ذكر أغلب من كتبوا في سيرة الشيخ محمد عبده أن أهم رسالة اضطلع بها ذلك الإمام هي إصلاح الدين الإسلامي . وهذا الرأي حق ، ولكن إلي حد ما : فإنا إذا التمسنا الحقيقة في نشاط ذلك المصلح المصري ، وإذا تأملنا على الخصوص مدى تعاليمه ، وحاولنا أن نتفهم روح الرجل وعقليته ، وأن نستشف ما وراء السطور فيما جري به قلمه ، أدركنا حينئذ أن كل إصلاح خطر بباله إنما مداره دواع وأسباب أخلاقية .
إذا رجعنا في سيرة محمد عبده إلي حوالى سنة ١٨٧٠ رأينا ذلك الشاب ، وهو لم يغادر بعد أروقة الأزهر ، مشغولا بالمشكلة الأخلاقية في علاقاتها بالعمل الاجتماعي ؛ وإذا سرنا معه إلي غداة سنة ١٨٨٢ وجدنا مجاهداً يغادر
بلاده منفياً ، فيقصد إلي سوريا ثم إلي أوربا ، ويشتغل مع أستاذه السيد جمال الدين الأفغاني في إصدار جريدة " العروة الوثقي " مغامراً بنفسه في العمل السياسي الذي لا يلائم طبعه كل الملاءمة - يكلف نفسه ذلك كله لأنه كان يأمل المشاركة في إنـهاض بلاده نـهضة أخلاقية ، إذ يدعو أبناءها إلي الأنضواء تحت علم الحرية والجهاد والوطنية .
أليس محمد عبده هو الذي يصبح في أواخر حياته مفتياً ، فيدعو إلي التسامح وإلي الاجتهاد وإلى التفكير المستقل من كل سلطة ؟ ! وهو الذي يصرح غير مرة أن المباحث التى يقضي فيها شيوخ الأزهر أعمارهم لا تعدل جهد ساعة واحدة ، إذا لم تنفع الناس في أعمالهم وفي قيادة حياتهم ؟ !
والواقع أن الشيخ محمد عبده كان أخلاقياً بطبعه وفطرته ، ميالا إلى العمل ميله إلى النظر ، يريد الاتصال بالناس ، ويريد مخاطبة الضمائر والتأثير في النفوس أثراً مباشرا . ولعل المفكر المصري كان يري رأي افلاطون في أن الاتصال المباشر هو الذي يعين على إشعال الجذوة الروحية لدي الآخرين .
والواقع أيضاً أن النظرات الأخلاقية تسود جميع ما عالجه الأستاذ الإمام من مشكلات دينية أو فلسفية ؛ مثال ذلك تفسيره للقرآن ، ونظريته في النبوة ، ونظريته في الحرية . ولا غرو فإن الشيخ محمد عبده ، ككل مفكر شاعر برسالته ، يعلم أهمية الدور الأخلاقي والاجتماعي الذي يؤديه الفكر . ويبدو لنا أن الرسالة التي حملها محمد عبده تشبه في كثير من الوجوه رسالة الأخلاقيين القدماء في عهد الإمبراطورية الرومانية : فكما " استطاع فلاسفة رومة القدماء - والرواقيون منهم على الخصوص - أن يؤثروا مباشرة في عقليات الناس بتعليم أنيس لم يكن يخلو من قداسة دينية " فكذلك استطاع محمد عبده ، في مصر أواخر القرن التاسع عشر ، أن يبث تعاليمه الأخلاقية ، وأن ينشر نفوذه الروحي عن طريق القدوة الحسنة والمثال الفعال .
وإذن فقد كانت جهود الشيخ محمد عبده موجهة إلي العمل الأخلاقي : يكافح العادات والتقاليد السيئة ، وينقد البدع والمعتقدات الفاسدة ، ويحمل على الظلم والاستبداد ، ويندد بجميع الانحرافات الاجتماعية والسياسية ، ويبذل الجهد لإصلاح مناهج التعليم في الأزهر - يتصدى لذلك كله بغية الإصلاح الأخلاقي للجماعة الإسلامية عموما ، وللمجتمع المصري خصوصاً .
والحق لقد علم محمد عبده أن الدين في كل مذهب أخلاقي يقوم بمهمة ليس عنها غناء . ومن أجل ذلك كان المربون يعمدون إلي الدين ، لكى يبثوا في نفوس الأطفال مبادئ السلوك القويم ؛ ومن أجل ذلك رأينا الشعوب المثقفة
تنمو فيها فكرة " تذهب إلي أن الاخلاق إذا خلت من الجزاء الديني فمصيرها إلي الزوال " .
أما حركة الإصلاح الديني التي أصبح اسم محمد عبده عنوانا عليها في العالم الإسلامي ، فلم تكن في ذهن المصلح إلا " وسيلة " لتحقيق " غاية " وهي الإصلاح الأخلاقي بمعناه الدقيق . والأستاذ الإمام نفسه بقول هذا صراحة : " مقصد الجميع ( أي المصلحين المسلمين ) ينحصر في استعمال ثقة المسلم بدينه في تقويم شؤونه . ويمكن أن يقال إن الغرض الذي يرمي إليه جميعهم إنما هو تصحيح الاعتقاد ، وإزالة ما طرأ عليه من الخطأ في فهم نصوص الدين ؛ حتى إذا سلمت العقائد من البدع تبعها سلامة الأعمال من الخلل والاضطراب ، واستقامت الأحوال ، واستضاءت بصائرهم بالعلوم الحقيقية دينية ودنيوية ، وتهذبت أخلاقهم بالملكات السليمة ، وسري الصلاح منهم إلي الأمة .
