إن هذا الشهر ومثله من كل عام لشهر العسل عند الأندونيسيين ، بل عند عشاق الحرية في العالم بأسره ؛ فيوم النصر الحقيقي الذي يجب أن تحتفل به هو يوم يتحرر فيه كل شعب من شعوب العالم من قيود الاستعباد والاستعمار يوم الاحتفال هو يوم لقاء العاشق عشيقته ، يوم اقتران كل شعب بحريته واستقلاله .
فالإندونيسيون - وقد يشاركهم الاخرون من أنصار الحرية - يحتفلون الآن ، لأنه في مثل هذا الشهر من العام المنصرم شاء القدر أن كانت اليابان - تلك الدولة القوية التي سبق أن صرح رئيس وزرائها الجنرال توجو بأنه سيمل شروط الصلح في واشنطون - قد تزعزعت عقب القاء القنبلة الذرية علي مدينتي " هيروشيما و نجاساكي " وهما من مدنها الكبرى الصناعية ، فذبلت روح اليابانيين المعنوية ذبول الزهرة الناضرة عند ما تدهمها أشعة الشمس المشرقة ، فانحنت اليابان علي ركبتيها استسلاما للحلفاء ، وتنفس الإندونسيون الصعداء حيث سنحت لهم الفرصة للوثوب على الحكام اليابانيين والتحرر من حكمهم القاسي والتخلص من سيطررتهم الغليظة التي ذاقوها مدة ثلاث سنوات ونصف سنة ، وانتهزوا تلك الفرصة ووثبوا علي كل حاكم ياباني في كل بلد من بلدان إندونيسيا ، حيث قامت وقتئذ ثورة عامة مشتعلة من أقصي البلاد إلي أقصاها ، ونشبت معركة عنيفة بين الإندونيسيين وبين القوات اليابانية القوية التي سبقت أن طردت قوات الحلفاء من سنغافورة ومن سائر تلك الجزائر في بداية الحرب ، والتي لا تزال إلي ذلك الوقت قوية جبارة ، لا تستطيع قوات الحلفاء في بورما وفي أستراليا وفي المحيط الهادي أن تخترقها وأن
تتغلب عليها . ولكن قوة العقيدة الوطنية المتغلغلة في نفوس الاندونيسيين ساعدتهم وامدتهم بالحيلة والقوة حتى تغلبوا على قوات اليابان وانتزعوا السلطة من الحكام اليابانيين وأسروا رجالهم وجنودهم . ثم اعلن الإندونيسيون على الملأ بلسان قائدهم المجاهد الكبير الدكتور أحمد سوكارنو وزعيمهم المجاهد المفكر الدكتور محمد حتى استقلال بلادهم أندونيسيا وقيام الحكومة الجمهورية في ربوعها
أظن بل اعتقد أنه لم يكن قراء هذه المجلة إلا من عشاق الحرية ، لذلك احادثهم بهذه المناسبة - وما ألذ حديث العشاق فيما بينهم - عن مقومات الجمهورية الإندونيسية الفتية
أهم مقومات الدولة هي شخصيتها . وبالأحري أن مقومات حياة دولة من الدول هي التي تكون شخصيتها وهي التي تتجسم فيها
الدولة كما لأي فرد من بني الإنسان شخصية ، لان الدولة ما هي إلا عبارة عن مجموعة أفراد من الناس يعيشون في أرض معينة لها حدود تربطهم وحدة التقاليد والعادات واللغة ، وتوحدهم مصلحة مشتركة ، ويتألمون لأحزان متشابهة ويتغنون بآمال وأماني واحدة ، ويستهدفون في حياتهم الجماعية غاية واحدة تحت نظم سياسية موحدة .
