يغمض كثيرون منا أعينهم عن نهضتنا الثقافية ، وينكرون شواهد نموها وتقدمها . بل يذهب غيرهم إلي أبعد من هذا فيزعمون أننا نعود إلي الوراء القهقري ، وحالنا تسوء يوما بعد يوم . فالتعليم عندنا في تدهور ، والثقافة العامة لا تلقي ما كانت تلقاه في اهتمام ، والأخلاق في انحلال متلاحق . قصر في نظر أولئك المتشائمين تسير إلى الهاوية ، ولا أمل في إنقاذها . ونحن نحسب أن مثل هذا التشاؤم وليد العاطفة الجامحة التي لا تنفك تبتعد بصاحبها عن الواقع ، فالذي يضيق بالحاضر يدفعه ضيقه به إلى إنكار حسناته وتجسيم سيئاته ، ويجد من حنين المتقدمين في السن إلى ماضيهم ، وتصويره في صورة لامعة ما يحمله على الوثوق من أن الماضي كان خيرا من الحاضر ، وأن الأجيال التي طواها الزمن خلقت من طينة غير طينة جيله ، وان التدهور الخلقي والفكري من خصائص زمانه دون غيره . ولكنه لو رجع إلى نقد الكتاب والشعراء السابقين لمجتمعاتهم لأدرك أن كل جيل كان يحسن الظن بمن سبقوه ويحسب الشر وفقا على أهل زمانه دون غيرهم . والذي يريد أن يتبين الواقع على حقيقته عليه أن يرجع إلى التاريخ وبتتبع تطور الإنسانية خلاله . وليس تتبع خطوات التاريخ وسيلة معرفة الماضي فحسب ، ولكنه كذلك وسيلة معرفة الحاضر معرفة صحيحة . ولعل فهم الحاضر واستنتاج المستقبل على هدى الاتجاهات التاريخية هما الغاية التي يتوخاها الدارس المستنير للتاريخ ؛ ومن البديهيات التي لا يطمس معالمها إلا غبار الأهواء الجامحة أن الإنسان أيام همجيته الأولى كان في جريه وراء قوته ماكرا غدارا مفترسا ، لا يفترق عن سائر الضواري المفترسة ، وأنه اليوم يختلف عن الهمحية القديمة كل الاختلاف . وقد يقال إن تلك الهمجية الأولى ظلت تبدو في صور مختلفة علي تعاقب الدهور ، فكانت تتجلي أثناء العصور القبلية في سطو
بعض القبائل على بعض . وحين اهتدى الناس إلى الزراعة تبدت في الصراع حول اغتصاب الأراضى الممتازة ، وتملك الرقاب ، وإرغام العبيد على استثمار الأراضى المغتصبة ، وظلت الحال كذلك حين انقلب الرق إلي السخرة في عهد الإقطاع . ولم يقض تنور الإنسان على همجيته يوم أخذ يعتنق العقائد الدينية والمثل الأخلاقية ، بل انتهي به تعصبه لعقائده ومثله إلى تلك الحروب المذهبية الوحشية التى عرفتها القرون الوسطى . وسخر الملوك والأمراء شعوبهم يوم ازدهرت الدول في سبيل غزو الشعوب الضعيفة واستعمارها واستغلال مواردها . وفي العصر الحاضر الذي ازدهرت فيه الحضارة ظل الإنسان على عهده القديم في صراعه الرهيب حول المادة ، وحول السطوة والنفوذ . . هذا ما يقوله المتشائمون ، ولكن الحكم المعتدل يدرك أن همجية الإنسان ظلت تفقد حدتها على تعاقب العصور . وأن نفور الشعوب من الحروب أخذ يشتد في الأيام الأخيرة ، وتتجلي شواهده للعيان . وان مذهب تنازع البقاء ، أو تنازع الأفراد في سبيل المادة والنفوذ أخذ يندثر ومحل محله فكرة التعاون في سبيل تحسين حال المجتمع . فالمدنية الحاضرة توشك أن تؤتي ثمرتها ، رغم تلبد جو السياسة العالمية بالغيوم ، ورغم تشاؤم المتشائمين . فما يوم بلوغ الشعوب رشدها ببعيد .
