يروي أنه لما تواترت الأخبار علي الإمام على بن أبي طالب باستيلاء اصحاب معاوية على البلاد بعد وقعة صفين ، قام على المنبر ضجرا يتثاقل أصحابه من الجهاد ومخالفتهم له في الرأي ، فخطب الناس خطبة قوية جاءت فيها هذه العبارة :
" أما والله لوددت أن لي بكم ألف فارس من بني فراس ابن غنم ، وهذا العدد الذي تمناه الإمام على قليل جدا بالنسبة إلى جيشه الذي بلغ في وقعة صفين خمسين الف مقاتل على اقل تقدير . فمن بنو فراس هؤلاء ، الذين يعدل الرجل الواحد منهم خمسين رجلا من أصحاب الإمام ؟
قال ابن أبي الحديد في شرحه علي كتاب نهج البلاغة " قال القطب الراوندي : بنو فراس بن غنم هم الروم " ويخطئ ابن أبي الحديد بحق هذا التفسير ويقول :
الصحيح أنهم بنو فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة ، حي مشهور بالشجاعة ، منهم علقمة بن فراس وهو جذل الطعان ؛ ومنهم ربيعة بن مكدم حامى الظعن حيا وميتا ، ولم يحم الحريم وهو ميت احد غيره . عرض له فرسان من بني سليم ومعه ظعائن من أهله يحميهم وحده ، فطاعنهم ، فرماه احدهم بسهم اصاب قلبه ، فنصب رمحه في الأرض واعتمد عليه وهو ثابت في سرجه لم يزل ولم يمل ، واشار إلي الظعائن بالرواح ، فسرن حتى بلغن بيوت الحي ، وبنو سليم قيام إزاءه لا يقدمون عليه ويظنونه حيا ، حتى قال قائل منهم إنى لا أراه إلا ميتا ولو كان حيا لتحرك ؛ إنه والله لمائل رائب على هيئة واحدة لا يرفع يده ولا يحرك رأسه ، فلم يقدم أحد على الدنو منه حتى رموا فرسه بسهم فشب من تحته ، فوقع وهو ميت وفاتتهم الظعائن
ومما يجري مجري الموازنة بين بني فراس ومن ليسوا ببني فراس ، ما يروي من أن المنصور بن أبي عامر الأندلسي كان في غزاة له فوقف على نشز من الأرض فرأي جيوشه قد ملأوا السهل والجبل ، فأعجبه ذلك ، والتفت إلي مقدم العسكر ، ويعرف بابن المصحفى ، وجري بينهما هذا الحوار : المنصور - لا يعجزنا ان يكون في هذا الحبش ألف مقاتل من أهل الشجاعة والبسالة ؟ ابن المصحفى - يطرق ساكنا
المنصور -وماسكوتك أليس في هذه الجيوش ألف مقاتل ؟ ابن المصحفي - لا ! المنصور ) متعجبا ( - أليس فيهم خمسمائة رجل من الأبطال المعدودين ؟ ابن المصحفى - لا ! المنصور ) مغضبا ( - أفيهم مائة رجل من الأبطال ؟ ابن المصحفى - لا ! المنصور - أفيهم خمسون من الأبطال ؟ ابن المصحفى - لا !
عند ذلك استشاط المنصور غضبا وأمر بمقدم العسكر فأخرج على أقبح صفة
فلما توسطوا بلاد العدو وتصاف الجمعان ، برز علج من صفوف الأعداء شاك في سلاحه ، يكر ويفر وهو ينادي :
هل من مبارز ؟ فيبرز إليه رجل من المسلمين ، فتجاولا ساعة فقتله العلج . ففرح الأعداء وصاحوا واضطرب لها المسلمون . ثم جعل العلج يمرح بين الصفين وينادي : هل من مبارز ؟ اثنين لواحد ! فبرز إليه رجل من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله العلج ) وجعل يكر ويحمل وينادي : هل من مبارز ؟ ثلاثة لواحد ! فبرز إليه رجل فقتله العلج ، فصاح المشر كون وذل المسلمون ، وكادت تكون كسرة .
فقيل للمنصور ، ما لها غير ابن المصحفي ! فبعث إليه ،
فحضر فقال له المنصور : ألا تري ما يصنع هذا العلج الكلب منذ اليوم ؟ قال بعينى جميع ماجري ؟ قال فما الحيلة فيه ؟ قال وما الذي تريد ؟ قال ان تكفي المسلمين شره قال ، نعم ، الآن !
ثم قصد ابن المصحفى إلي رجال يعرفهم ، فاستقبله رجل من أهل الثغور علي فرس قد تشزت اوراكها هزالا وهو يحمل قربة ماء بين يديه على الفرس . فقال له ابن المصحفى
ألا تري ما يصنع هذا العلج منذ اليوم ؟ قال : قد رأيته ! فماذا ترى فيه ؟ قال : أريد رأسه الآن ! قال : نعم
فحمل الرجل القربة إلى رحله ولبس لأمة حربه وبرز إليه ، فتجاولا ساعة ، فلم ير الناس إلا المسلم خارجا يركض ولا يدرون ما هنالك ، وإذا الرجل يحمل رأس العلج . فألقي الرأس بين يدي المنصور .
عند ذلك قال ابن المصحفى للمنصور عن هذا الرجل أخبرتك أنه ليس في عسكرك من مثله الف ، ولا خمسمائة ، ولا خمسون ، ولا عشرون ، ولا عشرة . فرده المنصور إلي منزلته وأكرمه .
وبعد ، فيقال إن عدة المسلمين في جميع انحاء العالم تبلغ اليوم زهاء ثلاثمائة مليون من الأنفس تري كم فيهم من يشبه بني فراس ويشبه هذا الفارس الاندلسي المغوار ؟ لسنا نجيب عن هذا السؤال الدقيق . ولكنا ،
ونحن في مستهل عام هجري جديد ، نبتهل إلي المولي عز وجل ان يكثر فيهم امثالهم ، أو ان يجعلهم جميعا على شا كلة بني فراس ، وما ذلك عليه سبحانه بعزيز
