الإنية في اصطلاح ابن سينا هي الذات الواحدة المستمرة بعينها، وهي مباينة للموضوع، مغايرة للجسم ويشار إليها في اللغة بضمير المتكلم في قوله: "أنا". وإثبات الإنية من المسائل التي عنى بها ابن سينا عناية خاصة، وقد أراد به إثبات الشعور بالذات ووجود النفس مستقلة عن البدن. ولتقرير تلك الحقيقة افترض افتراضا يطلق عليه اسم "الرجل الطائر" أو الرجل المعلق في الفضاء فقال في كتاب "الشفاء" ما نصه:
يجب أن يتوهم الواحد منا كأنه خلق دفعة، وخلق كاملا. لكنه حجب بصرهء عن مشاهدة الخارجات، وخلق يهوى في هواء أو خلاء هويا لا يصدمه فيه قوام الهواء
صدما ما يحوج إلى أن يحس، وفرق بين أعضائه فلم تتلاقى ولم تتماس. ثم يتأمل انه هل يثبت وجود ذاته؟ فلا شك في إثباته لذاته موجودا، ولا يثبت مع ذلك طرفا من أعضائه ولا باطنا من أحشائه. ولا قلبا ولا دماغا ولا شيئا من الأشياء من خارج. بل كان يثبت ذاته ولا يثبت لها طولا ولا عرضا ولا عمقا. ولو أنه امكنه في تلك الحال أن يتخيل يدا أو عضوا آخر لم يتخيله جزءا من ذاته، ولا شرطا في ذاته. وأنت تعلم أن المثبت غير الذي لم يثبت، والمقر به غير الذي لم يقر به: فإن للذات التي أثبت وجودها خاصية على أنها هو بعينه، غير جسمه وأعضائه التي لم تثبت (١)
ولست أحمل على العقل العربي ولا على شعراء العرب وأدبائهم، فالجناية لم تكن جناية هذا العقل ولا جناية الأدباء والشعراء، وإنما كانت جناية هؤلاء المترجمين الذين سمى الجاحظ طائفة منهم، إذ نقلوا الفلسفة اليونانية هذا النقل المشوه في نسبة الكتب والمذاهب إلى أصحابها والمشوه أيضا في ألفاظه وصياغاته. فانصرفت كثرة المثقفين عنها ونفروا منها، ولم يحدث هذا التدبير من الاندماج والامتزاج الذي كنا نرقبه ونأمله
وتسلم ابن سينا وغيره من متفلسفة العرب هذه الترجمات والنقول، فلخصوها، أو علقوا عليها وشرحوها وكانت المهمة الأولى التي أضاعوا فيها أعمارهم وأبحاثهم أن يلائموا بين الآراء المضطربة المنسوبة إلى الفلاسفة. وأن يفهموا عبارات المترجمين والنقلة المستخلقة، وأن يشرحوا المعاني والأفكار ويلخصوها؛ وكم من كتاب قرأه أذكياؤهم فرأوه أشبه ما يكون بطلسم أو طلاسم. واستمع إلى ابن سينا يقول: أحكمت علم المنطق والطبيعي والرياضي ثم عدلت إلى الإلهي. وقرأت كتاب ما بعد الطبيعة فما كنت أفهم ما فيه، والتبس علي غرض واضعه حتى أعدت قراءته أربعين مرة، وصار لي محفوظا، وأنا مع ذلك لا أفهمه ولا المقصود به
وهذه صراحة تحمد لابن سينا، وهي تنطق بما نقوله من أن كتب الفلسفة وصلته بهذه الأساليب العويصة المنحرفة التي لا تكاد تفهم مهما جددت القراءة مرارا وتكرارا. وأنا لا أريد أن أرمي ابن سينا ببقية شهادته على نفسه من أنه كان يعمد إلى الحفظ حين يستعصى عليه الفهم إنما أريد أن استبقى شيئا خفيفا جدا من هذه الشهادة وهي أنه تعود أن يكرر ألفاظا لا يفهمها، أو على الأقل كان يصنع ذلك أحيانا حين يعوزه الفهم
وقد أعدت هذه الأساليب المستغلقة ابن سينا كما أعدت غيره من متفلسفة العرب، فبدا أسلوبه متجمدا، وبدا في كثير من جوانبه كأنه الصخر الصلد، بمسكه منطق يشيع فيه الجفاف، فلا نضرة ولا حياة، وإنما القضايا المنطقية الصماء التي لا تعنى إلا باللب ولب اللب ولا عجب فإن هؤلاء المترجمين من الأعاجم لم يعنوا بغير
