يغلو بعض مؤرخي الأدب الإنجليزي فيدعى أنه لا يوجد منذ أرسططاليس إلى فرنسيس بيكون فيلسوف مثل بيكون! ومع اعترافنا بما كان لهذا الرجل من الأثر الكبير في الذهن الإنجليزي في عصر النهضة فأننا لا نفضله على كثيرين من أبطالها ولا سيما هارفي وكبلر وغاليلو. وقد اشتهر بيكون بتفضيله التجربة في العلوم على الاستدلالات المنطقية العقيمة وأكثر المؤرخين على أنه ليس مبتدع تلك النظرية، فقد سبقه إليها العرب، ثم أقتبسها عنهم غير بيكون من علماء النهضة. وكان بيكون معروفاً دائماً بالشذوذ الغريب حتى إنه كان يؤلف أحسن كتبه باللاتينية وذلك لعدم إيمانه بالإنجليزية في ذلك العصر!!
على أن الذي يعنينا في هذه اللمحة عن بيكون هو خلقه الذي أنحدر إلى الحضيض الأسفل من اللؤم والضعة. قال بوب (بيكون فيلسوفنا المحترم! هو أعظم بني الإنسان وأعقلهم، كما أنه أخسهم وألأمهم!!) ولنذالة بيكون قصة مشجية تتلخص فيما يلي:
عندما عاد بيكون من باريس كان أبوه قد مات، وكان أخوه الأكبر قد استولى على جميع التركة بحكم التقاليد الإنجليزية البالية التي كانت سائدة وقتئذ في ذلك الشعب المحافظ العتيق. والتحق بيكون بوظيفة في أحد الفنادق ليعيش، ثم أكب على دراسة القانون حتى نال إجازة الحقوق فأنخرط في سلك القضاء فأبدى نبوغاً عظيماً وعبقرية فذة. وكان اللورد بيرلي يعرف ما لهذا القانوني الشاب من خطر، فشرع يقيم في سبيله العراقيل حتى لا يبذ أبنه روبرت سيسيل الذي كانت له مطامح وآمال في أكبر المناصب القضائية في إنجلترا، فلما شغرت وظيفة (الأفوكاتو العمومي) رشح لها بيكون بعبقريته ورسوخ قدمه في القانون، ثم روبرت سيسل بحسبه ونسبه وضلع أبيه - اللورد بيرلي - في الحكومة ومنزلته السامية لدى الملكة اليزابث، وكانت هذه المؤهلات كلها (!) كفيلة بتعيينه في المنصب واطراح بيكون
وكان (ايرل اسكس) يعجب ببيكون ويميل إلى تعيينه، فلما ضاعت مجهوداته عبثا عز عليه أن يقتل اليأس نفس الشاب النابغة، فحدب عليه وواساه مواساة طيبة، ثم وهب له أرضاً واسعة تغل له غلة كبيرة، وقصرا من أفخم قصور لندن على نهر التاميز!!
ودار الزمن دورته، وساءت الأحوال بين الملكة وبين ايرل أسكس، وقدم للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى، فانتدبت الملكة أعز أصدقاء الأيرل، فرنسيس بيكون ليكون عضوا في الهيئة التي تتولى الدفاع عنها. . . فماذا جرى؟! لقد كان بيكون أشد المستشارين حماسةً للملكة ضد صديقه الذي حدب عليه، وأبعد عنه شبح الفاقة، برغم ما كان يبدو من براءة الأيرل، وبرغم ما كان يبدو من ميل بقية المستشارين إلى تبرئته. . . ولم يكتف بيكون بهذا الموقف الشاذ اللئيم، بل قدم مذكرة مسهبة بإدانة صديقه، ثم طلب في نهايتها الحكم عليه بالإعدام!
وكافأته الملكة على حماسته، فرفعته إلى أعلى المناصب، وأغدقت عليه أرفع الألقاب، حتى غدا (لورد بيكون!)
ولما كتب بيكون كتابه في الأخلاق (Essays) عقد فيه فصلاً من أحط ما عرفت البشرية عن (الحب والزواج والعزوبة) وذكر فيه أن الحب هو علاقة جنسية خالصة، وغريزة شهوية وضيعة، وأن المرأة بذلك إن هي إلا متعة للرجل وأنها مطيته إلى اللذة الحيوانية الطارئة. . . الخ. . . فلما تقدم إلى ليدي هاتون يطلب يدها لم تستح هذه المرأة المثقفة أن تصفعه في وجهه بهذه الكلمة الخالدة (ليذهب الفيلسوف البهيم إلى غابة قريبة فلينتق له بهيمة تكون مطيته إلى لذة طارئة ثم ليلقنها فلسفته!)
ودار الزمان دورته مرة ثانية! وأخذت الألسن تلوك إشاعات مخزية عن رشا يأخذها النائب العمومي (وكان هو بيكون في هذه الآونة) واضطر مجلس العموم إلى أن يثور طالباً محاكمته أمامه. . . فلما مثل الرجل وشرع الأعضاء يقذفونه بالتهمة تلو التهمة، لم يسعه إلا أن يعترف، ولم يسعه إلا أن يبكي. . . والتمس من المجلس أن يعامله برحمة. . . وحكم عليه بغرامة هائلة قدرت بأربعين ألف جنيه، ثم بالسجن المؤبد. . . ولكنه لم يحبس غير ليلة واحدة، ثم عفت عنه الملكة!!
هذه لمحة عن أخلاق الرجل الذي وضع كتاباً في الأخلاق ذم فيه أخلاق نبينا!!!
وهذا هو الرجل الذي يخلط بعض مؤرخي الآداب فيدعي أنه كتب كثيراً من الدرامات التي تعزى إلى شاكسبير!!

