الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 916الرجوع إلى "الرسالة"

بمناسبة المولد النبوي:، نشأة البديعيات في مدح الرسول

Share

لم ينعم نبي في أمته بمثل ما نعم به محمد صلى الله عليه وسلم.  ولم ينل نبي من الرضا عنه والثناء عليه مثل ما ناله النبي الأعظم  من الثناء والإجلال، وليس ذلك بعجيب أو مستعظم بعد أن  سجل الله له ذلك في محكم كتابه   (وإنك لعلي خلق عظيم) .

ومدائح النبي الأعظم لا يحصيها عُد ولا يشتملها كتاب فرد كائناً ما كان: وقد حاول العلامة الشيخ يوسف النبهاني أن يحصيها في  كتابه     (المدائح النبوية)   - فعجر - مشكوراً - عن إدراك  غايته.

ولو تتبعنا فن   (مديح الرسول الأعظم)  منذ صدر الإسلام  إلى يومنا هذا لوجدناه نوعين: مديح تقيد فيه ناظموه ببحر معين  وقافية خاصة ونمط مصطلح عليه ومديح لا يتقيد فيه ناظمه ببحر   معين ولا بقافية خاصة أو نمط مصطلح عليه وقد سمى النوع الأول   (البديعيات) أما النوع الثاني فهو من (المدائح النبوية)   العامة.

ولو تتبعنا تاريخ  (البديعيات) لوجدناها كلها نوعاً واحداً.  التزم فيها ناظموها بحر (البسيط)  وقافية (الميم)  واشترطوا في  كل بيت من أبياتها محسناً من المحسنات البديعية المعروفة على  عهدهم، وقصدوا بذلك تطريز هذا الصنف من المدائح بجميع  الصور البلاغية.

وامل أول بديعية استكملت هذه الشروط كامها « بديعية صفي الدين الحلى المتوفى عام ٧٥٠ ه . وقد استهلها بقوله :

إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم ... وافر السلام على عرب بذي سلم

فقد ضمنت وجود الدمع من عدم ... لهم ولم أستطع من ذاك منع دمى1

وهي بديعية طويلة تقع في مائة وخمسة وأربعين بيتاً. ومن ثم جرى الشعراء على منواله منذ القرن الثامن وهم  لا يزالون كذلك إلى اليوم الذي أنشأ فيه أمير الشعراء أحمد  شوقي بك  (بديعية نهج البردة)  التي أولها:

ريم على القاع بين البان والعم ... أحل سفك دمى في الأشهر الحرم

فكل ما قيل في مدح الرسول - منذ القرن الثامن إلى اليوم -  من قصائد منظومة في هذا البحر والقافية، وذلك النمط الذى يلزم فيه الناظم استخدام المحسنات البديعية يسمى (البديعيات)  وواحدتها   (بديعية). ولعلهم لم يختاروا لها هذا الاسم إلا لاستخدام المحسنات البديعية في كل بيت من أبياتها.

فكيف نشأت البديعيات في تاريخ الأدب؟ الحق أن  صفي الدين الحلي لم يكن أمة وحده في اختراع   (البديعيات)   وإن كان له فضل اختراع التسمية واشترط قافية الميم واصطناع  البديع فيها.

ولو أنك استعرضت معي المدائح النبوية كلها لرأيت الجذور  الأولى للبديعيات واضحة في جميع المدائح النبوية القديمة التي  نظمها أصحابها من بحر البسيط.

ولعل   (قصيدة كعب بن زهير)  المتوفى عام ٢٦هـ هي أول  قصيدة كلاسيكية من هذا النوع أنشدها صاحبها وبين يدي  الرسول الأعظم.

