إذا ما تجمع لدى الباحثين قدر مناسب من الحقائق فى ناحية من النواحي العلمية , فالخطوة التالية تكون محاولة إيجاد قاعدة عامة تربط هذه الحقائق جميعها , وقد تتفق هذه القاعدة أولاتتفق مع الاعتبارات المقررة . ولا يكفى أن تفسر هذه القاعدة الحقائق المعروفة , ،بل لابد أن تتفق مع كل ما يكشف منها ؛ فهى على ذلك لا تكون إلا بمثابة افتراض ؛ ويبدا العالم بأن يقول "إن التجارب اثبتت هذه الحقائق , وأرى ان افتراضا معينا يتفق معها جميعها " ثم يستمر هو وأمثاله فى العمل للحصول على بيانات أدق وأوفى مرتبطة بالحقائق الاولى , وكثيرا ما يؤدى ذلك إلى الوصول إلى حقائق جديدة . ويمتحن الاقتراض الاول بمطابقته للمعلومات الجديدة
أما إذا وجد افتراضان متناقضان ,فقد يكون ممكنا أن تتبين الصحيح منهما, فإذا أمكننا أن نبين أن ظاهرة ( س) تحدث إذا كان الفرض الأول صحيحا ,ولا تحدث إذا كان الفرض الثاني صحيحا , فبإجراء تجربة لمشاهدة الظاهرة "س"يثبت أحد الافتراضين
هذه التجربة كغيرها : هى فى الواقع توجيه سؤال للطبيعة وهو ": هل يستقيم الفرض الأول "..؟ وهي تجيب بأن ترينا اما ظاهرة مناقضة للفرض أو متفقة معه ولكنها لا تستطيع مطلقا ان تريناظاهرة تثبت صحة هذا الفرض , لان ظاهرة واحدة تكفي لتهدم فرضا معينا بينما لا تكفي ملايين الظواهر لاثباته ولهذا السبب لا يستطيع العالم ان يجزم بمعرفته أى شىء على وجه التأكيد : اللهم إلا الحقائق المباشرة للمشاهدات . وإذا تعدى هذا فلا يستطيع التقدم إلا بافتراضات متعاقبة تحظى الواحدة منها باتفاقها مع حقائق أكثر من سابقتها وتتخلى كل منها لمن تتبعها ؛ وفى الواقع لن يأتى وقت الانتقال من الافتراضات إلى التأكيدات
الآن وقد ناقشنا أبسط مثل لاستفسار الطبيعة يجدر بنا أن نشير إلى بعض الصعوبات , فليس من الممكن دائما ان تضع سؤالا يكون جوابه " الايجاب " أو " النفي " فقط , فكثيرا ما تنشأ مسائل أكثر صعوبة عند مايخدع فرض وهمى من يقوم بتجربة ، أو يحاول الحصول على جواب لسؤال غير معقول فاذا أمكنه بطريقة ما ان يجري تجربته فان نتيجتها تكون غير مفهومة كما كان السؤال بالنسبة للطبيعة
ولنضرب لذلك مثلا , فنتصور عددا من الرجال مجهزين بأدق الأجهزة , ولكن ينقصهم الادراك العلمى , فاذا رأوا مثلا "قوس قزح " فى السماء ورغبوا فى معرفة بعده عنهم , وبدأوا يعتبرونه كمنظر عادى بسيط فكونوا فرقة من المساحين لتعيين بعده, فمن القياسات المأخوذة بادق الاجهزة تظهر نتيجة واحدة لا خلاف فيها , وهى أن المسافة " ناقص ٩٣ مليون ميل "
وظاهر أن من السخف بمكان أن تقاس مسافة بالسالب , وأسخن منه هذا التقدير الكبير لها ، اذ ان القوس قد يظهر بيننا وبين جبل معين مثلا وبعده لايداني هذه المسافة بحال . اما اذا غير وضع السؤال بان قلنا " ما المسافة التي يبعدها مصدر الضوء الذى نراه فى القوس امامنا "؟ راينا الجواب " ناقص ٩٣ مليون ميل " محملا بالمعانى . فالعلامة السالبة تدلنا على أن مصدر الضوء لا يقع أمامنا بل خلفنا ، ومن بعده نستنتج أن هذا المصدر ليس إلا الشمس بعينها
وفي الواقع أن وضع سؤال معقول أصعب كثيراً من الحصول على جواب لسؤال غير معقول , ولنضرب مثلا ينقلنا من هذا التعميم وصعوبته بالفلك والنظرية النسبية :
جمع الإغريق والمصريون عددا كبيرا من الحقائق المتعلقة بالحركة الظاهرية للشمس والقمر والكواكب ,وحوالي عام ١٥٠ من الميلاد حاول بطليموس عالم الاسكندرية وضع يفسر هذه الحركات جميعها وقد تصور الأرض مركزا لهذه المجموعة تدور الشمس والقمر والكواكب حولها مخالفا بذلك ارسطاطاليس واتباع فيثاغورث,فالشمس والقمر يتحرك كل منهما في دائرة ,بينما الكواكب تتحرك في مسارات معقدة. ولم تكشف حقائق جديدة لاختبار هذا الفرض حتى وضع
" كوبرنيكس " فى سنة ١٥٤٣ فرضا آخر اتضح أنه يفسر الحقائق السالفة الذكر بطريقة أبسط , فاعتبر الشمس لا الارض - مركزا للمجموعة الشمسية بينما الأرض والقمر والكواكب تسير فى دوائر حولها , ولكن لا زالت حركة الكواكب معقدة بعض الشىء بالحركة فى دوائر ثانوية
