الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 639الرجوع إلى "الثقافة"

بمناسبة كتاب " إلى ولدي " لأحمد أمين بك :, ٢ - رسائل الآباء إلى الأبناء

Share

قلنا إن المرحوم أحمد حافظ عوض أرسل نصائحه الأبوية إلى ولده المغترب في بيروت طلبا للعلم . كما استحضر أحمد أمين بك في ذهنه ولده المغترب في انجلترة طلبا للعلم ليزوده برسائل الوالد إلى الولد ؛ وهذه النصائح إلى الابن الغريب تذكرنا بتلك النصيحة التى أرسلها الشاعر الأديب ابن سعيد إلى ولده " على " الرحالة الأندلسي المشهور . .

وإذا كنا نعرف أحمد حافظ عوض ، وأحمد أمين . لأنهما من أعلام زماننا هذا ، فلا بأس أن تقف وقفة قصيرة مع " على بن سعيد " الذي كان من علماء الأندلس في القرن السابع الهجري ، وقد رحل عنها إلى الشرق ، وجاء هنا إلى مصر وأقام بالقاهرة ، وهو الرحالة الذي برم بالقاهرة برما شديدا ، وضاق بمصر وأهلها في العصر المملوكى الأول ، ولاحظ التواء دروبها وكثرة الغبار بها مما يكرب النفس . ويزهق الحس ، حتى قال فيها هذين البيتين :

يقولون سافر إلي القاهرة

             وعالي بها راحة ظاهره

زحام وضيق وكرب وما

            تثير بها أرجل سائره . .

إلا أنه مع ذلك قد سجل بعض محاسن القاهرة . كبركة الفيل التي يقول فيها :

انظر إلى بركة الفيل التي اكتنفت

             بها المناظر كالأهداب للبصر

كأنما هي والأبصار نرمقها

          كواكب قد أداروها على القمر

أما أبوه موسي بن سعيد فكان ممن رحلوا إلى الشرق أيضا ، وكان شاعرا أدبيا كبيرا ، فلما أراد ولده " على "

النهوض من ثغر الإسكندرية إلى القاهرة كتب له أبوه وصية شعرية ، ثم اردفها برسالة نثرية تعد من ابلغ ما كتب الآباء إلى الابناء ، وفي النصيحة الشعرية من حنان الأبوة وإشفاقها ما تعبر عنه هذه الآبيات :

أودعك الرحمن في غربتك

              مرتقبا رحماه في أوبتك

وما اختياري كان طوع النوي

              لكنني أجسري على بغيتك

فلا تطل حبل النوي إنني

              والله أشتاق إلى طلعتك

من كانت مفتونا بأبنائه

              فإني أمعنت في خبرتك

فاختصر التوديع أخذا ، فما

             لى ناظر يقوي على فرقتك

وفيها من تقدير النصيحة وكونها خلاصة التجارب ما تعبر عنه الآبيات :

واجعل وصاتي نصب عين ولا

                تبرح مدي الأيام من فكرتك

خلاصة العمر التي حنكت

                في ساعة زفت إلي فطنتك

فللتجارب أمور إذا

                طالعتها تشحذ من غفلتك

فلا تتم عن وعيها ساعة

                فإنها عون إلى يقظتك

وفيها من آداب السلوك وقواعد السير في الحياة ومخالطة الجماعات ما تدل عليه هذه الأبيات :

وانطق بحيث التي مستقبح

            واصمت بحيث الخير في سكتتك

ولا تكن تحقر دارية     فإنه انفع في غربتك

وللرزايا وثبة ما لها      إلا الذي تذخر من عدتك

ولا تقل : اسلم لي وحسدتي

                فقد قاسي الذل في وحدتك

والتزم الأحوال وزنا ، ولا

               ترجع إلي ما قام في شهوتك . .

ولم يكتف الوالد الشاعر بقصيدة من شعره توفي على الأربعين بيتا ، بل التجأ في وصاته الحكيمة إلي أقوال من الشعراء الآخرين لعلها تخف على الحفظ وتعلق بالقلب . . فيستعير قول الشاعر الأول :

يزين الغريب إذا ما اغترب     ثلاث فمنهن حسن الأدب

وثانية حسن أخلاقه      وثالثة إجتناب الريب

ثم يقترض قول الشاعر الآخر :

جسد رفيع القوم من كان عاقلا

                 وإن لم يكن في قومه بحسيب

إذا حل أرضا عاش فيها بعقله

                 وما عاقل في بلدة بغريب

ثم يقترض هذا البيت الذي بعده يتيمة الدهر ، وسلم الكرم والصبر :

ولو أن أوطان الديار تبنت بكم    لسكنتمو الأخلاق والأدابا

ثم ينتقل به بعد ذلك إلى نصائح من النثر أودعها حكمته وتجربته ، فينصحه بتجنب الساخطين دائما ، المتبرمين دائما الذين أحالهم الضعف والعجز إلى الوقوع في الناس قائلا :

" ولا يفسد خاطرك من جعل يذم الزمان وأهله .

