عن لنا أن ننشر كلمة نبين فيها شيئا عن تدوين أحاديث الرسول ) ص ( ، ومتى وقع هذا التدوين ، وكيف كان . ولكنا رأينا قبل أن نعرض لهذا الأمر أن نأتى بفذلكة فى تاريخ القرآن الكريم وطريقة جمعه ، يتبين منها كيف كانت عناية الصحابة بتدوين هذا الكتاب الكريم بعد ان كتب عند نزوله فى عهد النبى ) ص ( ، وكيف كانوا يبالغون فى التحرى فى جمعه حتى جاء على أكمل وجه وأصدق صورة ، واستحق هذا الكتاب العزيز بهذه العناية الفائقة صفة التواتر الصحيح الذى لايمترى فيه إنسان ، ولا يختلف فيه اثنان .
ولو أن الصحابة كانوا قد فعلوا فى تدوين أحاديث الرسول ) ص ( مثل ما فعلوا فى تدوين القرآن لجاءت هذه الأحاديث على غير ما هى عليه الآن ؛ فتكون كلها متواترة
في لفظها ومعناها ، ليس فيها شئ اسمه صحيح ، ولا شئ اسمه حسن ، ولا شئ اسمه ضعيف أو موضوع ا
وبذلك كان ينحط عن كواهل العلماء أثقال البحث عن صحة ماروى عن الرسول ) ص ( ، وأعباء تأليف الكتب الكثيرة التى وضعت فى علوم الحديث ، وبيان أحوال الرجال من حيث الجرح والتعديل وغير ذلك .
وكان أئمة الفقه يسيرون على نهج واحد ، لا اختلاف بينهم ولا تباين ؛ إذ تكون أدلتهم كلها متواترة ؛ فلا يأخذون بالظن الذى فتح أبواب الخلاف وشق صفوف الأمة إلى مذاهب وفرق ؛ بله ما نجم عن ذلك من الفرقة بين علماء الحديث وبين علماء الكلام والأصول من ناحية ، وبينهم وبين أهل الرأى من الفقهاء من ناحية اخرى ، مما لا يزال أثره بينهم إلى اليوم قائما .
وإنا نمهد لقولنا بكلمة فى معنى الوحى . قال الراغب فى مفرداته ) ١ ( : أصل الوحى الإشارة
السريعة ، ولتضمنه السرعة قبل : ) أمر وحى ( ، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض ، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب ، وبإشارة بعض الجوارح وبالكتابة ، وقد حمل على ذلك قوله تعالى عن زكريا : " فخرج على قومه من المحراب فاوحى إليهم فقد قيل رمز ، وقيل أشار ، وقيل كتب .
وقوله : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم فذلك بالوسواس المشار إليه بقوله : " من شر الوسواس الخناس الذى يوسوس فى صدور الناس ، وإن للشيطان لعنة
ويقال للكلمة الإلهية التى تلقى إلى أنبيائه وأوليائه ) وحى ( وذلك أضرب ، كما دل عليه قوله : وما كان لبشر ان يكلمه الله إلا وحيا إلى قوله - باذنه ما يشاء . وذلك إما برسول مشاهد ترى ذاته ويسمع كلامه كتبليغ جبريل للنبى فى صورة معينة ، وإنما بسماع كلام من غير معاينة كسماع موسى كلم الله . وإما بإلغاء فى الروح كما ذكر النبى : " إن روح القدس نفث فى روحى وإما بالهام نحو " وأوحينا إلى أم موسي أن أرضعيه وإما بتسخير نحو قوله : " وأوحى ربك إلى النحل " أو بمنام كما قال عليه الصلاة والسلام : انقطع الوحى وبقيت البشرات رؤيا المؤمن " .
وقال الأستاذ الإمام محمد عبده فى رسالة التوحيد ، بعد أن عرف معنى الوحى لغة وقيل الوحى إعلام فى خفاء ويطلق ويراد به الموحى ، وقد عرفوه شرعا بأنه كلام ) ٣ ( الله تعالى المنزل على نبى من أنبيائه . أما نحن فنعرفه على شرطنا بأنه : عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة
كيفية الأنزال والوحى
قال السيوطى فى الإتقان ) ١ ( : فى المنزل على النبى ) ص
ثلاثة أقوال : ) الأول ( أنه اللفظ والمعنى ، وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به ) الثانى ( أن جبريل إنما نزل بالمعانى خاصة ، وانه ) ص ( علم تلك المعانى وعبر عنها بلغة العرب ؛ وتمسك قائل هذا بظاهر قوله تعالى : " نزل به الروح الأمين على قلبك " ) الثالث ( أن جبريل إلقى إليه المعنى وانه عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب ، وان أهل السماء يقرءونه بالعربية ، ثم إنه نزل به كذلك بعد ذلك وقال : وفى التنزيل طريقان : ) أولهما ( أن النبى انخلع من صورته البشرية إلى صورته الملكية . وأخذه من جبريل ) والثانية ( أن الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذه الرسول منه .
