الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 183 الرجوع إلى "الرسالة"

بيتر باول روبنز، PETER PAUL RUBENS، الفنان الخالد

Share

إذا قيس قدر الفنان بعمله ، وفنه بحسن اختياره ، ومجده بتراثه ، فإنك تجد روبنز في عصره إمام الفنانين ، وحجة العارفين ، لأنه الفنان الذي عاش لفنه ، وشعر بالجمال فيما حوله ، وبحث وراء المثل الأعلى في كل ما صادفه . صور الجمال فأبدع ، والطبيعة فأحسن ، والحياة فأجاد . صور القصص التاريخية والدينية فأوضح ، والشخصية فعرف ؛ لا تجد فيما ترك مجالًا للنقد ،

ولا بين ما اختار موضعًا للزلل هذا هو روبنز الذي ولد في مدينة سيجن سنة ١٥٧٧ ،

وانتقل في صحبة والديه وإخوته إلى كولونيا سنة ١٥٧٨ وبقي فيها إلى سن العاشرة ثم تركها إلى انتقرب سنة ١٥٨٨ . تمتع بقسط وافر من التربية الراقية التي لم تكن دائمًا متوفرة لغيره من الفنانين ، ودان بكثير من درايته بالتاريخ العام والتاريخ الديني إلى المدرسة الكاثوليكية بأنتقرب

شب روبنز مولعًا بمشاهد الطبيعة ، موهوبا حدة النظر ودقة الملاحظة ، له نظر سجل كل ما رآه ؛ انجذب نحو الجمال ، وتعطش إلى الخلود ، وهام بالكمال المطلق

لم ير روينز المثل الأعلى بين الموجودات ، ولكنه ظل في خياله السامي ، فعبر عنه جهد طاقته في تراثه المجيد استمد من الطبيعة مادة التعبير والتصوير ، فاستطاع إظهار ما انطوت عليه عبقريته وما جال بخاطره . كان من هذه الناحية

ننشر تحت هذا العنوان ابتداء من هذا  العدد مقالات في تاريخ الفن العام وتراجم                                مصورة لعباقرته في العصور المختلفة ، يحررها  الدكتور أحمد موسى خريج جامعة برلين

عبدأ للطبيعة , ولكنه فاز فى النهاية بدرجة الوصول فكان سيدها ، لأنه استمد منها ادنه ، ووصل بها إلى ما لم تصل هي إليه من ام ، إن قدر لنا أن نتأمله ونفهمه ونتأثر به ، وصلنا نحن أيضًا بمشاعرنا إلى كمال الاستمتاع

كان أول معاميه المناظر الطبيعية توبياس فيرهجت الذي وصل صيته إلى إيطاليا ، كما كان آدم فان نورت معلمه لتصوير الأجسام والمناظر الشخصية ، أما معلمه للفن والألوان فكان أوتو نان فين

لاحظ فيه معلموه نبوغًا ظاهرًا ، فكانت دروسهم له أشبه بتعاريف أولية لأصول سير العمل ، أما هو فقد نهج في أقصر وقت منهجا سار عليه وعرفت روحه فيه ، وظل بعده مائة عام يؤثر فى الفن الفلامنكي تأثيًرا عميقًا إلى أقصى حد

شاءت المقادير لروبنز أن يسافر إلى إيطاليا سنة ١٦٠٠ ، وشاءت المقادير أن يلحق بخدمة أحد أمرائها الذىي كان من كبار عشاق الفنون الجميلة في مدينة مانتوا ، فشاهد روبنز لدى الأمير حينًا وبوساطته حينًا آخر أحسن ما أخرجته قرائح الفنانين الإيطاليين وغير الإيطاليين

لم يكن لروبنز إلا الانتقاد والتأمل ، فكان في حالة من البؤس النفسي شبيهة بحال الفيلسوف المتصوف ؛ لم يقنع بما رآه ، ولم ير شيئًا عده كاملا ؛ ولذا فقد عمل مكملا ، ووصل إلى ما صبت إليه نفسه ، تلك النفس التي تميزت من نفوس المجموع بدقة التأمل وبالدرس وبقوة الملاحظة وبالتغلغل في كنه المرئيات ، وأخيرًا بالقدرة اللانهائية على تفهم الجمال

