عاد اسم بولنده يتردد على الألسنة كثيرا في الأيام الأخيرة . وعادت أنباؤها تحتل مكانا واضحا بارزا ، برغم انشغال الخواطر بأنباء الحرب والقتال ، ولم يكن اسم بولنده كثير التردد على الألسنة إلا في أول الحرب في سبتمبر عام ١٩٣٩ ، يوم كانت هي الميدان الرئيسي الذي تصطرع فيه الجحافل ، وتندك الحصون والمعاقل
ولكن ظهور بولنده اليوم في انباء الحرب يختلف اختلافا كثيرا عن ظهورها أول الحرب . فاليوم يبرز اسمها في الميدان السياسي لا الميدان الحربي ، ويتناول الأمر حكومتها القائمة بمدينة لندن ، لا حكومة بولنده القائمة في بولنده نفسها - وهي مع الأسف ليس لها وجود ، بعد ان احتلت الجيوش الالمانية بولنده في الخريف الاول من الحرب
أما النبأ الذي لفت انظار العالم إلي بولنده ، فقد يبدو يسيرا في مظهره ، ولكنه خطير في جوهره . في يوم الأحد ٢٥ من ابريل الماضي ، استدعي وزير روسيا ( مولوتوف ) سفير بولنده في موسكو ، وسلمه مذكرة من حكومة السوفيات تعلن فيها قطع أو وقف العلاقات بين روسيا وبولنده . وتشرح فيها الظروف التي اضطرت حكومة روسيا إلي اتخاذ هذه الخطوة الخطيرة
وقد يبدو هذا النبأ يسير الخطر لمن يظن أن قطع العلاقة بين روسيا ، وبين دولة يحتل العدو أرضها ، ليس بالأمر الذي يحدث تغييرا كبيرا في مجري هذه الحرب ، أو يرجح كفة علي كفة ، ولكن لا يلبث أن يبدو لنا عظيم خطره ، إذا فكرنا في أن هذا الحادث ينطوي على إضعاف الصلة بين دولتين متحالفتين من الدول المتحدة . وان بعض هذه الدول قد يميل إلي وجهة النظر الروسية ، ويميل الآخر إلي الناحية البولندية ، فتنظر برلين بعين الارتياح إلي نجاحها في إيجاد صدع في جبهة الدول المتحدة . ولا شك انها
قد تغلو في تفاؤلها ، فتتصور أن هذا الصدع قد يؤثر تأثيرا شديدا في علاقات هذه الدول ، وبالتالي في مجري الحرب نفسها . وليس هنالك ما يحمل على الظن بأن لهذا التفاؤل ما يبرره .
لقد كنا جميعا نحس منذ أشهر أن العلاقات بين روسيا وحكومة بولنده لا تبعث على الارتياح التام . وكانت الأنباء تتحامي هذا الأمر إشفاقا من ان يكون الخوض في هذا الموضوع مما يزيد الموقف تعقيدا ، في الوقت الذي يجب ان تنصرف فيه جهود الدول المتحدة إلى الحرب ، والسعي إلي النصر بجميع الوسائل ، وفي أقرب زمن ممكن . فإنا إذا سلمنا جدلا بأن بولنده لا تقوم اليوم بنصيب خطير في ميادين الحرب الحاضرة وان ليس هنالك كبير بأس على مجري الحرب في ان تسوء أو تتحسن علاقاتها ببعض الدول المتحاربة . فإننا - حتى على فرض صحة هذا القول
لا بد لنا أن ننظر إلي الموضوع من وجهة أخرى وهي أن بولنده قد احتملت الصدمة الاولى ، وعانت من الاحتلال الالماني اكثر مما عانت أية دولة من الدول الأوربية المحتلة . وان هنالك تلك المبادئ السامية وقوامها الحرية والإنصاف للقوي والضعيف وللغالب والمغلوب ، تلك المبادئ التي تحارب من أجلها الدول المتحدة - وبولنده أحق الدول بأن تنال في ظل هذه المبادئ كل إنصاف وعطف . . وبعد هذا كله - وفوق هذا كله ، فإن بولنده في محنة قاسية ؛ ولهذا فهي حقيقة : بأن ينظر إليها بشيء كثير من العطف ، حتى ولو ارتكبت هفوة من الهفوات .
