الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 237الرجوع إلى "الثقافة"

بمناسبة الذكرى الثامنة والثلاثين لوفاة الأستاذ الأمام، محمد عبده المصلح الأخلاقى

Share

ذكر أغلب من كتبوا في سيرة الشيخ محمد عبده أن أهم رسالة اضطلع بها ذلك الإمام هي إصلاح الدين الإسلامي . وهذا الرأي حق ، ولكن إلي حد ما : فإنا إذا التمسنا الحقيقة في نشاط ذلك المصلح المصري ، وإذا تأملنا على الخصوص مدى تعاليمه ، وحاولنا أن نتفهم روح الرجل وعقليته ، وأن نستشف ما وراء السطور فيما جري به قلمه ، أدركنا حينئذ أن كل إصلاح خطر بباله إنما مداره دواع وأسباب أخلاقية .

إذا رجعنا في سيرة محمد عبده إلي حوالى سنة ١٨٧٠ رأينا ذلك الشاب ، وهو لم يغادر بعد أروقة الأزهر ، مشغولا بالمشكلة الأخلاقية في علاقاتها بالعمل الاجتماعي ؛ وإذا سرنا معه إلي غداة سنة ١٨٨٢ وجدنا مجاهداً يغادر

بلاده منفياً ، فيقصد إلي سوريا ثم إلي أوربا ، ويشتغل مع أستاذه السيد جمال الدين الأفغاني في إصدار جريدة " العروة الوثقي " مغامراً بنفسه في العمل السياسي الذي لا يلائم طبعه كل الملاءمة - يكلف نفسه ذلك كله لأنه كان يأمل المشاركة في إنـهاض بلاده نـهضة أخلاقية ، إذ يدعو أبناءها إلي الأنضواء تحت علم الحرية والجهاد والوطنية .

أليس محمد عبده هو الذي يصبح في أواخر حياته مفتياً ، فيدعو إلي التسامح وإلي الاجتهاد وإلى التفكير المستقل من كل سلطة ؟ ! وهو الذي يصرح غير مرة أن المباحث التى يقضي فيها شيوخ الأزهر أعمارهم لا تعدل جهد ساعة واحدة ، إذا لم تنفع الناس في أعمالهم وفي قيادة حياتهم ؟ !

والواقع أن الشيخ محمد عبده كان أخلاقياً بطبعه وفطرته ، ميالا إلى العمل ميله إلى النظر ، يريد الاتصال بالناس ، ويريد مخاطبة الضمائر والتأثير في النفوس أثراً مباشرا . ولعل المفكر المصري كان يري رأي افلاطون في أن الاتصال المباشر هو الذي يعين على إشعال الجذوة الروحية لدي الآخرين .

والواقع أيضاً أن النظرات الأخلاقية تسود جميع ما عالجه الأستاذ الإمام من مشكلات دينية أو فلسفية ؛ مثال ذلك تفسيره للقرآن ، ونظريته في النبوة ، ونظريته في الحرية . ولا غرو فإن الشيخ محمد عبده ، ككل مفكر شاعر برسالته ، يعلم أهمية الدور الأخلاقي والاجتماعي الذي يؤديه الفكر . ويبدو لنا أن الرسالة التي حملها محمد عبده تشبه في كثير من الوجوه رسالة الأخلاقيين القدماء في عهد الإمبراطورية الرومانية : فكما " استطاع فلاسفة رومة القدماء  - والرواقيون منهم على الخصوص - أن يؤثروا مباشرة في عقليات الناس بتعليم أنيس لم يكن يخلو من قداسة دينية " فكذلك استطاع محمد عبده ، في مصر أواخر القرن التاسع عشر ، أن يبث تعاليمه الأخلاقية ، وأن ينشر نفوذه الروحي عن طريق القدوة الحسنة والمثال الفعال .

وإذن فقد كانت جهود الشيخ محمد عبده موجهة إلي العمل الأخلاقي : يكافح العادات والتقاليد السيئة ، وينقد البدع والمعتقدات الفاسدة ، ويحمل على الظلم والاستبداد ، ويندد بجميع الانحرافات الاجتماعية والسياسية ، ويبذل الجهد لإصلاح مناهج التعليم في الأزهر - يتصدى لذلك كله بغية الإصلاح الأخلاقي للجماعة الإسلامية عموما ، وللمجتمع المصري خصوصاً .

والحق لقد علم محمد عبده أن الدين في كل مذهب أخلاقي يقوم بمهمة ليس عنها غناء . ومن أجل ذلك كان المربون يعمدون إلي الدين ، لكى يبثوا في نفوس الأطفال مبادئ السلوك القويم ؛ ومن أجل ذلك رأينا الشعوب المثقفة

تنمو فيها فكرة " تذهب إلي أن الاخلاق إذا خلت من الجزاء الديني فمصيرها إلي الزوال " .

أما حركة الإصلاح الديني التي أصبح اسم محمد عبده عنوانا عليها في العالم الإسلامي ، فلم تكن في ذهن المصلح إلا " وسيلة " لتحقيق " غاية " وهي الإصلاح الأخلاقي بمعناه الدقيق . والأستاذ الإمام نفسه بقول هذا صراحة : " مقصد الجميع ( أي المصلحين المسلمين ) ينحصر في استعمال ثقة المسلم بدينه في تقويم شؤونه . ويمكن أن يقال إن الغرض الذي يرمي إليه جميعهم  إنما هو تصحيح الاعتقاد ، وإزالة ما طرأ عليه من الخطأ في فهم نصوص الدين ؛ حتى إذا سلمت العقائد من البدع تبعها سلامة الأعمال من الخلل والاضطراب ، واستقامت الأحوال ، واستضاءت بصائرهم بالعلوم الحقيقية دينية ودنيوية ، وتهذبت أخلاقهم بالملكات السليمة ، وسري الصلاح منهم إلي الأمة .