ومما زاد تشاؤم المتشائمين أن فلاسفة القرن السابع عشر شنوا حربا شعواء على الجهل الذي كان محنيا علي أوربا حينذاك وفضحوا الوسائل التى لجأ إليها رجال الكنيسة للتسلط على الناس ، فسخروا من المعتقدات الزائفة ، ومن الخرافات التي غمت على العقول ، وطمست معالم الواقع ، وأعجزت الناس عن إدراك الحقائق . وبشروا العالم بأن سيادة العقل ، وتغلب العلم على الجهل ، سيكفل البشرية سعادتها المنشودة . وقد تخلصت عقول المستنيرين من شوائب
الجهل ، وازدهر العلم ازدهارا غير متوقع ، ولكن السعادة المرتقبة لم تتوفر للإنسانية كما تنبأ فلاسفة الاستنارة . ذلك لأن تقدم العقل البشري استتبع تقدم الصناعة متأثرا بها ومؤثرا فيها ، فاتسع المجال لمنافسة الأفراد في سبيل المال والجاه ، ولم يقف الموفقون عند حد في تكديسهم المال ، فاختل توازن الثروة ، فقال منها فريق فوق حاجته أضعافا ، وعجز فريق عن نبل الكفاف منها . وهكذا أخفق العلم في المراحل الأولى لتقدمه ، في تحقيق ما علق عليه المفكرون من آمال . ومرجع ذلك ان الشعوب لم تكن قد حصلت على القسط الكافي من الاستنارة . على أن بشائر سعادة الإنسانية قد بدأت تظهر في الأفق البعيد كما قلنا ، فإن الحكومات الغربية أخذت تحد من استغلال الناس للناس بما تسن من قوانين ، وبما تفرض من ضرائب تصاعدية ، وأخذت شعوبها تدرك أن التعاون في سبيل تحقيق الغابات أجدى من التنافس الفردي المقيت .
ونعود الآن إلى ما بدأناه فنقول إن نهضتنا الحضارية لا تحتاج إلى تمحيص لنظهر على حقيقتها ، فهي تجابه المتطلع إليها لأول وهلة ، ومن أول نظرة ، ذلك بأن مظهرها أوضح من مخبرها ، وسابق عليه في التقدم . وإن إلمامة يسيرة بالتاريخ تكشف الفرق الواضح بين ما كنا عليه منذ قرن ونصف قرن من الزمان ، وما نحن عليه الآن . فأما من حيث المظهر الحضاري فكانت مدن مصر الكبرى في القرن الثامن عشر أشبه بقري الريف . فالطرق فيها ضيقة ملتوية متربة لم تكد تتجاوز أصابع اليد ، ودور السكني على الأغلب قصيرة متضعة قبيحة داكنة مما تراكم عليها من غبار وأقذار . . والتجارة لم تكد تتناول غير العطور والتوابل والأقمشة الرخيصة ، والسلاح الأبيض العتيق ، وأصداف الزينة التافهة ، والمأكولات الشعبية . والصناعة لم تتجاوز الحرف البدوية البدائية ، ودور التعليم والمجتمعات الثقافية لم تكد تتعدي بعض المعاهد الدينية ، والكتاتيب الأولية ، واجتماعات علماء الدين في منازل أئمتهم . وملاهي الشعب لم تكد تتجاوز للقاهي التفسيرة منعقدة الجو بالدخان المتصاعد من قصبات التدخين . وكانت القنوات والخلجان والأراضي الزراعية تخترق تلك المدن وتبادلها الأقذار والحشرات والهوام .
وعلى الرغم من التغير المادي الذي طرأ على مصر في مستهل القرن التاسع عشر علي يد محمد على باشا الكبير وبعض من ولوا عرش مصر من بعده ، فإن مستوي الحياة الدينية لم يرق رقيا فعلا حتى أواخر القرن الماضي ؛ فقد كان سكان المدن المصرية ، رغم إنشاء الصناعات الحربية ، والمتاحف الأثرية والفنية ، ودار الأوبرا ، والقصور الأنيقة ، والفنادق الكبيرة ، ينتقلون من شارع إلي شارع على ظهور الدواب ، ويحتفظون بزيهم القديم ، وبتقاليدهم العنيفة في حياتهم المنزلية ومعاملاتهم اليومية ، وظلت الكتاتيب والمعاهد الدينية عماد النشاط الثقافي رغم وجود المدارس العالمية التي أنشأها محمد على باشا . ولم يرصف من الشوارع إلا ما يدخل في حكم النادر . ولم تعرف المدن حينذاك الجمعيات العلمية والهيئات الثقافية ، والمؤسسات الفنية ذات الأثر الفعال في رفع المستوي الثقافي . أما القرن العشرون فهو الذي شهد خطوات مصر الواسعة في سبيل التقدم المادي حتى لتكاد مسافة التقدم في بحر سنة واحدة من هذه السنين الأخيرة تزيد على أضعاف المسافة التى كانت تتقدمها مصر خلال القرن الماضي في بحر عشرات السنين .