وبقدر تفانيه في التصوير كان عاشقًا لسماع الموسيقى ولعزفها ، كأنه يقول إن مصدر الفنون واحد ، وإن الفنان الكامل لا بد له من دراية بالفنون الأخرى لزيادة الاستمتاع بما في الحياة من

مكنونات لا يصل إليها إلا العارف  تراه أيضا ألم بأصول الكيمياء لرغبته في الوقوف على سر صناعة الألوان

سافر كثيرا ، وتأمل كثيرا ؛ لم يترك لحظة تمر دون النظر والدرس ، باحثًا عن الجمال أيًا كان نوعه ، وحيثما كان وجوده . كان لرحلته إلى أسبانيا تأثير في نفسه لم يقل من أثر رحلته إلى إيطاليا التي استطاع أن يعرف الفن القديم والفن المعاصر أثناء إقامته بها

وتدل كراسات روينز ومذكراته الخاصة على أنه كان كثير التدوين والتسجيل والنقل والاقتباس ، لا للتقليد بل للإلمام ، شأن العالم الجهبذ ؛ فتراه ينقل قدمًا لتمثال استماله ، وعينًا من صورة استهوته ، وذراعا ورأسًا من أخرى ، فكان جبارًا في اختياره عنيفًا في نقده

خلق روبنز فنًا قائما بذاته ومدرسة عرفت باسمه ، بعد أن شاهد الكثير من أعمال فناني إيطاليا ، وتأثر إلى حد بعيد بمشيل أنجلو وروفائيل وتيتسيان وكراتسي ، كما أن بعض لوحاته تمت بصلة إلى جيليو رومانو الذي شاهد صوره عند ما أقام في مانتوا

أشبع نفسه الفنية ، فعرج بعد عودته من إيطاليا على دراسة  الألوان ودرسها درسًا وافيًا ، فكان له في صوره لون أسمر قوي ، وظلٌ أزرق رمادي عُرفا بعده باسمه

أقام في بروكسل حيث تزوج من إيزابلا برانت سنة ١٦٠٩ وبنى بيتًا خاصًا لإقامته كان متحفا لآيات الفن ومدرسة لتلامذته ، أمثال فان دايك ، وفان تولدن ، وكورن ، وأراسموس كويللينيوس ، وجان فان دن هوك ، وتوماس فان إيبرن ، وساللارت ، وفوتز ودل مونت ، وولفوت

وكل هؤلاء كانوا خير معين له على إتمام أعماله , فكان غالبًا يضع التصميم والرسم التخطيطي ويترك لهم القيام بالتنفيذ تحت إشرافه ، كما أنه كان المخرج الأخير لكل صورة على أن فان سيندر وباول دي فوس كانا قديرين إلى حد أن سمح لهما بتصوير بعض الحيوانات في مصوراته أما لوكاس فان آدن وجان وبلدنز فكانا يصوران أجزاء على

لوحاته الشاملة للمناظر الطبيعية ، كما كان جان بروجل يصور الزهور ولا يُعدّ هذا نقصا في مقدرة روبنز ولا تقصيًرا منه ، لأنه

كان فى ذلك أشبه بأستاذ يدير معهدًا للأبحاث يساعده فيه تلامذته والمجال لا يسمح هنا بوصف كل تراثه الخالد الذىيبلغ ألفي قطعة من روائع الفن موزعة على متاحف العالم ، ولكنا نقتصر فقط على وصف ما جاء من صوره بهذا المقال