المعاني، ولم يدخل في أذهانهم شئ كما دخل منطق أرسططاليس، فعم أساليبهم للمنطق كما عمت عجمة غريبة في الصياغة. وكان من المصادفات أن ابن سينا وأكثر المشتغلين بالفلسفة لم يكونوا من العرب الخلص، ولا ممن كونوا لأنفسهم سليقة عربية دقيقة، بل كانوا من الأعاجم الذين يتخذون لغتهم الأعجمية في حياتهم اليومية، والذين لا يلمون باللغة العربية ولا يحسنونها إلا على نحو ما يحسنها المستعربون في عصرنا. فأضيفت بذلك عجمة ابن سينا وغيره من متفلسفة الأعاجم إلى عجمة المترجمين
وبذلك لم يعد من الممكن أن يصبح أسلوب كتاب الفلسفة خيطا ممدودا كما أراد الجاحظ، فقد غلبت عليه عقد مختلفة من لكنة الأعاجم ومن الفساد والنقص وأخذت عباراته لا تفهم إلا بمزيد من التأويل والشرح لكثرة ما يجري فيها من الخلل والوهن. ولم يعد هناك أمل في أن ينتعش الأسلوب الفلسفي وأن تجري مياه الحياة فيه، وأن تداوى جوانب العجز منه، وأن يصبح غذاء عقليا عاما للأمة العربية كلها، لأن أصحابه أو قل أكثر أصحابه لم تكن لديهم القدرة لينهضوا بذلك ويسدوا مواطن الخلل والزلل منه، بل لعلهم أرادوا أن تستمر فيه هذه الآفات حتى يكون قاصرا على الخاصة وخاصة الخاصة
واقرأ في ابن سينا فستجد أسلوبا غير صاف ولا مروق وستجد النطق يحول العبارة إلى ما يشبه الحجارة، وستجدك في كثير من الأحيان لا تستطيع أن تسير معه إلا مع جمع شديد للذهن وتنبه يقظ واع للعقل ومع عفو كثير عن طريقة نحت العبارات وما ينتخب لها من ألفاظ، فإن ابن سينا كثيرا ما ينتخبها من المعجم اللغوي المهمل، لأنه لم يكن عربيا، ولم يأخذ العربية عن أصحابها مباشرة بل أخذها عن كتب اللغة، كمن يكتب بالإجليزية أو الفرنسية اليوم متعلما لهما من المعاجم لا على أيدي أساتذة يقفونه على خصائص الألفاظ والعبارات وما يستعمل منها وما لا يستعمل
وأكبر الظن أننا نستطيع الآن أن نفهم في وضوح هذا الخبر الذي ساقه ابن أبي أصيبعة، إذ روى أن أبا منصور الجبائي تعرض لابن سينا قائلا له: إنك فيلسوف وحكيم
ولكن لم تقرأ من اللغة ما يرضي كلامك فيها. فاستنكف الشيخ من هذا الكلام، وتوفر على درس كتب اللغة ثلاث سنين، واستهدى كتاب تهذيب اللغة من خراسان من تصنيف أبي منصور الأزهري؛ فبلغ الشيخ في اللغة طبقة قلما يتفق مثلها، وأنشأ ثلاث قصائد ضمنها ألفاظا غريبة من اللغة، وكتب ثلاثة كتب أحدها على طريقة ابن السيد والآخر على طريقة الصابي والآخر على طريقة الصاحب وأمر بتجليدها وإخلاف جلدها، ثم أوعز للأمير، فعرض تلك المجلدة على أبي منصور الجبائي، وقال له إنا ظفرنا بهذه المجلدة في الصحراء وقت الصيد، فيجب أن تنفقدها وتقول لنا ما فيها، فنظر فيها أبو منصور، وأشكل عليه كثير ما فيها، فقال له الشيخ: إن ما تجهله من هذا الكتاب مذكور في الموضع الفلاني من كتب اللغة، وذكر له كثيرا من الكتب المعروفة فيها كان الشيخ حفظ تلك الألفاظ منها
وهذا الخبر واسع الدلالة على ما نقوله من أن ابن سينا لم يتعلم دائما اللغة التي استخدمها في كتاباته الفلسفية على أهلها ولا على شيوخ وأدباء وقفوه على حدود ألفاظها ووجوه تصاريف عباراتها، وإنما تعلمها في كثير من أحواله على الأقل عن طريق المعاجم اللغوية مثل التهذيب وغير التهذيب ومن ثم كانت أساليبه في بعض جوانبها شديدة الانحراف على الذوق العربي، وكانت في حاجة إلى شرح وتبيان وإيضاح، وفعلا وضعت لها الشروح والتفاسير حتى يمكن فهمها
ونحن نعجب الآن لفكرة التفاسير والشروح التي سادت عند العرب في العصور الوسطى. وأظننا نطلع الآن على علة من عللها. فإن أصحاب الفلسفة كتبوها في شكل يحوج منذ أول الأمر إلى التبيين والتأويل، وأصبح ذلك سمة من سمات التفكير العلمي عند العرب، حتى كتب البلاغة ألفها أعاجم تأليفا غامضا عويصا، فشرحت، وشرحت الشروح، وصار ذلك ظاهرة من ظواهر العقل العربي، أن كتبه لا تجرى سلسة سائغة، وإنما تجرى ملتوية متعثرة وركز العلماء، كما ركز المتفلسفة، جهودهم في أن يزيلوا هذا التعثر والالتواء من الكتب، وأن يعودوا بها شيئا مفهوما يدخل في الأذهان. وفي هذا الحيز