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يجز مكبول

وما سعاد غداة البين إذ برزت ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول

وفي القرن الخامس نظم العارف بالله عبد الرحيم بن أحمد  البرعي اليمني المتوفى عام ٤٨٠هـ قصيدة من هذا النوع أولها:

خل الغرام لصب دمعه دمه ... حيران توجده الذكرى وتعدمه

وامنح له بعلاقات علقن به ... لو اطلعت عليه كنت ترحمه

واختتمها بقوله مصلياً:

عليك منى صلاة الله أكملها ... يا ما جداً عمت الدارين أنعمه

تبدي عبيراً ومسكا صوب عارضها ... ويبدأ الذكر ذاكرها ويختمه

ما رنح الريح أغصان الأراك وما ... حامت على أبرق الحنان حومه

وينثني فيعم الآل جانبه ... بكل عارض فضل فاض مسجمه1

وفي القرن السادس نظم جمال الدين بن يحيى الصرصري  المتوفى ٦٥٦هـ قصيدته، ولو تأملتها لوجدتها عين ما قاله البرعي  بحراً وقافية وروبا وافتتاحاً واختتاماً. وقد أثبت المنهج العلمي  بعد البحث والاستقراء أنه عارضه بها، حيث افتتحها بما اختتم  به البرعي قصيدته:

أغرب المحب بذات الستر لومه ... فبان سر غرام كان يكتمه

أني يلام على التذكار ذو شغف ... متيم بسهام القلب مغرمه

واختتمها بما اختتم بها البرعي قصيدته:

عليك مني صلاة الله أطيبها ... ومن سلام إله العرش أدومه

وعم بالفضل من واساك في عسر ... وذب عنك غداة الروح مخدمه

من آلك الغر والأصحاب إنهم ... أفلاك دين الهدى فينا وأنجمه

ومن تلاهم بإحسان فأنت له ... ذخراً بجاهك رب العرش يرحمه2

فلما كان أواخر القرن السابع نظم الإمام شرف الدين محمد  ابن سعيد الضنهاجي الدلاصي المشهور البوصيري المتوفي عام  ٦٩٤ هـ قصيدة الخالدة المشهورة باسم (البردة)  فلم يزد على ما سبقه إليه كعب بن زهير والربعي والصرصري سوى (قافية  الميم)  كما ترى:

أمن تذكر جيران بذي سلم ... مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم

أم هبت الريح من تلقاه كاظمة ... وأومض البرق في الظلماء من إضم

وقد كان لسقوط بغداد في منتصف هذا القرن (عام ٦٥٦هـ  هرة عنيفة، كانت من أكبر الهزات التي انتابت جوانب  الإسلام فكان لها أكبر الأثر في الحياة الأدبية. والنفوس  دائماً تأبى إلا أن تنتهي إلى قوة قادرة مدبرة تدبرها وتدير شؤونها  وترعى حقوقها. وهي لم ترضى في ذلك العصر بهذا الفاتح الغاشم  ولا بهذا السلطان الجديد - التتار - الذي كان مخالفاً للكثير  من تعاليم الإسلام وتقاليد الراسخة في النفوس. فلم يكن بد  لهذه النفوس المظلومة على أمرها من أن تسلك دوراً جديداً،  يحقق لها معاني الاتزان النفسي، وليس لتلك النفوس بد من أن  تجدد عهودها مع القوة الروحية القديمة لتأنس إليها وتستمد منها قواها الدنيوبة وآمالها الأخروية.

وهكذا كان هذا الأثر أسبق إلى نفوس الشعراء قبل غيرهم،  وهم أولى الناس بإظهار أحاسيسهم وإبداء عواطفهم والتعبير عن  مشاعرهم المرهفة القوية. ولم يكن هناك بد من أن يهرعوا إلى  مدح المصلح الأول2 فنظم الصرصري   (٦٥٦هـ)  والوتري    (٦٦٢هـ)  والبوصيري   (٦٩٤هـ)  والعزازي   (٧١٠هـ)   مدائحهم الخالدة. فلما جاء الشعراء من بعدهم نسجوا على منوالهم  قصائد تشبهها في الوزن والقافية مراعاة لهذا التقليد الكريم.

ثم جاء صفي الدين الحلي في منتصف القرن الثامن ودفعه ما في    (بردة البوصري)  من محسنات بديعية أن يجعل قصيدته ذاخرة  بالبديع فسمى ما نظمه (بديعية)  واختار لها هذا الإسم، فأصبح  علماً تقليدا على كل قصيدة ينظمها صاحبها في مدح الرسول  الأعظم محتذيا الوزن والقافية والمحسنات البديعية.

اشترك في نشرتنا البريدية