ولا يصعب على من يريد أن يقف على مدى تطور العقلية المصرية في غير المدة التى تحدثنا عنها ، ومدى تأثرها بالرقي المادي الحديث أن يحتد بغيته في دراسة حال قرانا التي لا تزال تشبه مدننا القديمة ، وامتحان عقلية قطانها التي لم تتأثر بنهضتنا الحديثة إلا تأثرا يسيرا لم تطمس معه معالم العقلية الغابرة . .
وهو يستطيع بالمقارنة غير العسيرة أن يدرك في وضوح أن التطور الفكري كان يتابع التطور المادي على كل تلك الأزمان . أما الفرق بين عقلية الجيل الماضي والجيل الحاضر فإننا نحن المخضرمين نستطيع بعد أن خبرنا الجيلين ، أن تثبيته دون لبس ، لقد أتاح ازدهار مدننا لحياتنا الاجتماعية أن تزدهر . ولجامعاتنا ومؤسساتنا الثقافية أن تتكون وتنمو متأثرة بالحالة الاجتماعية الحديثة ومؤثرة فيها فنحن نري اليوم الألسن والأقلام تخوض في بحوث أدبية وعلمية وفنية لم يدر جدودنا عنها شيئا
ونحن نري وهي طليعة شبابنا المثقف للأوضاع المحلية والدولية يكاد ينضج .
وقد يقال إن نهضتنا الحديثة محصورة في دائرة ضيقة ، فهي قائمة على عدد محدود من قطان مدننا الكبرى . والذي يتحدث عنها لا يتحدث إلا عن طبقته أما سواد الشعب فباق على عهده القديم لا يتزحزح عنه .
ونحن نعترض على هذا الرأي من ناحيتيه ، فأما انحصار النهضة في طبقة معينة فهو يثبت وجودها ولا ينفيه . وإن دل على شئ فهو دل على انها في بدايتها ، وهذا ما لا ننكره . وأما عدم تأثر سواد الشعب بها فهو ينافي الواقع ، وكل ما يمكن أن يقال في هذا الصدد ، أن تأثره بها ما زال في مراحله الأولى
نعم إن نهضتنا الثقافية لم ترق إلى مستوي الحضارة المصرية في الدول الكبرى ، ولكننا نعتقد أنها تهيأت خير تهيؤ للوثبة المنشودة ، والأمل معقود على المبرزين من مفكري مصر ليقودوها في طريق التقدم ؛ ومن الأخطاء الشائعة الظن بأن الفرد ، وهو وليد عصره ، ومقيد بمعتقدات ذلك العصر ومثله يتأثر به ولكنه لا يستطيع أن يؤثر فيه ؛ فالفرد مهما تسامت عقليته في نظر اصحاب هذا الظن يتبع جيله ، ولكنه لا يقوده . . هذا الظن مخالف للواقع
فالفرد يخضع للقاعدة العامة التي تقول بالتأثير والتأثر ، والفرد القادر يستطيع أن يقود جيله رغم تقيده بمثل ذلك الجيل ومعتقداته . ويتوقف نجاحه في قيادة جيله على فهم أوضاع عصره وظروفه وملابساته . ويتوقف كذلك على فهم اتجاهاته الفكرية الجديدة ، فهو إذا فهم ذلك فهما صحيحا كان اقدر على تحريره تحويرا يفسح في مجال التقدم للنهضة . ونحن نضرب مثلا لذلك تيسير التعليم الابتدائي والثانوي لأبناء الأمة كافة . فإن هذا العمل ، على الرغم من أنه فردي ، من شأنه أن يدفع بنهضتنا إلى الأمام دفعة لا يدرك مداها إلا بالتأمل العميق . وكذلك نحن نجد بين كتابنا اليوم من استطاع أن يتخلص من قيود الصنعة الجافة ويخرج بكتابته من أوضاعها العتيقة ، ويسمو على المعاني الدارجة التافهة ، ويكشف آفاقا جديدة للفكر . ويحول الأدب من معرض للتنميق والتزويق إلى قوة فعالة تنفث
في المجتمع مشاعر جديدة سامية ، وتوجهه توجيها مثمرا . . إن مثل هذه الكتابة عمل فردي ، ولكن من شأنها كذلك أن تزيد نهضتنا سرعة في سبيل تقدمها .
إن نهضتنا تندفع في طريقها إلي الأمام بفعل الازدهار المادي المطرد وهذا الازدهار يرفع مستوي مجتمعنا الفكري فيعده إعدادا جديدا لدفع نهضتنا خطوة أخرى إلى الأمام . وكل خطوة في سبيل التقدم تحفز الهمة . وتتيح للممتازين منا فرصة جديدة للعمل على سرعة التقدم ، وهكذا نجد الظروف السعيدة مهيأه لركبنا الحضاري الذي يحاول أن يلحق بالحضارة العالمية .