وعلى ذلك ظهر افتراضان فى المحيط العلمى ؛ وقد حاول " كوبرنيكس " الفصل بينهما .فاذا كان فرض " بطليموس " صحيحا فان كوكب " الزهرة " لا يرى أقل من نصف دائرة ضوئية . ومن الناحية الأخرى إذا دار هذا الكوكب حول الشمس وجب ان نرى له اوجها كاوجه القمر . وقد مكننا التلسكوب الذى استكشف فى سنة ١٦٠٩ من توجيه سؤالنا الى الطبيعة لتفصل بين الفرضين . وبمجرد أن رأى " جاليليو " كوكب الزهرة يظهر على شكل قوس دقيق تأكد أن فرض بطليموس لا يستقيم
ولم يثبت هذا بالطبع فرض "كوبرنيكس"ولكن تجمعت حقائق جديدة على جانب كبير من الدقة جعلت الشك يحوم حول هذا الفرض .ونخص بالذكر من بين هذه الحقائق ما لاحظه "كيلر " من أن حركة المريخ التي درسها في شيء من التفصيل لا تتفق مع فرض "كوبرنيكس " وقد جعله هذا يعرض فرضا جديدا , وهو أن لا تدور حول الشمس في دوائر ودوائر صغيرة حول محيطها ,ولكن في أقطاع ناقصة تكون الشمس بؤرتها المشتركة .وقد ظل هذا الفرض متفقا مع كل الحقائق الفكية لمدة طويلة
وقد حاول " نيوتن بعد هذا بنصف قرن ان يجمع هذه الحقائق وغيرها تحت فرض أوسع , فتصور أن كل جسم فى الكون يجذب غيره بقوة الجاذبية ، وهذه تتغير عكسيا مع مربع المسافة بين الجسمين وفرص انا الكواكب تتحرك تحت تأثير هذه القوى فقط , تم بين ان هذا الفرض يفسر سير الكواكب فى اقطاع ناقصة , وكذلك يفسر كمية كبيرة من الحقائق والظواهر منها حركة القمر حول لارض وحركة كرة الكريكيت فى قطع مكافىء عند قذفها . حتى المد والجزر فسره هذا الفرض وأخيرا وجدانه يفسر حركة المذنبات هذه التى كانت تعتبر دلائل
مخيفة ومجهولة تخشى لأنها علامة الشر أو الغضب السماوى أصبحت لا ترى إلا ككتل جامدة ترسم مسارها حول الشمس تحت تأثير نفس القوى التى تعمل فى الكواكب
ثم استمرت بعد ذلك الحقائق والبيانات تتري وكلها متفقة مع نظرية نيوتن حتى منتصف القرن التاسع عشرحيث وجد الفلكي "لفرييه " شذوذا فى حركة عطارد , فان فرض نيوتن يتطلب أن يعيد الكوكب مساره دائما حول الشمس فى نفس القطع الناقص كما تدور لعب الاطفال الآلية فى نفس المسار مرات مستمرة , بينما وجد " لفرييه " ان كوكب عطارد يتحرك فى قطع ناقص ولكن هذا القطع نفسه متحرك فى الفراغ ويتم دورته فى نحو .ثلاثة ملايين من السنين , فكأنما المسار الذى تجرى فيه هذه اللعبة موضوع على مائدة متحركة تدور حول محورها ببطء بينما تجرى هى بسرعة فى مسارها
ويمضى الزمن عرض" اينشتين " فرضاً جديداً هو النظرية النسبية , وهذه لم تفسر الظواهر التى فرضتها نظرية الجاذبية لنيوتن-فحسب , بل وضحت حركة " عطارد"توضيحا دقيقا وفسرت كذلك عددا كبيرا من الحقائق العلمية الأخرى
وقد أمكن عمل تجارب ومشاهدات فاصلة بين النظريتين النظرية الحديثة " لانشتين " .والنظرية القديمة لنيوتن , وفى كل هذه التجارب والمشاهدات قضت الطبيعة على نظرية الجاذبية وعززت النظرية النسبية وقداجريت تجارب اخرى لتفصل فى النظريات السائدة فى هذا العصركالنظرية القائلة بان الضوء ينتقل كموجات فى الأثير الذى يملأ كل شىء , وأن القوى الكهربائية والمغناطيسية تنتقل كضغط وشد فى هذا الأثير , وفى هذه أيضا انجازت الطبيعة للنظرية النسبية . وقداصبحت النظرية النسبية الآن تفسر مجموعة هائلة من الظواهر الطبيعية ولم تظهر بعد حقيقة واحدة لا تتفق معها .
إن الفرص العام للمعلم هو ان يسير إلى مثل هذه النظريات ويصل اليها ولانستطيع مطلقا ان نعتبر نظرية ما نهائية أوحقيقة مطلقة , اذ من المحتمل ان تظهر حقيقة جديدة فى وقت ما ترغمنا على هذه النظرية وقد يحدث ذلك للنظرية النسبية ولو أنه بعيد الاحتمال . وإذا ما حدث ذلك رغم استبعاده فان الوقت الذى انفق فى تكوينها
لم يضع سدى , بل سيكون تدرجا إلى نظرية أوسع وأكمل تتفق مع عدد أكبر من الظواهر الطبيعية . من ذلك يظهر العلم المرجل العادى متغيرا دائم التغير دائرا حول نفسه مخالفا لنطرياته الاولى , ولكن العالم يراه دائم التقدم يرقى من نظرية الى أخرى , تحظى كل نظرية منها باتفاقها مع حقائق تزيد على التى أزاحتها ، ورائده الوصول إلى هدفه الاسمى وهو النظرية التى تفسر ظواهر الطبيعةكاملة