فالصورة الأولى ( الخاطئون أمام المسيح ) تمثل يسوع واقفا وحول رأسه هالة من نور ، أمامه امرأة خاطئة تقف منحنية بخشوع والدمع منهمر من عينيها تلتمس المغفرة عن الخطيئة ، وحولها ثلاثة رجال ظهرت على وجوههم علائم الندم والألم لما فرط منهم ، ولأنهم أمام رسول الله الذي ينظر إليهم نظرة العطف والسمو والصورة الثانية ( إنزال الجسد من الصلب إلى الأرض ) تراها مجموعة رائعة من تسعة أشخاص لا تجد بينها واحدًا خرج عن دائرة الاندماج وتكميل الشخصية الكاملة للصورة . انظر إلى طريقة وقوف القديسات واشتراكهن في حمله ، ولاحظ ما ارتسم على وجوههن من علائم الألم والحزن . أليس هذا الإنشاء الكامل دليلا على قوة المعرفة بالقصص الدينية والعبقرية الفنية في الإخراج ؟

عرش وفوق رأسها ملائكة ثلاثة في هيئة أطفال بأجنحة يحملون الأزهار ، وحولها وقفت أربع قديسات ينظرن إلى القديس إلدفونسو وهو را كع أمامها ، وهي في مجموعها تبين إلى حدٍّ بعيد نبل الإخراج وقوة التعبير . وإذا تأملنا وجوه هذه القديسات وملابسهن تراها تعطينا فكرة صحيحة عن ناحية القوة البنائية في إنشاء روبنز

أما الصورة الرابعة ( حكم الراعي باريس ) فهي توضح لنا إلى أي حد وصل علم روبنز بالتاريخ القديم وبالقصص الإغريقي ؛ فباريس هذا كان شابًا وديعًا يرعى الغنم ، صادفه في طريقه ثلاثة آلهة هن هيرا وأثينا وأفروديت في هيئة نسوة غاية في الجمال ، وسألنه أن يعطى التفاحة التي بيده إلى أجملهن منظرًا : فأجاب باريس سائلًا ماذا يكون جزاؤه ؟ وعدته هيرا بأن تمنحه المُلك والغنى - وأثينا بمنحه الحكمة والشهرة - وأفروديت بأجمل النساء على الأرض إطلاقا ! تريث باريس وأخيرًا أعطى تفاحته إلى أفروديت (راجع إلياذة هومير ٢٨:٢٤) انظر إلى باريس وهو يمثل التريث والحيرة في الاختيار ؛ ثم انظر إلى كل واحدة منهن ثم إليهن جميعا ، فكل واحدة أبرع من الأخرى جمالًا ، ثم لا تلبث أن يستلفت نظرك ما فيها من قوة لا تزال إلى اليوم مطمح الفنانين فكّر قليلًا في العصر الذي مثل فيه روبنز هذه القصة الإغريقية الخرافية ! أليس عجيبًا أن يوفّق روبنز إلى هذا الحد الذي يدعو إلى الدهشة والاستغراب ؟ ألا تراه وُفِّق كل التوفيق

في تصوير هذه القصة الرائعة ؟ أعطى تفاصيل الجسم كل عنايته ، فكانت آية في جمال التناسب وعظمة الانسجام . لا ترى للتكرار فيها أثرًا . إن متحف مدريد يحسد حقًا على احتوائه هذه التحفة الفنية ، ولعل الحرب الداخلية لا تكون سببًا في أن يتسرب التلف إليها كما تسرب إلى غيرها في هذه الأيام بأسبانيا

وتعد لوحته الممثلة لأحد مواقف رواية أشيللوس تاتيوس في القرن الخامس قبل المسيح والمسماة لوسيبوس وكليتو فون

من أروع وأبدع اللوحات

أنعم النظر إلى مظهر المرأتين المخطوفتين وإلى ما ظهر عليهما من علائم الوجل والتوسل ، و كيف استطاع روبنز أن ينفث  فيها من روحه وعبقريته ، وتأمل كيف ينظر الحصانان إلى هذا الموقف الخطير كما لو كانا يتحفزان للرب ، ثم إلى قوة عضلات الرجلين الخاطفين إن مجلدًا ضخمًا لا يكفي للكتابة عن روبنز الخالد ، ولكننا  مع هذا استطعنا أن نعرف بعض ما سجله تاريخ الفن له

اشترك في نشرتنا البريدية