأولى ، ثم دخلت في الحرب الثانية لكي تستولي على إقليم ذي صبغة بلغارية قوية وهو إقليم دبروجا .
والحقيقة أن ما كسبته بلغاريا في الجنوب أهم مما خسرته في الشمال . فالاراضي الجنوبية التي مكنتها من الوصول إلى سواحل البحر اليوناني ، أجل خطرا من إقليم
دبروجا الجنوبية ، التي يسكنها جماعات من الترك المسلمين وأقليات من البلغار .
ومع ذلك فان بلغاريا ظلت حانقة على رومانيا ، وحينما ثابت الحرب الكبرى لم تلبث بلغاريا أن دخلتها إلي جانب ألمانيا . وكانت نتيجة هذا أنها لم تسترد دبروجا ، وخسرت الأراضي التي تصلها ببحر اليونان . هذا إلي باقي ضروب الإرهاق التي لم يكن يد للمنهزم في تلك الحرب أن يعانيها ، وعادت بلغاريا في عام ١٩١٩ لا نزيد مساحتها إلا قليلا عما كانت عليه وقت تكوينها في عام ١٨٨٥ !
وقد خرجت كل من رومانيا ويوغوسلافيا واليونان من الحرب العامة بأقطار تزيد كثيرا هما كان لها قبل الحرب ، واستطاعت تركيا ان تصلح من مركزها ، وشئونها السياسية وعلاقاتها مع الدول ، وبانت بلغاريا الوحيدة بين دول البلقان الساخطة على ما آل إليه أمرها ، الناقمة على جارانها الثلاث رومانيا ويوغوسلافيا واليونان .
ولئن كانت بلغاريا أفادت من كل هذه الكوارث
شيئا ، فلعلها تكون قد أدركت أن سياسة الحرب التي كانت تدين بها ، ليست بالشئ الذي تقدم عليه بسهولة وتسرع ، بل لابد لها من التريث ، وانهاز الفرص ، ومحاولة الوصول إلى بغيها بطرق اخري لعلها ان تكون أجدي وانفع من الحرب .
وقد حاولت دول البلقان - برغم ما هو معروف عنها من التخاذل والإنشقاق أن تؤلف عصبة بلقانية تستطيع بإاتحادها وتضافرها أن تكون كتلة قوية تحول دون عدوان الدول الكبرى التي تريد كل منها بسط نفوذها الاقتصادي والسياسي علي شبه الجزيرة . ولكن بلغاريا أبت أن تنضم إلي هذه الكتلة البلقانية ، حتى يرد إليها ما خسرته في دبروجا ، وفي مقدونيا ، وسواحل بحر اليونان
وموقف بلغاريا هذا هو الذي اغري بها الدول الكبرى لكي يتخذوا منها مها هونا لهم على ترويج سياستهم في هذا الإقليم .
من الجائز أن الدول الكبرى لا تري - على الأقل
في الوقت الحاضر - إلي الاستيلاء الفعلي علي جزيرة البلقان ؛ وان يكون مقصدها الاول ان تجعل منها ما يسمي في العرف السياسي " منطقة نفوذ " لها ؛ ولكن استيلاء ايطاليا علي البانيا في الربيع الماضي ، يرينا كيف تتحول منطقة النفوذ بسرعة هائلة إلي منطقة خضوع تام . وليس من شك في ان إيطاليا باستيلائها على البانيا ، قد اكتسبت مركزا ممتازا في جزيرة البلقان ، بل أصبحت إيطاليا فعلا دولة بلقانية وهي أقوي دول البلقان جميعا ، وأعظمها خطرا .
ولقد اهتمت بريطانيا حين رأت عدوان إيطاليا على البانيا ، وتوغل المانيا الاقتصادي في رومانيا ، فأعلنت في الربيع الماضي استعدادها لأن تناصر كلا من اليونان ورومانيا إذا اغارت عليهما دولة اجنبية واضطرنا إلى الدفاع عن اراضيهما . وبهذا اتخذت بريطانيا موقفا إيجابيا قويا في سياسة البلقان . إذ ليس من شك في ان تحول جزيرة البلقان إلى منطقة نفوذ لايطاليا والمانيا يهدد مركز بريطانيا وفرنسا في البحر المتوسط أشد التهديد
وقد غيرت الحرب الحالية من مجري الحوادث في شبه جزيرة البلقان ، فان امتناع إبطاليا عن خوض عمار الحرب من جهة ، وتحالف روسيا مع المانيا من جهة اخرى ، قد احدث تعديلا جوهريا في سياسة بعض الدول التي تهتم بشئون البلقان . فقد ارادت روسيا ان تشاطر المانيا النفوذ في هذا الاقليم بحيث تبسط سلطانها السياسي والاقتصادي على النصف الشرقي من الجزيرة ، تاركة لانسانيا نصفها الغربي . وهذا الضغط الروسي على شبه جزيرة البلقان . التي تعدها إبطاليا ميدان توسعها الطبيعي ، من أكبر الأسباب التي أضعفت قوة المحور الألماني الإيطالي ، ودفع بإيطاليا إلي ان تطرق بابا جديدا في السياسة البلقانية ، قوامه المسالمة والتحريض ، ومحسين الصلات بينها وبين دول البلقان من جهة ، وبين الدول البلقانية نفسها من جهة اخرى . ولهذا اخذت في إرجاع جنودها عن الحدود
اليونانية ، وفي إنشاء صلاة مودة وصداقة بين الدولتين بل أخذت تفكر في يحسين صلائها حتى مع الجمهورية التركية ، بعد أن ظلت العلاقات متوترة بينهما أعواما طوالا ؛ ولايطاليا في شبه الحزيرة دولة صديقة توشك ان تكون حقيقة وهي يوغوسلافيا ، وستجد منها نصيرا قويا في السياسة التي تنشدها في البلقان . كما أن بلاد المجر المجاورة لشبه جزيرة البلقان تربطها بايطاليا صلات طيبة . وتقوم السياسة الايطالية الجديدة على إيجاد اتحاد بلقاني كامل يشمل جميع دول البلقان ، وتدخله ايضا بلاد المجر .