نزول القران متجمعا
انزل القرآن العزيز متجمعا فى بضع وعشرين سنة بمكة والمدينة ، فربما نزلت الآية المفردة ، وربما نزلت آيات عدة إلى عشر . كما صح عند أهل الحديث ، وذلك بسبب الحاجة التى تكون سببا فى النزول ، وليثبت به فؤاد النبى ) ص ( ، ثم ليكون أشد على العرب ، وأبلغ فى الحجة عليهم .
وقد نزلت بعض السور كاملة ، كالفاتحة والإخلاص والكوثر
وقد صح كذلك نزول بعض آية . روى البخارى عن البراء قال : لما نزلت ) لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون فى سبيل الله ( قال النبى ) ص ( أدع لى زيدا وليجىء باللوح والدواة ثم قال : " لا يستوى القاعدون - وخلف ظهر النبى - عمرو بن أم مكتوم الأعمى . فقال : يا رسول الله فما تأمرنى فإنى رجل ضرير - فنزلت مكانها " لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون فى سبيل الله غير أولى الضرر والذى فى التلاوة غير أولى الضرر قبل والمجاهدون فى سبيل الله .
وكان الرسول ) ص ( يامر كتاب الوحى أن يكتبوا ما ينزل عليه من الوحى عند نزوله حتى لا يفلت منه شئ .
كيف كان الصحابة يتلون القران :
كان النبى ) ص ( بعد أن ينزل إليه ما ينزل من القرآن ويكتبه كتاب الوحى بمحض صحابته على حفظه وضبطه والمداومة
بالليل والنهار على تلاوته فى صلاتهم وغير صلاتهم ، وبذلك كثر الحفاظ فيهم ، إما بحفظ القرآن كله أو بحفظ بعضه .
كتاب الوحى :
كان من كتاب الوحى الخلفاء الأربعة وسعيد بن العاص والزبير بن العوام وطلحة ، وكان أكثرهم كتابة وأشهرهم بينهم زيد بن ثابت .
وكان أول من كتب للنبى بمكة من قريش عبدالله بن سعد ابن أبى سرح الذى ارتد ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح ، وأول من كتب بالمدينة أبى بن كعب وزيد بن ثابت وممن كتبوا كذلك حنظلة بن الربيع الأزدى .
الذين جمعوا القران على عهد النبى .
ذكروا أن الذين جمعوا القرآن على عهد النبى : هم على ابن أبى طالب ، وسعيد بن عبيد بن النعمان ، ومعاذ بن جبل وأبى بن كعب ، وعبيد بن معاوية ، وزيد بن ثابت ، وأبو الدرداء . ولم يذكر ابن النديم فى الفهرست من هؤلاء عبيد بن معاوية .
وذكر الذهبى فى طبقات القراء أن المشهورين بإقراء القرآن عثمان وعلى وأبى وزيد بن ثابت وابن مسعود وأبو موسى الأشعرى .
وإذا كان هناك اختلاف فى بعض من جمعوا القرآن فإنه لم يحصل اختلاف فى أبى بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وعلى .
جمع القرآن وسببه فى عهد أبى بكر :
روى البخارى عن زيد بن ثابت أنه قال : قضى رسول الله ولم يكن للقرآن جمع فى شئ . وذلك لأنه كان فى الصدور وفيما كتبوه متفرقا ، ولما تولى أبو بكر ونشبت حرب الردة وقتل فيها كثير من الصحابة خشى عمر من ضياع القرآن بموت الصحابة فدخل على أبى بكر وقال له : إن أصحاب رسول الله باليمامة يتهافتون تهافت الفراش فى النار ، وإنى أخشى ألا يشهدوا موطئا إلا فعلوا ذلك حتى يقتلوا وهم حملة القرآن فيضيع القرآن وينسى ، ولو جمعته وكتبته ؟ فنفر منهما أبو بكر ، ولما تراجعا أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت وقال له : إن عمر قد دعانى إلى أمر فأبيت ، وأنت
كاتب الوحى ، فإن تكن معه اتبعتكما فنفر زيد كذلك وقال : نفعل ما لم يفعل رسول الله ؟ فقال عمر : وما عليكما لو فعلتما ذلك . فشرح الله صدرى لذلك ، ورأيت فى ذلك رأى عمر ، ثم تتبعت القرآن أجمعه من العصب واللخاف ) ١ ( والأكناف وقطع الأديم وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة براءة مع ابن خزيمة لم أجدها مع غيره ) لقد جاءكم رسول من أنفسكم " إلى خاتمة السورة .
