انصرف الأستاذ محمود بك تيمور منذ عامين أو أكثر إلي تأليف القصص المسرحية حتى أربي ما كتبه منها على العشر ، ولكنه لم يهجر فن الأقصوصة الذي يعتبر من واضعي أسسه وموضحي نهجه . وقد طالعنا مغتبطين المجموعة الجديدة من الأقاصيص التي نشرها بعنوان " بنت الشيطان " وصدرها ببحث في " أثر القصة في تربية الشعب " تناول فيه فن القصة من حيث قدرته على توجيه الشعب إلي نواح خاصة في الحياة .
وقد أصاب حين قال في هذا البحث إن القصة من خير الوسائل لهداية النفوس ونصرة مكارم الأخلاق . ولكن لنا أن نتساءل : أليس من التضييق على فن القصة أن نخضعه للأغراض النهذيبية والاجتماعية ؟ ؟ ؟ فلم يعرض الأستاذ تيمور لهذا السؤال في شكل صريح ، ولكنه تناول مهمة القاص من ناحية التعبير الصادق عن إحساس الفنان في سمو . . فقال : " إن القاص الموهوب بحسه المرهف ويقظته الحادة في الشعور بأدق الخلجات التي تسري في المجتمع ، قادر على أن يقتنص الخفي العميق الكامن في واعية الجمهور فلا يلبث أن يعبر عنه ، فهو يتأثر بالمجتمع الذي يعيش فيه فيترجم هذا التأثر - قبل أن يحس به سواء - في عمل قصصي . . "
إن هذه النظريات الصحيحة في نفسها لا تجعل على الفن واجبا أخلاقيا يتعارض مع الحرية التي يجب أن تسوده وأن يتمتع بها الفنان ؛ لأن الصدق لا يستقيم إلا إذا دعمته الحرية
ولعله يسود موقف القاص الصري من الحياة الاجتماعية الراهنة عوامل قد تحول دون تمثيل هذه الحياة في فنه أهمها الاضطراب الذي يساور حياة القاص العقلية وسط مختلف التيارات الأدبية والاجتماعية التي تتجذبه وبالرغم
من هذا الاضطراب فإننا نلاحظ أن بعض القصاصين - وفي طليعتهم الأستاذ محمود تيمور بك - استطاعوا أن يمثلوا بعض نواحي الحياة المصرية ، وأن ينفذوا إلى صميم الروح المصرية .
أما أقاصيص مجموعة بنت الشيطان فثمان ، وهي جميعها تحمل طابع أدب مؤلفها الفاضل : اتزان في العرض واقتضاب في الوصف ، وتبسط في الأسلوب وحذق في بناء الحبكة . . إلي غير ذلك من المزايا الأدبية التي يعرف بها أدب الأستاذ تيمور .
وأول أقصوصة تطالع القارئ في المجموعة هي " بنت الشيطان " . وقد قيل في وصفها إنها " أسطورة " وهي من نوع القصص الفلسفي الذي يمزج بين التفكير البدائي والفن الحديث ، والذي يراد منه الكشف عن طبيعة الإنسان وغرائزه وعن علاقة هذه الغرائز بتلك الطبيعة بحيث لا تنفصم عنها . .
شاء الشيطان مرة أن يثبت أنه " أهل لغير الشر " فابتدع فكرة " خلق إنسانة لا تعرف الشر ولا الألم ، تحيا في هناءة دائمة وطهر أصيل . . ومن ثم يمكنه أن ينشئ على غرارها عالما نموذجيا لم تحلم بوجوده البشرية " وللوصول إلى هذه الغاية ابتني قصرا مسحورا وجاء بطفلة في ساعة ميلادها وأقام على خدمتها وتعليمها والعناية بها مهرة من الجن أوصاهم بما يحقق أغراضه ، فأنشأوا حولها جوا من الغبطة والصفاء . وكانوا يلقنونها دروس الحكمة وأدب السلوك وأصول الاجتماع وفق برنامج يبعد عنها الشر والإحساس بالألم . ولكن " زبرجد " وكان أميرا مغامرا توسل إلي دخول القصر المسحور والتسلل إلي مخدع " أزاهير " ، وهو اسم الفتاة ، وتحدثت الفتاة إلي الأمير فعلمت منه أشياء كانت تجهلها ، ثم حملها ذات ليلة إلى عالمه . . وفي الليلة التالية أفلتت من القصر هاربة إلي العالم الإنساني الذي لمحته مرة . وهكذا تغلبت طبيعة الإنسان بما فيها من فضول إلى المعرفة ، ومن غرانز تدفع بصاحبها إلي الحياة الصاخبة . حياة تمتزج فيها اللذة والألم
والمعرفة بالجهل والحب بالبغض . . تغلبت هذه الطبيعة على حياة مفتعلة تحاول تطهير تلك الغرائز والسمو بها فوق طبيعة البشر وطاقتهم .
ويطالع القارئ بعد " بنت الشيطان " أقاصيض أخري ، بينها ما يمتاز بالخيال "الرومانسي" مثل "خصام" و " الجنتلمان ، و " ليلة العرس " ومنها ما يرسم صورة أخلاقية تختلف بين الواقعية والوجدانية ، مثل رقم 2" أو " قدح ماء وليمونة" إلى غير ذلك مما يتبينه مطالع المجموعة ، وسيتبين المطالع كذلك أدبا قصصيا رفيعا ، وأسلوبا فنيا طيبا ، وروحا إنسانية عالية ، ونماذج بشرية صميمة ولا عجب فإن فن الأستاذ تيمور يجتمع فيه كل هذه الميزات الجديرة بالإعجاب والحمد والثناء