فإذا سمعت داعيا يدعو إلي العلم بالدين ، فهذا مقصده ، أو مناديا يحث على التربية الدينية فهذا عرضه ، أو صائحا ينكر ما عليه المسلمون من المفاسد فتلك غايته " . وإذن فالدين في نظر محمد عبده إنما هو أصلح الوسائل وأمثل السبل لتحقيق ذلك الإصلاح الأخلاقي . إذ أن الأذهان لما لم تكن قد نضجت نضوجاً كافيا للاستعاضة عن العقائد المعينة بالمبادئ المجردة ، فقد وجب بدء الإصلاح بالدين ؛ وفي ذلك يقول الأستاذ الإمام في وضوح لا يحتاج إلى مزيد : " وهذه سبيل لمريد الإصلاح في المسلمين لا مندوحة عنها . فإن إتيانـهم من طرق الأدب والحكمة العارية عن صبغة الدين يحوجه إلي إنشاء بناء جديد ليس عنده من مواده شئ ، ولا يسهل عليه أن يجد من عماله أحداً . وإذا كان الدين كافلا بتهذيب الأخلاق وصلاح الأعمال ، وحمل النفوس على طلب السعادة من أبوابها ، ولأهله من الثقة به ما بيناه ، وهو حاضر لديهم ، والعناء في إرجاعهم إليه أخف من إحداث ما لا إلمام لهم به ، فلم العدول عنه إلي غيره ؟ " .
وإذا صح لنا ، بيانا لما نحن بسبيله ، أن نستعير كلمة لمستشرق فرنسي معاصر ، قلنا : " إن معقد رجاء الأستاذ الإمام هو أن يبقى الإسلام الحديث هو الإسلام بشرط أن يتجدد" ؛ لكن لعل الشيخ عبده كان " يخشى على المجتمع الإسلامي في حال حدوث تجديد دنيوي تام ، أن يصيبه فقر أخلاقي لا محيص عنه " . فالمذهب الأخلاقي لدي الفقهاء والعلماء ، الرجعيين كان يبدو له ضعيفا مهلهلا ، إلا أن طائفة من التقاليد قد استطاعت أن تحفظ عند سواد الشعب " نوعا من السلوك الأخلاقي اللائق لا يستطاع أن ينكر ماله من قيمة اجتماعية " .
وإذن فلم يكن مقصد محمد عبد من الإصلاح ، كما توهم البعض ، هو أن يحقق الوحدة السياسية للشعوب الإسلامية ، ولا " أن يثير فتنة علي الأوربيين أو غيرهم من الأمم المجاورة للمسلمين " . والشيخ محمد عبده نفسه ينكر هذا ويصرح في غير مواربة أن " السعي في توحيد كلمة المسلمين وهم كما هم لم يخطر ببال أحد " من المصلحين المسلمين ممن يدعون إلي الرجعة إلي الدين ، وإنما اختلقه خيال بعض الغربيين " ممن يخشون أن يتنبه المسلمون إلي شؤونهم " ، وأن " يرجعوا إلي الأخذ بدينهم ، وأن يعتصموا بجامعتهم " , وأن يستقلوا عن غيرهم بأنفسهم .
قال بعض المستعربين الإنجليز : " إن الوحدة الإسلامية حين وضعت برنامجا دقيقاً للعالم الإسلامي إنما اقتبست الكثير من الآراء الرجعية النازعة إلي الحكم المطلق ؛ ولكن كل حركة من هذا القبيل هي في ذاتها مستحيلة . . ومن أجل هذا كانت الجامعة الإسلامية أدني إلي أن تكون عنصراً من عناصر التفرق والضعف من أن تكون عنصراً من عناصر القوة للملائمة بين الإسلام وبين العالم الحديث " .
والواقع أن الشيخ محمد عبده كان قد عدل منذ زمان طويل عن كل إصلاح سياسي علي نحو ما كان يريد استاذه
جمال الدين الأفغاني . فبعد أن تعطلت مجلة " العروة الوثقى " ( أواخر سنة ١٨٨٤ )، وفشلت مشروعات الجامعة الإسلامية التي كان السيد جمال الدين يدعو إليها ، اقترح محمد عبده على أستاذه أن يعتزلا الاشتغال بالسياسة ، وأن ينصرفا إلي إنشاء مدرسة خاصة تعني بتربية النشء ، ( فيما يقول رشيد رضا ) وفقاً لمنهج ومقاصد جديدة ؛ وبهذا يصلان من طريق التربية إلى إصلاح الأخلاق ، وتكوين صفوة من الشباب المصري تلائم تربيتهم المثل العليا التى كانا ينشدانها . وإذا كانت النتائج التي يحصل المصلح عليها من طريق التربية أبطأ تحقيقاً وأقل جلبة ، إلا أنها ، يقيناً ، أوثق وأعمق أثراً .
ولما كان الشيخ عبده يؤثر التدرج في الإصلاح ، ويراه أكفل في بلوغ النتائج المنشودة ، فقد بادر بالعمل لإصلاح التعليم ، وهو في نظره شرط لا غني عنه لتقويم الأخلاق . والواقع أن هذا الجانب من التربية الأخلاقية في تجديد محمد عبده يفسر لنا مبلغ ما ظفر به المصلح في مصر وفي العالم الإسلامي من أثر باق عميق .