فإذا سمعت داعيا يدعو إلي العلم بالدين ، فهذا مقصده ، أو مناديا يحث على التربية الدينية فهذا عرضه ، أو صائحا ينكر ما عليه المسلمون من المفاسد فتلك غايته " . وإذن فالدين في نظر محمد عبده إنما هو أصلح الوسائل وأمثل السبل لتحقيق ذلك الإصلاح الأخلاقي . إذ أن الأذهان لما لم تكن قد نضجت نضوجاً كافيا للاستعاضة عن العقائد المعينة بالمبادئ المجردة ، فقد وجب بدء الإصلاح بالدين ؛ وفي ذلك يقول الأستاذ الإمام في وضوح لا يحتاج إلى مزيد : " وهذه سبيل لمريد الإصلاح في المسلمين لا مندوحة عنها . فإن إتيانـهم من طرق الأدب والحكمة العارية عن صبغة الدين يحوجه إلي إنشاء بناء جديد ليس عنده من مواده شئ ، ولا يسهل عليه أن يجد من عماله أحداً . وإذا كان الدين كافلا بتهذيب الأخلاق وصلاح الأعمال ، وحمل النفوس على طلب السعادة من أبوابها ، ولأهله من الثقة به ما بيناه ، وهو حاضر لديهم ، والعناء في إرجاعهم إليه أخف من إحداث ما لا إلمام لهم به ، فلم العدول عنه إلي غيره ؟ " .

وإذا صح لنا ، بيانا لما نحن بسبيله ، أن نستعير كلمة لمستشرق فرنسي معاصر ، قلنا : " إن معقد رجاء الأستاذ الإمام هو أن يبقى الإسلام الحديث هو الإسلام بشرط أن يتجدد" ؛ لكن لعل الشيخ عبده كان " يخشى على المجتمع الإسلامي في حال حدوث تجديد دنيوي تام ، أن يصيبه فقر أخلاقي لا محيص عنه " . فالمذهب الأخلاقي لدي الفقهاء والعلماء ، الرجعيين كان يبدو له ضعيفا مهلهلا ، إلا أن طائفة من التقاليد قد استطاعت أن تحفظ عند سواد الشعب " نوعا من السلوك الأخلاقي اللائق لا يستطاع أن ينكر ماله من قيمة اجتماعية " .

وإذن فلم يكن مقصد محمد عبد من الإصلاح ، كما توهم البعض ، هو أن يحقق الوحدة السياسية للشعوب الإسلامية ، ولا " أن يثير فتنة علي الأوربيين أو غيرهم من الأمم المجاورة للمسلمين " . والشيخ محمد عبده نفسه ينكر هذا ويصرح في غير مواربة أن " السعي في توحيد كلمة                                                                                                 المسلمين وهم كما هم لم يخطر ببال أحد " من المصلحين المسلمين ممن يدعون إلي الرجعة إلي الدين ، وإنما اختلقه خيال بعض الغربيين " ممن يخشون أن يتنبه المسلمون إلي شؤونهم " ، وأن " يرجعوا إلي الأخذ بدينهم ، وأن يعتصموا بجامعتهم " ,  وأن يستقلوا عن غيرهم بأنفسهم .

قال بعض المستعربين الإنجليز : " إن الوحدة الإسلامية حين وضعت برنامجا دقيقاً للعالم الإسلامي إنما اقتبست الكثير من الآراء الرجعية النازعة إلي الحكم المطلق ؛ ولكن كل حركة من هذا القبيل هي في ذاتها مستحيلة . . ومن أجل هذا كانت الجامعة الإسلامية أدني إلي أن تكون عنصراً من عناصر التفرق والضعف من أن تكون عنصراً من عناصر القوة للملائمة بين الإسلام وبين العالم الحديث " .

والواقع أن الشيخ محمد عبده كان قد عدل منذ زمان طويل عن كل إصلاح سياسي علي نحو ما كان يريد استاذه

جمال الدين الأفغاني . فبعد أن تعطلت مجلة " العروة الوثقى " ( أواخر سنة ١٨٨٤ )، وفشلت مشروعات الجامعة الإسلامية التي كان السيد جمال الدين يدعو إليها ، اقترح محمد عبده على أستاذه أن يعتزلا الاشتغال بالسياسة ، وأن ينصرفا إلي إنشاء مدرسة خاصة تعني بتربية النشء ، ( فيما يقول رشيد رضا ) وفقاً لمنهج ومقاصد جديدة ؛ وبهذا يصلان من طريق التربية إلى إصلاح الأخلاق ، وتكوين صفوة من الشباب المصري تلائم تربيتهم المثل العليا التى كانا ينشدانها . وإذا كانت النتائج التي يحصل المصلح عليها من طريق التربية أبطأ تحقيقاً وأقل جلبة ، إلا أنها ، يقيناً ، أوثق وأعمق أثراً .

ولما كان الشيخ عبده يؤثر التدرج في الإصلاح ، ويراه أكفل في بلوغ النتائج المنشودة ، فقد بادر بالعمل لإصلاح التعليم ، وهو في نظره شرط لا غني عنه لتقويم الأخلاق . والواقع أن هذا الجانب من التربية الأخلاقية في تجديد محمد عبده يفسر لنا مبلغ ما ظفر به المصلح في مصر وفي العالم الإسلامي من أثر باق عميق .

اشترك في نشرتنا البريدية