والآن نستطيع أن ننظر في الظروف التي أحدثت بين الحليفتين ، هذا الجفاء الذي تبذل بريطانيا اليوم جهدا كبير لإزالته ولابد لفهم تلك الظروف من إلمامة يسيرة بالشئون التاريخية والجغرافية ، التى تحيط بدولة بولنده الحديثة
كانت دولة بولنده قبل الحرب الحاضرة تحتل مساحة من الأرض تبلغ ٨٨ ألفا من الكيلو مترات المربعة يعيش فيها أربعة وثلاثون مليونا من الأنفس . فهي تزيد
على مساحة إيطاليا ، ولكنها تقل عنها في عدو السكان ، وهذه الأرض عبارة عن سهل فسيح يطل من الشمال على البحر البلطي . ومن الحنوب علي جبال الكريات . وليس له حدود واضحه في الشرق والغرب ، بل هو عبارة عن ارض سهلة تصل سهل المانيا الشرقى بسهول روسيا الغربية . دون أن يكون هنالك حد جغرافي واضح بين الإقليم البولندي والأقاليم التي تجاوره شرقا وغربا .
في هذا السهل الفسيح انتشر الشعب البولندي علي مدى القرون ، كما انتشر الشعب الجرمانى في النواحي الغربية ، والشعوب الروسيه في النواحي الشرقية منه . وفي العصور الأولى حين كانت المشاكل الجنسية قابلة الخطر ، أو في حكم العدم ، لم يكن هنالك كبير بأس في أن تتجاور الشعوب وتختلط ، ويتوغل بعضها في أرض بعض . ولكن تفاقم الحركة القومية في القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين ، جعل من المرغوب فيه جدا ان يكون لكل شعب ارضه المحددة تحديدا جغرافيا صريحا . لا يشاركه فيها شعب آخر . بحيث يكون هنالك شعب واحد في وطن واحد . ولم يكن من السهل بعد الاختلاط الطويل في السهل الشرقي العظيم ، ان يحدد وطن صريح يعيش فيه الشعب البولندي بمفرده .
وإذا أردنا أن نتصور ما هو الوطن البولندي ، والأساس الجغرافي الذي يقوم عليه . فإن أقصى ما نستطيع أن نقوله إن بولنده عبارة عن الأرض التي يجري فيها نهر الفستولا ، ذلك الشريان الطبيعي الذي يجري من الكريات إلى البحر البلطي والذي يتجمع على ضفافه وعلى روافده الشعب البولوني الصميم . وقد شبه بعض الكتاب بولنده بمصر لأن وحدة القطر في كلا الحالين تستند إلي نهر عظيم يعيش الشعب على ضفافه . ولكن القياس مع الفارق الكبير : وهو ان النهر في مصر تحف به الصحراء ، عن اليمين وعن الشمال ، وتحدد القطر المصري تحديدا واضحا . أما الفستولا فتحيط به سهول خصبة عامرة بالسكان وغزيرة المطر ، كثيرة الزرع . ولهذا كان الوطن
البولندي مخالطا للوطن الروسي في الشرق ، وللوطن الجرماني في الغرب .
