لقد عهد قراء (الرسالة) في الدكتور عبد الوهاب عزام بك أديبا مطبوعاً واثقاً من نفسه، صامداً أمام تيارات الغرب، جادا في تفكيره، صادقا في تعبيره وأدائه، ومن أهم ما امتاز به هذا الأديب أنه واسع الأفق، اضطلع بالآداب الفارسية الغزلية والأردوية واطلع على الآداب الغريبة؛ كما أن صدره انشرح لآمال الشعوب الإسلامية جمعاء متخطياً في ذلك القومية الضيقة والوطنية المتطرفة ومع أنه انخرط في السلك السياسي منذ أعوام إلا أنه لا يدع أعمال منصبه الجديد تصرفه عن نزعته الأدبية كما أنه لا يصعب عليه الجمع بين الدبلوماسية والصدق والاخلاص ولا غرو في ذلك فإن الدبلوماسية بين مصر والباكستان لا تتطلب إلا توفر روح الود والصداقة وشيء من الجرأة الأدبية في مناصرة الحق والعدل من غير مبالاة بمصالح قصيرة الأمد.
ولعل الأوساط العلمية والأدبية قد سمعت من العمل الأدبي الجليل الذي قام به أخيراً سفير مصر في الباكستان، أعني الترجمة العربية ل (بيام مشرق) تصنيف الفيلسوف وشاعر الإسلام الدكتور محمد إقبال الذي أراد أن يجعل من تلك المجموعة من الشعر رسالة من الشرق إلى الغرب مضاهاة لما فعله الحكيم الشاعر الألماني (جيته) في ديوانه
وها أنذا أورد فيما يلي ملخصا لما كتبه الأستاذ برويز صاحب مجلة (طلوع الإسلام) وهي من كبريات المجلات العلمية في الباكستان، بشأن قيمة هذه الترجمة العربية وشخصية المترجم الكبيرة المتواضعة، وأثرها في توحيد الأفكار وتوثيق عرى الصداقة بين الأقطار الإسلامية
يقول الأستاذ يرويز، وهو من كبار الباحثين عن المعارف
القرآنية وفلسفة إقبال، في عدد يوليو من مجلته (ألح علي صديق لي منذ وقت قريب في زيارة الدكتور عبد الوهاب عزام بك ، وقد كنت راغباً عنها لضيق صدري بمقابلة (الأمراء والكبراء) على وجه العموم، إلا أنني تو ما جلست أمام سعادة الدكتور عزام بك أيقنت بأنني أن لم أقم بتلك الزيارة لكنت قد حرمت نفسي من سعادة أية سعادة، فقد شعرت وأنا في بهو السفارة المصرية الذي لا يعدمه شيء من أسباب الزينة والزخرفة ومظاهر البذخ والثراء - شعرت هناك كأنني في صحبة (درويش) لم يأبه بما يجري به التقليد من التقديم والتعارف وما إلى ذلك، بل أخذ يحدثني عن كبار أئمة الأدب
والشعر مسترسلاً في ذلك على سجيته من غير أن يبدو في حديثه أدنى أثر للصنعة والتكلف، بل كان بالعكس متسما بطابع الصدق وعمق التفكير، وهكذا انتهت المقابلة الأولى كما بدأت بدون أي اهتمام بالتقاليد الرسمية
ثم يتكلم الأستاذ برويز عن قيمة الترجمة العربية لشعر إقبال فيقول: والدكتور عزام بك من المفتونين بشعر إقبال وفلسفته، ومن حسن الحظ حقاً أنه مستكمل المدة لترجمة إقبال إلى العربية ترجمة تحافظ على روح الشعر من غير أضرار بالخصائص اللفظية وذلك لعمري ليس بالأمر الهين. إلا أن الله قد وهب الدكتور عزام ملكة قوية لقول الشعر بحيث أنه يقرض الشعر كما لو كان ينشد شعر غيره على التوالي، وهو يتمتع بقدرة فائقة على اللغة العربية - أعني العربية الفصحى التي يفهمها ويتذوقها (الأعاجم) - مع تعمقه في دراسة الفارسية والأردوية، أضف إلى ذلك أنه قد أحاط بجميع نواحي فلسفة إقبال وأدرك كنهها، وأخيراً يمتاز الدكتور عزام بأنه دائم التعطش ويعني بالاستزادة من كل مصدر أياً كان
وإذا فيعتبر تصدي الدكتور عزام لترجمة شعر إقبال استجابة لدعاء إقبال نفسه لأنه، رحمة الله، كان شديد الرغبة في إبلاغ رسالته إلى الأمة الإسلامية قاطبة، وقد صرح بأن هذه الرغبة هي التي حدت به إلى قول الشعر بالفارسية بدلاً من الأردوية في كثير من الأوقات، إلا أنه لم يكن في وسعه - وكم كان يأسف لذلك - أن يتحدث إلى العرب بلغتهم، والآن
وقد وجد إقبال خير مترجم له في الدكتور عزام بك، فلنأمل أن يؤدي الاطلاع على أفكار اقبال وفلسفته إلى (وحدة القلب) تلك الوحدة التي هي أسمى وأفضل من (وحدة اللغة) - كما يقول إقبال - بين الشعوب الإسلامية المختلفة، ولعل الاطلاع على شعر إقبال أيضاً يبرز الحقيقة التي عبر عنها اقبال بقوله: أن (لا اله إلا) لا بد وأن يبقى كلمة غريبة ما لم يشهد القلب به، سواء في ذلك العرب والعجم كلاهما
وترجمة الدكتور عزام تفيض بإعجابه الشديد بإقبال وإيمانه القوي بالمبادئ التي نادى بها شاعر الإسلام، وانه لمن المدهش حقاً أن يتمكن المترجم لا من نقل الروح والمعنى فحسب، بل من تتبع الأصل فيما يتعلق بالشكل وديباجة الشعر أيضاً، والترجمة مذيلة بكلمة شعر طويلة للدكتور عزام بك يعرض فيها خلاصة وافية لتعاليم اقبال، ويبتهل إلى الله أن يكون انتشارها سبباً لإنقاذ العالم من محنته الحاضرة
ويختتم الأستاذ برويز كلمته بإهداء التهاني إلى شعب مصر الذي قام ممثله بإيجاد مثل هذه الحلقة المحكمة للربط بين العالم الإسلامي، تلك الحلقة التي هي أبعد أثراً من أية عهود ومواثيق سياسية لأنها ترمي قبل كل شيء إلى (وحدة الفكر) ووحدة الفكر هي الأساس المتين (لوحدة العمل) لا غير