وكما ان شخصية الإنسان تتوقف على ماضيه وتظهر في قدرته على فهم الماضي وعلى إدراك ما فسد من الحاضر ، وفي كفايته في تخطيط ما المستقبل من غايات وأهداف ، فكذلك شخصية الدولة ؛ إذ ان شخصية الدولة لا يمكن أن تتكون فجأة ، وليس من المعقول أنها تنشأ مصادفة وعنفا ، لأن حياة الدولة الحاضرة ما هي إلا امتداد لحياتها الماضية ، وحياتها الحاضرة هي أساس مستقبلها ؛ فلابد لنا إذا عند الكلام عن شخصية هذه الجمهورية الإندونيسية الفتية من أن ننظر إلي الوراء وان نتبع صفحات تاريخ هذا الشعب الأندونيسي
كما أن تاريخ أمة من الأمم أو شعب من الشعوب طويل متشعب ، كذلك تاريخ الامة الاندونيسية فتاريخها لا ينحصر في تاريخ مملكة واحدة ولا في تاريخ جزيرة واحدة ، وإنما هو تاريخ عدة ممالك تربط بعضها ببعض وحدة الدم والعادات والتقاليد ، وتشتمل على بضع مئات من الجزائر المبعثرة بين آسيا واستراليا وبين المحيطين الهادي والهندي ، توحدها وحدة الإقليم والجو والموقع الجغرافي ؛ فلا يمكن ان تجد في تاريخ هذه البلاد حدا فاصلا بين مرحلة واخري أو بين عصر وآخر ؛ وإنما يذكر تطورات الحوادث المتتابعة ويذكر الأعمال الجسام المتتالية التي حدثت في ربوع هذه البلاد يتسنى لنا الكلام على تاريخ الشعب الاندونيسي ، وتتضح لنا بتتبع هذه الحوادث التاريخية شخصية الجمهورية الإندونيسية الفتية
١ - تسرب حضارة الصين القديمة إلي إندونيسيا : منذ الفين أو ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد قامت في الصين حضارة عظيمة كانت تناومئ حضارة الإغريق القديمة وحضارة مصر الفرعونية ؛ ومنذ ذلك الوقت كان الصينيون قد زحفوا شيئا فشيئا إلى الجنوب وزحزحوا سكان الهند الصينية حتى اضطروهم إلى الخروج من بلادهم الاصلية والهجرة إلى تلك الجزائر المبعثرة بين المحيطين الهادي والهندي حاملين معهم بذور تلك الحضارة الصينية ، فزرعوها في أراضي تلك الجزائر الخصبة ، حتى نمت وتكونت فيها عدة دويلات قديمة عاشت مدة طويلة ينافس بعضها بعضا ، ثم جاء بعد ذلك الصينيون انفسهم إلى إندونيسيا ، وبمجيء هؤلاء الصينيين القدماء جاءت معهم الديانة الكومفوشيوسية التي ظهرت في الصين منذ بضعة قرون قبل الميلاد ، وانتشرت هذه الديانة في إندونيسيا ، ولا تزال آثارها موجودة إلي اليوم في بعض أجزاء هذه البلاد
٢ - تسرب الحضارة الهندية القديمة إلى إندونيسيا : إن معظم حضارات الامم القديمة ثم تكن حضارة مادية
كحضارة اوربا الحديثة ، وإنما هي حضارة او مدنية تتركز أو تقوم على أساس اعتقادات تؤمن وتتمسك بها تلك الآمة ، حتى بلغ إيمان هؤلاء الناس بها مبلغ الدين ، وكانوا لا يقدمون على تنفيذ أي عمل إلا بدافع من ذلك الدين ؛ فحضارتهم كانت خادمة للدين وخاضعة لسلطته ، حيث لا تجد أوضاع حياتهم السياسية والاجتماعية إلا وقد نسجت بخيوط تلك الديانة ، فتظهر حضارتهم مظهر ديني وتبقى آثار حضارتهم ذكري خالدة لتلك الديانة .
فحضارة الهند القديمة كانت تتركز أو تظهر في الديانتين العظيمتين : وهما الديانة البراهمية والديانة البوذية . وقد وصلت الديانة البراهمية إلي أندونيسيا منذ مدة طويلة قبل الميلاد ، فوصولها إليها يعاصر مجيء الديانة الكومفوشيوسية إليها . وقد انتشرت الديانة البراهمية في إندونيسيا حيث أقبل الأندونيسيون عليها اقبالا شديدا ، بل كانوا يتسابقون إلي التمسك بها والقيام بنشرها كما يتسابقون أيضا في تولي الحكم في البلاد ، أي في إقامة الدويلات وفي تقويتها ، ويتنافسون في إظهار شجاعتهم وشكيمتهم في الجيش أو يتبارون في بإتقان مختلف الحرف ويتنافسون في ترقية تجارتهم وفي ترويجها وتوسيعها . ولم يكن لهم من الدوافع إلي تلك المنافسة وإلى تلك المسابقات والمباريات بل إلي خوض ذلك التطاحن في الحياة إلا دافع واحد ، ألا وهو محاولتهم المستمرة في الوصول والترقي من درجة في المجتمع إلي درجة أخري أعلى مما كانوا فيها ؛ وذلك لأن الناس في الديانة البراهمية يتقسمون إلي أربع طبقات : أولاها وهي أعلي الطبقات في المجتمع ، طبقة البراهمانا وهي طبقة الرهبان وعلماء الدين وتليها الطبقة الأرستقراطية وهي طبقة الحكام والجيش ويسمونها طبقة " كشاتريا " Kehaittriya- والثالثة طبقة " ويشا " وهي طبقة التجار وأهل الحرف . والأخيرة وهي أدناها مرتبة ، طبقة (سودرا ) وهي طبقة عامة الشعب من الذين لا ينتمون إلي إحدي
الطبقات الثلاث الأولى ، فهي طبقة الفقراء والبؤساء في الحياة
فنظرية وجود الطبقات في المجتمع التي جاءت بها تلك الديانة البراهمية كانت ترشد الاندونيسيين إلي التمسك بالحكمة والزهد والاتزان ، وتحضهم على إظهار البسالة والشجاعة في الجيش ، وتدفعهم بل وتحمسهم إلي النضال والكفاح ، وتحثهم على خوض معركة التطاحن في الحياة ويظهر من تلك الحركة ان البقاء للأصلح والرقي لاصحاب الكفاءة والمقدرة .