ويقول : ما بقي في الدنيا كريم ولا فاضل ، ولا مكان يرتاح فيه ، فإن الذين تراهم على هذه الصفة أكثر ما يكونون ممن صحبه الحرمان ، واستخفت طلعته للهوان . وأبرموا على الناس بالسؤال فمقتوهم . وعجزوا عن طلب الأمور من وجوهها ، فاستراحوا إلى الوقوع في الناس وإقامة الأعذار لأنفسهم بقطع أسبابهم ، وتحذير أمورهم . .

على أننا لو عدنا القهقري إلى العصر الجاهلي لوجدنا نصائح الآباء إلى الأبناء لم يخل منها نثرهم . فهذا خطيبهم وحكيمهم ذو الاصبع العدواني  تدركه الوفاة ، فلا يدع ساعة الاحتضار تمر من غير أن يوجه إلى ابنه " أسيد "

نصحية تعد دستورا موجزا للنجاح في الحياة ، والسيادة فيها . فيقول بعد كلام : " ألن جانبك لقومك يحبوك ، وتواضع لهم يرفعوك ، وابسط لهم وجهك يطيعوك ، ولا تستأثر عليهم شئ يسودوك " .

فإذا أقبلنا على عصر صدر الإسلام وجدنا أجلاء الصحابة رضي الله عنهم يكتبون إلى أبنائهم ناصحين فهذا الخليفة عمر بن الخطاب يخرج ابنه عبد الله في غيبة يبقيها ، وغربة صغيرة يغتربها ، فيكتب إليه : " أما بعد : فإن من اتقي الله وقاه ومن اتكل عليه كفاه ، ومن شكر له زاده ، ومن أقرضه جزاء ، فاجعل التقوي عمارة قلبك ، وجلاء بصرك ، فإنه لا عمل لمن لا نية له ، ولا خير لمن لاخشية له ، ولا جديد لمن لا خلق له " .

وهذا الخليفة الرابع الإمام على بن أبي طالب يكتب إلى ولد الحسن عليهما السلام رسالة نصحية ، فيها روح الإمام وزهده في الدنيا ، ورغبته فيما عند الله وخشيته منه ؟ يقول فيها : " واحفظ وصيتي ولا تذهب عنك صفحا ، فلا خير في علم لا ينفع " . وهو هنا ككل والد ناصح يأمر ولده يحفظ الوصية ، كما صنع " ابن سعيد " في قوله :

واجعل وصاتي نصب عين ولا

                 تبرح مدى الأيام من فكرتك

. ثم يقول له بعد ذلك : " قبع دنياك بآخرتك ، ولا تبع آخرتك بدنياك . ودع القول فيما لا تعرف ، والأمر فيما لا تكلف . . وخض القمرات للحق ، ولا تأخذك في الله لومة لائم " .

ثم تراه - عليه السلام - لا يخص واحدا من أبنائه بوصية ، فيكتب إلى ابنه محمد بن الحنفية رسالة حكمية بضع له فيها من دساتير الأخلاق ما يرتفع بالنفوس إلى أعلى المقامات ، فيقول له مثلا : " وأمسك عليك لسانك ، فإن تلاقيك ما فرط من صمتك أيسر عليك من إدراك ما فات من منطقك ، واحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء فحسن التدبير مع الاقتصاد أبقى لك من الكثير مع الفساد ، والحرفة - أي الضيق - مع العفة خير من الغني مع الفجور " .