وليس من شك في أن مثل هذا الاتحاد خير وسيلة لنشر السلم في البلقان ، وإذا أتيح له النجاح ، وكان قائما على أساس من الأخلاص والتعاون ، فانه يجعل عدوان الدول الكبرى على البلقان ليس بالأمر السهل . وكان الآوفق أن يتم مثل هذا الاتحاد من غير تدخل اجنبي ، ولكن ما امتازت به دول البلقان من التخاذل يجعل مثل هذا الأمر عسيرا ؟ وعلى فرض انه ثم فعلا ، فان بقاءه ليس بالأمر اليسير . ومن السهل دائما على بعض الدول الكبرى ان تتدخل فيما بين الدول البلقانية ، فتوقع بينها . كما استطاعت ان تفعل في الماضي من غير كبير عناء .
إن الأساس الحقيقي الصالح لا تحاد بلقاني ، هو عقيدة تتغلغل في صدور الشعوب البلقانية بان هذا الاتحاد هو الوسيلة الوحيدة لانقاذها من مطامع الدول الكبرى ، وللمحافظة على كيانها واستقلالها . وليس هنالك دليل واضح على ان مثل هذه العقيدة قد رسخت إلا في قلوب أفراد قلائل . على ان الخطوة الاولى في مثل هذه السياسة هي إرضاء بلغاريا بأن تنزل لها اليونان عن منفذ إلى البحر اليوناني ، ورومانيا عن شطر من دبروجا , ويوغوسلافيا عن قطعة من مقدونيا يسودها العنصر البلغاري الصرف ; مثل هذه التضحيات اليسيرة لن تلحق بتلك الدول ضررا كبيرا . ولكن هذا ما لا تريد حكوماتها أن تسمح به اليوم ؛ فبلغاريا تريد ان تقبض هذا الثمن مقدما ، ودول
البلقان تريد ان تؤجل الدفع الي ما بعد الحرب الحاضرة وهي في هذا ليست مخطئة الخطأ كله . فان دولة مثل رومانيا تخشي ان هي نزلت لبلغاريا عن دبروجا ان تضطر لأن تنزل لدولة المجر عن إقليم ، ولروسيا عن إقليم آخر ، وفي هذا إضعاف لها في الوقت العصيب الذي تجتازه اوربا اليوم . ولكن هنالك مطلب واحد من مطالب بلغاريا , ولعله اهمها ، يجوز ان تمنحه اليوم ، وهو المنفذ إلي بحر اليونان . ثم ترجا مطالبها الأخرى إلي ما بعد الحرب . ومثل هذا الحل الوسط لا يمكن لدول البلقان فيما بينها أن تنتهي إليه . ولهذا اتسع المجال لتدخل إيطاليا وسعيها في تأليف كتلة بلقانية تعطف عليها ; وتكون هنغاريا عضوا فيها . وقد فشلت المحاولات التى قام بها فريق من الدول ، وعلى الأخص المانيا وروسيا , في عزل تركيا عن الكتلة البلقانية .
إن الاتحاد البلقاني الجديد سيكون من غير شك ذا
صلات طيبة بإيطاليا ، ولكنه سيكون ايضا شديد العطف على الدول الديمقراطية ، وهو يخالف السياسة الايطالية القديمة التي كانت ترمي الي الضغط علي اليونان , والانقباض من تركيا ، واستغلال يوغوسلافيا ولكن ايطاليا قد تجني من سياستها الجديدة منافع أجل وأعظم مما تجنيه لو انها مضت في سياسيتها القديمة العنيفة , وهذا السلك الجديد هو الرد الوحيد الذي تستطيع إيطاليا ان ترد به على محاولات روسيا التوغل في هذا الاقليم
وإذا جاز لقائل أن يزعم أن مثل هذه السياسة البلقانية الجديدة ، وإن كان الغرض منها مقاومة روسيا ، فانها تضر المانيا صديقة إيطاليا القديمة ؛ فان من العبث ان ننكرأن صداقة ألمانيا لروسيا ، قد اضعفت كثيرا من قوة محور برلين وروما ، الذي ليس في الأفق السياسي اليوم اقل دليل واضح على انه قد باتت له قيمة سياسية ذات شأن .

