الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 838الرجوع إلى "الرسالة"

بيان وتنبيه!

Share

١ -  قرأت للمرة الأولى كتاب التصوف وفريد الدين العطار  للدكتور عبد الوهاب عزام بك مع نقده في مجلة الكتاب الغراء،  وقد طلب الناقد الكشف عن فقرة فشرحتها، ولم يتيسر إيضاح  الفقرة الثانية.

ثم قرأته للمرة الثانية ولا زالت تلك الكلمة أمام ناظري،  حتى تبين لي وجه الصواب فيها. وتلك الكلمة هي قول الجنيد  كما وردت في الكتاب المذكور   (ليس الاعتبار بالخرقة، إنما  الاعتبار باُلحرقة) .

وقد قال الناقد عنها في مجلة الكتاب   (وهذا يدعو أن نسأل  الدكتور عن تساهله أحياناً في إيراد القول الواحد على وجهين  قد لا يتأثر بهما المعنى، ولكن تتأثر بهما إرادة التحقيق، فقد روى  في ص ٢٩ عن الجنيد أنه قال: ليس الاعتبار بالخرقة، إنما الاعتبار  بالحرقة)  وفي ص ٣١ ذكر أن الجنيد قال: إنما الاعتبار بالحرقة  وليس الاعتبار بالخرقة   (ومؤدي الروايتين وملفوظهما يكاد يكون  واحداً لولا الفرق بين إيراد النفي أولاً والحصر بإنما ثانياً وما يتبع  ذلك من فرق دقيق في المعنى من حيث علم المعاني. . .) .

وأقول: إن الصوفية همهم العمل ظاهراً وباطناً، فظاهراً  الاحتراف وعدم الكسل، وباطناً تنقية النفس من أدرانها حتى  تكون العبادة على صفاء. وقد كان الأكابر من رجال الطريق  عندما يأخذون على أحد العهد يقرونه على حرفته ويطلبونه منه  عدم تركها والإحسان فيها. ولذا كان الخواص يقول: إن الذي  يأكل من كسبه ولو مكروهاً كالحجام أحسن من المتعبد الذي  يأكل بدينه ويطعمه الناس لصلاحه. وكان رضي الله عنه  لا يجيب فقيراً إلى طعامه إلا إذا علم أن له كسباً شرعياً من تجارة  أو زراعة أو صنعة. وقد سأل شخص من الأمراء أن يعمل له  مولداً فأبى الشيخ وقال: والله إن كسبي من هذا الخوص لا يعجبني

الأكل منه، فكيف آكل من كسب الأمراء أو أدعو  الناس إلى الأكل منه!

مما ذكر يتضح أن التصوف الحق هو العمل وهو المراد  من قول الجنيد رضى الله عنه. وصحة قول هو: ليس  الاعتبار بالخرقة، أي بلبس ثياب المتصوفة، إنما الاعتبار بالِحرفة  أي الصنعة، بمعنى أن الدين الصحيح والعبادة الحقة ليس لبس  الإنسان لباس التقشف والمعيشة على حساب الغير وترك التكسب،  وإنما هو الإحتراف ومنفعة العباد، فلا خير في شخص لا فائدة في  حياته. وهذا بنى الله داود عليه السلام مع مرتبته   (كان يأكل  من عمل يده) .

فالعمل في نظر المتصوفة هو الحياة، ولا خير في حياة بلا عمل.

٢ -  ظللت أرتع في رياض كتاب   (عبقرية محمد)   للأستاذ عباس محمود العقاد وأستمتع بالنظر إليها وبأريجها،  وبما فيها من جمال وجلال، ولكني وجدت نبتة صغيرة - ليس  لها مكان - يسهل اقتلاعها إذ لا يصح أن يشملها هذا  الروض العطر.

وأفصح فأقول وجدت حديثاً في ص ٢٣٩ وهو   (كنت كنزاً  مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف. . .) .

وهذا الحديث القدسي ليس مذكوراً في الكتب المعتمدة في  الحديث، وقد قال عنه ابن تيمية: ليس من كلام النبي عليه السلام  ولا يعرف له سند صحيح. (وتبعه الزركشي وابن حجر والسيوطي  وغيرهم، ومن المتأخرين من أفتى ببطلانه. ولو ورد على لسان بعض  المتصوفة فليس لبعضهم باع في ذلك وقد قال أحد أكابرهم وهو  الغزالي   (أنا مزجي البضاعة في الحديث) . ولأن مدار صحة  الحديث على السند، وهذا الحديث الذي معنا لا سند له.

ولو خلا منه كتاب الأستاذ العقاد لما أثر فيه ولما ذهب من  جماله شيء بل يزيده جمالاً فوق جماله.

(شطانوف)

اشترك في نشرتنا البريدية