المحدود أودعوا نشاطهم الذهني، أو قل إنهم حبسوه وسجنوه فيه
على كل حال يعد ابن سينا في رأينا مسئولا إلى حد كبير عن شيوع الغموض في الأسلوب الفلسفي وشيوع التحجر المنطقي فيه، بل شيوع العجمة والانبهام في معانيه
ومما يتصل بهذا الجانب عنده أن أسلوبه لا يطرد في سياق واحد، فتارة يستقيم، وتارة يلتوي، وتارة يتضح، وتارة يمتلئ بالغريب والحوشي من الألفاظ. وخير مثل لذلك رسالة القضاء والقدر. وليس كل ما يلفتنا فيها استخدام الغريب غير المألوف من القول ، بل يلفتنا أيضا استخدام واسع للصور والتشبيهات، وكأننا لسنا بصدد تفكير فلسفي وإنما نحن بصدد تفكير أدبي تغلب عليه النظرة العامة دون النظرة الفاحصه التي تعبر عن الحقائق لا بطريق التخيل والإيهام، وإنما بطريق التفكير المجرد وعرض المعاني عارية بدون زخرف من تشبيه أو استعارة
وكأنى بابن سينا يعتقد أن التعبير الفلسفي لا بأس أن يحتمل قوى مدخرة من الرمز، وقد عمد إلى هذا الرمز كثيرا كما في رسالة الطير وقصة حي بن يقظان وقصيدة الورفاء التي يفتتحها بقوله: هبطت إليك من المحل الأرفع. واستمع إليه يقول في كتابه (الإشارات):
إذا قرع سمعك فيما يقرعه. وسرد عليك فيما تسمعه قصة سلامان وأبسال، فاعلم أن سلامان مثل ضرب لك وأن أبسال مثل ضرب لدرجتك في العرفان إن كنت من أهله ثم حل الرمز إن أطقت. ولسنا بصدد تفسير هذه القصة إنما نريد أن ندل على أن ابن سينا كان يستخدم الرمز في تعبيره الفلسفي عامدا، ويتخذ له طريقة المشابهات، وهي طريقة لا نرضى عنها عند الفلاسفة إنما نرضى عنها عند الأدباء والشعراء حين يشبهون شخصا مثلا بالأسد في الشجاعة أو بالنجم في السمو والرفعة ونحو ذلك مما لا يحققون فيه كلامهم، وهذا من حقهم، لأنهم يبنون كلامهم وأقوالهم على التقريب والتخييل لا على التحقيق وجهة المعنى الدقيقة
وفي ابن سينا جانب لم تتحدث عنه حتى الآن. وهو استخدامه للشعر في صياغة بعض معارفه الفلسفية، وقد أكثر في هذا الاتجاه من صنع الأراجيز، وبذلك كان
من أهم المؤثرين في هذا العمل الذي يشبه إلى درجة بعيدة ساقية جحا تلك الساقية التي يقال إنها كانت تأخذ ماءها من البحر، ثم تدفعه إليه. فهذه الأراجيز التي أضاع فيها أوقاتا غير قليلة لينظم فيها طبا وغير طب لم يكن في حاجة إليها، ولم تفد الفكر العربي أي فائدة، سوى ما يمكن أن نسميه تثاؤبا أصاب هذا الفكر. فلم يمتد، ولم ينبسط، بل تراجع ليوضع في عبارات موسيقية مرصوفة، تساعد على الحفظ لا على الاتساع في الفهم. وبذلك هيأ ابن سينا الفكر العربي من هذه الناحية لغير قليل من الجمود والتكرار والعناية بالصيغ المحفوظة ونحن لا نشك في أن كل ما قدمناه إنما هو أعشاب
ونباتات متسلقة طغت على شجرة الفكر الفلسفي عند ابن سينا، ولم نرد بجمعه وإحصائه أن نحط من قدره أو نزرى على صنيعه، إنما أردنا أن نصور المادة اللغوية لأسلوبه وسر الالتواء فيها، وهو التواء ورثه عمن نهضوا أولا بالترجمة والنقل للفلسفة اليونانية، واستمر عالقا بأسلوبه وأساليب كثير ممن جاءوا بعده، مما ساعد على أن يجرى التفكير الفلسفي عند العرب منفصلا أو يكاد عن تفكيرهم العام، فلم يطبع عقلهم العربي بطوابع يونانية دقيقة، بل ظلت له خواصه الأصلية، وظل محتفظا في كثير من جوانبه، وخاصة في الشعر والنثر الفني، بهذه الخواص على مدى العصور والأجيال

