الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 312 الرجوع إلى "الثقافة"

بنو فراس بن غنم

Share

يروي أنه لما تواترت الأخبار علي الإمام على بن أبي طالب باستيلاء اصحاب معاوية على البلاد بعد وقعة صفين ، قام على المنبر ضجرا يتثاقل أصحابه من الجهاد ومخالفتهم له في الرأي ، فخطب الناس خطبة قوية جاءت فيها هذه العبارة :

" أما والله لوددت أن لي بكم ألف فارس من بني فراس ابن غنم ، وهذا العدد الذي تمناه الإمام على قليل جدا بالنسبة إلى جيشه الذي بلغ في وقعة صفين خمسين الف مقاتل على اقل تقدير . فمن بنو فراس هؤلاء ، الذين يعدل الرجل الواحد منهم خمسين رجلا من أصحاب الإمام ؟

قال ابن أبي الحديد في شرحه علي كتاب نهج البلاغة " قال القطب الراوندي : بنو فراس بن غنم هم الروم " ويخطئ ابن أبي الحديد بحق هذا التفسير ويقول :

الصحيح أنهم بنو فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة ، حي مشهور بالشجاعة ، منهم علقمة بن فراس وهو جذل الطعان ؛ ومنهم ربيعة بن مكدم حامى الظعن حيا وميتا ، ولم يحم الحريم وهو ميت احد غيره .  عرض له فرسان من بني سليم ومعه ظعائن من أهله يحميهم وحده ، فطاعنهم ، فرماه احدهم بسهم اصاب قلبه ، فنصب رمحه في الأرض واعتمد عليه وهو ثابت في سرجه لم يزل ولم يمل ، واشار إلي الظعائن بالرواح ، فسرن حتى بلغن بيوت الحي ، وبنو سليم قيام إزاءه لا يقدمون عليه ويظنونه حيا ، حتى قال قائل منهم إنى لا أراه إلا ميتا ولو كان حيا لتحرك ؛ إنه والله لمائل رائب على هيئة واحدة لا يرفع يده ولا يحرك رأسه ، فلم يقدم أحد على الدنو منه حتى رموا فرسه بسهم فشب من تحته ، فوقع وهو ميت وفاتتهم الظعائن

ومما يجري مجري الموازنة بين بني فراس ومن ليسوا ببني فراس ، ما يروي من أن المنصور بن أبي عامر الأندلسي كان في غزاة له فوقف على نشز من الأرض فرأي جيوشه قد ملأوا السهل والجبل ، فأعجبه ذلك ، والتفت إلي مقدم العسكر ، ويعرف بابن المصحفى ، وجري بينهما هذا الحوار : المنصور - لا يعجزنا ان يكون في هذا الحبش ألف مقاتل من أهل الشجاعة والبسالة ؟ ابن المصحفى - يطرق ساكنا

المنصور -وماسكوتك أليس في هذه الجيوش ألف مقاتل ؟ ابن المصحفي - لا ! المنصور ) متعجبا ( - أليس فيهم خمسمائة رجل من الأبطال المعدودين ؟ ابن المصحفى - لا ! المنصور ) مغضبا ( - أفيهم مائة رجل من الأبطال ؟ ابن المصحفى - لا ! المنصور - أفيهم خمسون من الأبطال ؟ ابن المصحفى - لا !

عند ذلك استشاط المنصور غضبا وأمر بمقدم العسكر فأخرج على أقبح صفة

فلما توسطوا بلاد العدو وتصاف الجمعان ، برز علج من صفوف الأعداء شاك في سلاحه ، يكر ويفر وهو ينادي :

هل من مبارز ؟ فيبرز إليه رجل من المسلمين ، فتجاولا ساعة فقتله العلج . ففرح الأعداء وصاحوا واضطرب لها المسلمون . ثم جعل العلج يمرح بين الصفين وينادي : هل من مبارز ؟ اثنين لواحد ! فبرز إليه رجل من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله العلج ) وجعل يكر ويحمل وينادي : هل من مبارز ؟ ثلاثة لواحد !  فبرز إليه رجل فقتله العلج ، فصاح المشر كون وذل المسلمون ، وكادت تكون كسرة .

فقيل للمنصور ، ما لها غير ابن المصحفي ! فبعث إليه ،

فحضر فقال له المنصور : ألا تري ما يصنع هذا العلج الكلب منذ اليوم ؟ قال بعينى جميع ماجري ؟ قال فما الحيلة فيه ؟ قال وما الذي تريد ؟ قال ان تكفي المسلمين شره قال ، نعم ، الآن !

ثم قصد ابن المصحفى إلي رجال يعرفهم ، فاستقبله رجل من أهل الثغور علي فرس قد تشزت اوراكها هزالا وهو يحمل قربة ماء بين يديه على الفرس . فقال له ابن المصحفى

ألا تري ما يصنع هذا العلج منذ اليوم ؟ قال : قد رأيته ! فماذا ترى فيه ؟ قال : أريد رأسه الآن ! قال : نعم

فحمل الرجل القربة إلى رحله ولبس لأمة حربه وبرز إليه ، فتجاولا ساعة ، فلم ير الناس إلا المسلم خارجا يركض ولا يدرون ما هنالك ، وإذا الرجل يحمل رأس العلج . فألقي الرأس بين يدي المنصور .

عند ذلك قال ابن المصحفى للمنصور عن هذا الرجل أخبرتك أنه ليس في عسكرك من مثله الف ، ولا خمسمائة ، ولا خمسون ، ولا عشرون ، ولا عشرة . فرده المنصور إلي منزلته وأكرمه .

وبعد ، فيقال إن عدة المسلمين في جميع انحاء العالم تبلغ اليوم زهاء ثلاثمائة مليون من الأنفس تري كم فيهم من يشبه بني فراس ويشبه هذا الفارس الاندلسي المغوار ؟ لسنا نجيب عن هذا السؤال الدقيق . ولكنا ،

ونحن في مستهل عام هجري جديد ، نبتهل إلي المولي عز وجل ان يكثر فيهم امثالهم ، أو ان يجعلهم جميعا على شا كلة  بني فراس ، وما ذلك عليه سبحانه بعزيز

اشترك في نشرتنا البريدية