وقد اختص أبو بكر زيدا بذلك لأنه كاتب الوحى وكان حافظا للقرآن وصاحب العرضة الأخيرة ، وقبلت شهادة ابن خزيمة الأنصارى وحده لان رسول الله جعل شهادته بشهادة رجلين .
تحريهم فى مجمع القران :
لما اتفق الرأى على جمع القرآن قام عمر فى الناس وقال : من تلقى من رسول الله شيئا من القرآن فليأت به . وقال أبو بكر لعمر وزيد اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شىء من كتاب الله فاكتباه ، وكان عمر لا يقبل من أحد حديثا عن رسول الله حتى يشهد شاهدان أنهما تلقياه من النبى .
وعهدوا إلى بلال أن ينادى فى أنحاء المدينة أن من كان عنده قطعة عليها شئ من كتاب الله فليأت بها إلى المسجد وليسلمها إلى المكتبة .
قال أبو شامة : وكان غرضهم ألا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدى النبى ، لا من مجرد الحفظ ، ولذلك قال فى اخر سورة التوبة : لم أجدها مع غيره ، أى لم أجدها مكتوبة مع غيره لأنه كان لا يكتفى بالحفظ دون الكتابة .
وروى ابن وهب فى موطئه عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر أنه قال : " جمع أبو بكر القرآن فى قراطيس " وبذلك يكون أبو بكر أول من جمع القرآن ) فى الصحف ( بعد أن كان مفرقا - وهذا هو الجمع الأول
الجمع الثانى فى عهد عثمان
لبثت الصحف التى كتبت فى عهد أبى بكر محفوظة عنده
إلى أن قضى نحبه ، ثم حفظت عند عمر مدة ولايته ، وقبل موته دفع بها إلى ابنته حفصة حتى طلبها عثمان ليراجعوا عليها الصحف التى كتبت فى عهده .
المصاحف التى كتبها عثمان
وما كاد عمر ينقلب إلى ربه ويتولى عثمان أمر المسلمين حتى ثارت أعاصير الفتن وتفرق الناس ، وكان من هذا التفرق أن اختلف المسلمون فى قراءة القرآن حتى كفر بعضهم بعضا ، وامتد هذا الخلاف حتى عم جميع الأمصار
روى البخارى أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازى أهل الشام فى فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع حذيفة اختلافهم فى القراءة . وقال لعثمان : يا امير المؤمنين ، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا فى الكتاب اختلاف اليهود والنصارى
وأخرج ابن أبى داود فى المصاحف : لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل ، والمعلم يعلم قراءة الرجل ، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين حتى كفر بعضهم بعضا .
ومما ذكره حذيفة : رأيت أناسا من أهل حمص يزعمون أن قراءتهم خير من قراءة غيرهم وانهم أخذوا القرآن عن ) المقداد ( ، ورأيت أهل دمشق يقولون إن قراءتهم خير من قراءة غيرهم وانهم قرأوا بقراءة ) أبى بن كعب ( ، ورأيت أهل الكوفة يقولون مثل ذلك ، وأنهم قرأوا على ) أبى موسى ( ويسمون مصحفه ) لباب القلوب ( .
ولما بلغ كل ذلك عثمان خطب فقال : أنتم عندى تختلفون فمن نأى عنى من الأمصار أشد اختلافا ، ثم أرسل إلى حفصة ابنة عمر : أن أرسلى إلينا بالصحف ننسخها فى المصاحف ثم نردها إليك ، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان . فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام ، فنسخوها فى المصاحف ، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شئ من القرآن فا كتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم . ففعلوا ، ثم رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمربما سواه من القرآن فى كل صحيفة أو مصحف أن يحرق ، وكان ذلك فى أواخر ٢٤ ه وأوائل ٢٥ ه
وقد اختلفوا فى عدة المصاحف التى أمر عثمان بكتابتها ،
والمشهور أنها كانت خمسة ، أرسل أربعة منها فى الآفاق وأمسك عنده واحدا .
الفرق بين جمع أبى بكر وجمع عثمان
قال بعض العلماء ؛ إن الفرق بين جمع أبى بكر وجمع عثمان ، أن جمع أبى بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شئ بذهاب حملته لأنه لم يكن مجموعا فى موضع واحد ، فجمعه فى صحائف مرئيا لآيات سوره على ما وقعهم عليه النبي ) ص ( وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف فى وجوه القراءة حتى قرأو بلغاتهم مع اتساع اللغات ، فأدى ذلك إلى تخطئة بعضهم بعضا ، حتى من تفاقم الأمر فى ذلك فنسخ تلك الصحف فى مصحف واحد مرئيا لسوره ، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجا بأنه نزل بلغتهم ، وإن كان قد وسع فى قراءته بلغة غيرهم رفعا للحرج والمشقة ، فى ابتداء الأمر ، فإنه قد رأى أن الحاجة فى ذلك قد انتهت ، فاقتصر على لغة واحدة