فإذا أقبلنا على العصر الأموي رأينا اثنين من رجاله ينصحان ابنهما نصائح لم يضيعها تاريخ الأدب ولم يغفلها

مؤرخوه . فهذا " خالد بن صفوان بن عبد الله المنقري " وكان جليسا لعمر بن عبد العزيز وهشام بن عبد الملك ، ينصح ابنه بأقوال منها : " كن احسن ما تكون في الظاهر حالا ، أقل ما تكون في الباطن مالا ، ودع من أعمال السر ما لا يصلح لك في العلانية " . وهو هنا في هذه الحكمة الأخيرة يوصيه بأن يجعل ضميره رقيبا عليه في خلوته ، وسلطانا عليه في وحدته . فيستحي أن يصنع في السر ما يخشى منه العلانية ، وتلك أسمى أنواع الرقابة الخلفية ، كما كان شاعرنا الغزل العفيف يستحي حبيبته في غيبتها ، فلا يلوث حبه لها بحب آخر ، كأن رقيبا منها يراقبه من وراء الغيب :

وإني لأستحييك حتي كأنني     على بظهر الغيب منك رقيب

وهذا " المهلب بن أبي صفرة " وهو من هو في قتال الخوارج ، يكتب إلى أبنائه رسالة في النصح يقول فيها : " يابني ؛ تبادلوا تحابوا ، وإن بني الأم يختلفون فكيف بنو العسلات ؟ إن البر ينسأ في الآجل ، ويزيد في العدد ، وإن القطيعة تورث القلة ، وتعقب النار بعد المال ، واتقوا زلة اللسان ، فإن الرجل نزل رجله فينتعش ، ويزل لسانه فيهلك وهذه الحكمة الأخيرة هي نثر للبيت الشعري المعروف :

يموت الفتي من عثرة بلسانه

            وليس بموت المرء من عثرة الرجل

فإذا أقبلنا على العصر العباسي رأينا " عبد الملك ابن صالح بن على بن عبد الله بن عباس " وهو من العباسيين في مقام القيادة والسيادة ، ينصح ابنه في رسالة أبوية جليلة يقول فيها : " احلم ؛ فإن من حلم ساد ، ومن تفهم ازداد ، والق أهل الخير ؛ فإن لقاءهم عمارة للقلوب . والصبر على الكروه يعصم القلب ، والمزاح يورث الضغائن ، وحسن التدبير مع الكفاف خير من الكثير مع الإسراف ، والاقتصاد يثمر القليل ، والإسراف يبير الكثير . . والعفة مع الحرفة خير من الغني مع الفجور " . .

ونلاحظ هنا أن الحكمة الأخيرة في هذا النص قد

جاءت بألفاظها في رسالة الإمام على بن أبي طالب إلى ولده محمد بن الحنفية عليهما السلام .

وإذا كان الأستاذ أحمد أمين قد أشار في كلمة من مقدمة كتابه إلى نصيحة "لقمان" لابنه التي جاء ذكرها في القرآن الكريم ، فإن نص هذه الرسالة الأبوية الحكيمة قد ذكرته كتب الأدب والأخبار بطرق مختلفة . على أن بين أيدينا نصا لهذه الرسالة ذكره صاحب "العقد الفريد " وهي على وجازتها تثير في النفس أسئلة كثيرة عن شخصية لقمان ولغة رسالته ، أكانت العربية أم كانت أختا من أخواتها السامية ، وعن كيفية وصول هذه الرسالة إلى الأدب العربي .

وأغلب ما قرأناه من رسائل الآباء إلى الأبناء في الأدب العربي مكتوب بلغة النثر العالية التي قصد كاتبوها إلى التأنق فيها ، وكانت تتبع روح كل عصر وطريقته في الكتابة ، فلم تخل من سجع في عصور السجع ، ولم تخل من ترسل في عصر الترسل ، كرسائل الأحمدين : أحمد حافظ عوض ، وأحمد أمين . أما النصائح الأبوية الشعرية فلعل وصية " ابن سعيد " لولده " على " لم تكن ، أو لم يقدر لها أن تكون ، وحيدة في الأدب العربي ؟ فإن وصية " عبد الله فكري باشا " الشعرية أولى أن يشار إليها في هذا المقام ، وهي تلك الوصية التى يقول منها الوالد الشاعر لولده :

إذا نام غرق دجي الليل فاسهر

             وقم للمعالي والعوالى وشمر

وخل أحاديث الأماني ، فإنها

             علالة نفس العاجز المتحير

وتزيد أبياتها على العشرين بيتا .

وبعد ، فهذه خطرات ومذاكرات ومراجعات أثارتها في نفس قراءة كتاب " إلى ولدي " للدكتور أحمد بك أمين ، جعل الله من أولاده جميعا قرة عين له ، وامتع الأدب دائما بإنتاجه الخصيب .

اشترك في نشرتنا البريدية