وقد زاد المشكلة تعقيدا أن الجماعات الجرمانية هاجرت في العصور الوسطى على طول الساحل البلطي ، بحيث احتلت المنطقة التى يصب فيها نهر الفستولا ، عند مدينة دانزج ، فأصبح هنالك وطن جرماني يقوم بين بولنده ، وبين اتصالها بالبحر . وهذا الأمر لم يكن ذا خطر كبير في العهود الأولى ، يوم كانت مدينة دنزج والإقليم المحيط بها في القرن الخامس عشر والسادس عشر ، متحالفة مع بولنده ، ولدولة بولنده في دنزج النفوذ الأكبر . يوم لم يكن هنالك دولة ألمانية قوية تريد أن تضم تحت لوائها كل جرماني أيا كان منزله وموطنه ، سواء اكان هذا الجرماني ممن يعيشون في السهل البولندي أو الروسي أو في بوهيميا ،
أو في أرض فرنسا ، أو جبال سويسره . فإن الغلو في في تطبيق فكرة القومية قد احل الخلاف حيث كان يسود الوئام وخلق مشكلة عسيرة الحل في عدة أقطار . ومنها بولنده التى كانت بحكم سهولة أرضها مجالا لان تنتشر فيها الشعوب والمناصر المختلفة ، وان يختلط بعضها بعض يوم لم يكن هنالك اعتبارات سياسية أو قومية تحول دون هذا الاختلاط
لقد أخذت دولة بولنده تظهر في الوجود في آخر القرن العاشر الميلادي . وقد انتشر فيها الدين المسيحي ، ولم تلبث أن تكونت فيها كنيسة بولندية مستقلة ، وتحولت بعد ذلك عن المذهب الارثوذكسي إلي المذهب الكاثوليكي وقد كبرت دولة بولنده وعظمت شوكتها في القرن الرابع عشر . ولم نزل ذات شوكة قوية في القرون التالية . وقد اتسعت رقعتها اتساعا شديدا باتحاد الدولتين البولندية والملتوانية في القرن السابع عشر ، بحيث أصبحت ارضا تمتد من السواحل الشرقية والجنوبية للبحر البلطي إلي حوض نهر الدنيير ، فكانت تشتمل على الجزء الأكبر من أوكرانيا ومن روتينيا ( أو روسيا البيضاء ). ولئن كانت ممتلكاتها قد نقصت قليلا بعد ذلك ، فإنها على كل حال ظلت تحتل
مساحة تعادل ضعف مساحة دولة بولنده الجديدة . وهكذا كانت حالها في القرن الثامن عشر ، حين اصطدمت بدولة روسيا القوية في الشرق ، وبدولة روسيا في الغرب ، ووقفت بولنده بين عدوين عظيمين روسيا القيصرية ، ومملكة بروسيا الخطيرة .
هنالك حدثت تلك الكارثة الكبرى في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر ، إذ اتفقت روسيا وبروسيا على اقتسام بولنده بالتدريج ، وحدث هذا الاقتسام فعلا على ثلاث دفعات ، أولها في عام ١٧٧٢ ، ثم في عام ١٧٩٣ ، ثم في عام ١٧٩٥ ، وقد اشتركت حكومة النمسا في الدفعتين الأولى والثالثة . وبعد ذلك تلاش استقلال بولنده ، وقسمت أرضها أجزاء موزعة بين الدول الثلاث
ولكن لم يكن مما يقبله العقل أن تطفأ جذوة الوطنية البولندية بسهولة ، برغم هذا العدوان العنيف . بل لعلها قد ازدادت اشتعالا بسبب هذا العدوان . وقد اتاح نابليون الأول فرصة عابرة لخلق دولة بولندية . ولكن الفرصة
الحقيقية لم تسنح إلا بعد الحرب العالمية الأولى ، فأنشئت دولة بولنده الحديثة ، وتقررت حدودها الغربية في معاهدة الصلح مع المانيا ، وجعلت دنزج مدينة حرة لها نظام حكم دولي ، تشرف عليه عصبة الأمم ، وتركت حدودها الشرقية لكي توضع بالاتفاق بين بولنده وروسيا ، وكانت روسيا
البلشفية في حالة من الضعف انهزمت فيها جيوشها أمام الجيوش البولندية ، وتم الصلح بين الفريقين بمعاهدة ريجا عام ١٩٢٠ . وقد قبلت روسيا ان تمتدحدود بولنده شرقا بحيث تشمل مساحات واسعة تسكنها عناصر من روسيا البيضاء في الشمال ، ومن الأوكرانيين في الجنوب . وهكذا ذهبت بولنده بحدودها الشرقية إلى ابعد من الحدود التي أوصت بها معاهدة فرساي نفسها .
ومن السهل أن يوجه المرء انتقادات كثيرة إلي دولة بولنده الناشئة ، ولكن يجب علينا أن نذكر أن الدولة الجديدة قد اصطدمت في أول عهدها بالحياة المستقلة بصعوبات شديدة حقا : اهمها ان بولنده كانت ميدانا للحرب أربع سنين نالها فيها كثير من التخريب ، ونال السكان كثير من التشريد . وأنها في أشد الحاجة لكل مورد اقتصادي او تجاري يساعدها على النهوض بعد ان فقدت كيانها السياسي زهاء قرن ونصف قرن ،
وقادتها بعيدو العهد بالحكم ، فمن الجائز ان يرتكبوا هفوات ، ولا يجوز ان ننسى ما يشعر به البولوني من ان أمته كانت يوما ما من أكبر الدول الأوربية ، وأنه يود لها أن تتبوأ مكانها مرة أخرى بين الدول الكبرى .
وقد تقلبت الحظوظ على بولنده الحديثة ، وسادتها الاضطرابات أعواما طوالا ، حتى استطاع المرشال بلسودسكي أن ينشر الهدوء في ربوعها إلى حد كبير . وقد اتجهت سياسته - وقد رأي امته بين دولتين كبيرتين يخشى جانب كل منهما - نحو ألمانيا ، وقد كانت معاهدة الصداقة بين الدولتين من أول الأعمال السياسية التي قامت بها ألمانيا النازية .
( البقية على الصفحة رقم ٢٤ )
( بقية المنشور على صفحة ٤ )
ولكن ألمانيا بعد ذلك أعلنت رغبتها في أن تضم دنزج إلي حكمها ، وان تصل بروسيا الشرقية بالوطن الالماني ، ولم تستطع أن تحصل على هذا بالطرق السلمية أو الشبيهه بالسلمية ، فانقضت على بولنده في أول سبتمبر سنة ١٩٣٩ ، ولم تلبث جيوشها أن تغلبت تماما علي مقاومة القوات البولندية ، لم ترد روسيا ان تري المانيا تحتل بولندة الشرقية ، فتقدمت هي أيضا واحتلت تلك الآقاليم ، التي يسكنها كثير من العناصر الروسية
وقد وقف جيش بولندي في طريق الزحف الروسي ، ولكنه لم يلبث ان سلم وأسر . وكان يشتمل على نحو عشرة آلاف من الضباط ، وقد رضيت حكومة روسيا ، بعد أن اشتبكت في حربها مع المانيا ، ان تسرح الأسرى البولنديين لكي يتألف منهم جيش يحارب إلي جانب الدول المتحدة
ومنذ بضعة أسابيع أذاع الألمان أن الروس قد أعدموا أحد عشر الفا من الضباط البولنديين ، وان قبورهم بالقرب من سمولنسك قد اكتشفت . ولعل البولندبيين قد صدقوا هذه الدعوي ، فساءت العلاقات بينهم وبين روسيا ، ولم وعدوا ان تقوم الحكومة الروسية نفسها بتحقيق هذا النبأ ، بل طلبوا إلي جمعية الصليب الأحمر الدولية أن تتولى تحقيقه .
ولم تلبث جمعية الصليب الأحمر أن أبدت عجزها عن القيام بتحقيق مثل ذلك النبأ؛ فأعلنت بولنده عدولها عن الالتجاء إلي جمعية الصليب الأحمر .
وفي الوقت نفسه طلبت حكومة روسيا إلي السفير البولوني أن يظل في روسيا ، وبادرت الحكومة البريطاني بالتوسط بين الفريقين ، ليزول ما يينهما من الجفاء . حتى لقد أعلن رئيس وزارة بولنده بمناسبة عيدها القومي : " لقد كان من المبادىء التي تسترشد بها الحكومة البولندية . والأمة البولندية المحافظة على علاقتها الودية مع روسيا وسيظل هذا مبدأها " .

