الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 138الرجوع إلى "الثقافة"

بين ابن المعتز وابن المعز

Share

أبو العباس عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد ، علم من أعلام الأدب العربى ، وأديب من أولى القرائح النافذة المخترعة ، ومؤلف من السابقين إلى التأليف فى البيان والشعر وأخبار الشعراء والغناء ، وشعره وأخباره من النباهة بالمكانة التى لا تحوج إلى البيان فى هذا المقال ، وهو شاعر بنى العباس ؛ أشاد بمآثرهم ، وجادل عن

خلافتهم ، وتصدى للطالبيين يرد عليهم حججهم فى الخلافة ، ويعاتبهم مرة ويهجو أخرى .

ولد سنة ٢٤٩ ه وتوفى سنة ٢٩٤ ه مقتولا فى فتنة بويع فيها بالخلافة ، فلم تدم له إلا يوما واحدا .

-٢-         وتميم بن المعز لدين الله الفاطمى ولد فى المغرب سنة ٣٣٧ ، وقدم إلى مصر مع أبيه سنة ٣٦٢ ، وتوفى فى خلافة أخيه العزيز بالله سنة ٣٧٤ .

وكان شاعرا مكثرا مفتنا فى شعره ، صور فيه كثيرا من مناظر الطبيعة ، وبدائع الصناعة فى مصر . واجتمع له ما اجتمع لابن المعتز من أسباب العزة والفخر ووسائل النعيم واللهو ، وحرم كلاهما الخلافة ، ولكن ابن المعز لم يجد فى مصر أمرا مضطربا يؤمل فيه الثورة على أخيه ، ولا يخلو شعره من أبيات تنم عن تهم ووشايات خفية بينه وبين أخيه .

وكان تميم شاعر بنى فاطمة ، كما كان ابن المعتز شاعر بنى العباس . وقد حفزه هذا التشابه والتناظر إلى أن يتشبه بابن المعتز فى شعره ، على قدر ما واتاه طبعه وأدبه .

ولست أريد الموازنة بين الرجلين فى هذا المقال ، ولا المقايسة بين ما قاله ابن المعتز عصبية لبنى العباس ، وما قاله

ابن المعز عصبية لبنى على ؛ ولكنى أعرض على القارىء قصيدتين نقيضتين يظهر فيهما مجادلة ابن المعز لابن المعتز فى مآثر بيتيهما صريحة شديدة .

ولا ينس القارىء أن تميما ولد بعد وفاة عبد الله باحدى وأربعين سنة .

قصيدة ابن المعتز مطلعها : ألا من لعين وتسكابها      تشكى القدى وبكاها بها

ويقول بعد مقدمة يخلط فيها الغزل ووصف الخيل والابل ، بالاشارة إلى مقصده :

نصحت بنى رحمى لو وعوا         نصيحة بر بأنسابها

وقد ركبوا بغيهم وارتقوا            بزلاء تردى بركابها

وراموا فرائس أسد الشرى         وقد نشبت بين أنيابها

دعوا الأسد تفرس ثم اشيعوا       بما تدع الأسد فى غابها

قتلنا أمية فى دارها                 ونحن أحق بأسلابها

وكم عصبة قد سقت منكم الـ     خلافة صابا بأكوابها

إذا ما دنوتم تلقنكم               زبونا وقرت بخلابها

ولما أبى الله أن تملكوا             نهضنا إليها وقمنا بها

وما رد حجابها وافدا             لنا إذ وقفنا بأبوابها

كقطب الرحى وافقت أختها     دعونا بها وغلبنا بها

ونحن ورثنا ثياب النبى            فلم تجذبون بأهدابها ؟

لكم رحم يا بنى بنته             ولكن بنو العم أولى بها

به غسل الله محل الحجاز         وأبرأها بعد أوصابها

ويوم حنين تداعيتم              وقد أبدت الحرب عن نابها

فمهلا بنى عمنا إنها           عطية رب حبانا بها

وكانت تزلزل فى العالمين       فشدت إلينا بأطنابها

وأقسم أنكم تعلمون          بأنا لها خير أربابها

احتجاج ابن المعتز فى هذه الأبيات يقوم على ما فعل العباسيون لأخذ الخلافة من بنى أمية ، وأنهم حازوها قسرا ، ودافعوا عنها وحافظوا عليها ، وأنهم أولى بميراث

الرسول إذ كان العباس عم الرسول أولى بميراثه من بنى بنته ، وهى حجة طالما احتج بها العباسيون وأنصارهم ، وأشاد بها الشعراء منذ قال مروان بن أبى حفصة قصيدته التى يقول فيها : أنى يكون ، وليس ذلك بكائن      لبنى البنات وراثة الأعمام ؟

فتلقفها عنه أبان اللاحقى ورددها فى شعره .        ثم تنظر كيف رد ابن المعز حجج ابن المعتز فى قصيدة على الوزن والفافية .        بدأ قصيدته بهذه الأبيات :

إذا فزع الشوق حب القلوب        كواها بشدة تلهابها

أرقت لبرق أضاء الدجون           وأذهب حلكة أطنابها

سرى والدجنة منشورة               فمزق أعلام أثوابها

ويصف السحاب والبرق والمطر والرياض ومجلس الشراب ، ثم يقول :

دعانى فلست بمستحسن           لطرق المجون وآدابها

ألا قل لمن ضل من هاشم          ورام اللحوق بأربابها :

أأوساطها مثل أطرافها              أأرؤسها مثل أذنابها

أعباسها كأبى حربها                 على وقاتل نصابها

وأولها مؤمنا بالآله                   وأول هادم أنصابها

بنى هاشم قد تعاميتم               فخلوا المعالى لأصحابها

أعباسكم كان سيف النبى          إذا أبدت الحرب عن نابها ؟

أعباسكم كان فى بدره              يذود الكتائب عن غابها ؟

أعباسكم قاتل المشركين            جهارا ومالك أسلابها ؟

أعباسكم كوصى النبى              ومعطى الرغاب لطلابها ؟

أعباسكم شرح المشكلات          وفتح مقلف أبوابها ؟

عجبت لمرتكب بغيه                غوى المقالة كذابها

يقول فينظم زور الكلام            ويحكم تنميق إذهابها :

(( لكم حرمة يا بنى بنته            ولكن بنو العم أولى بها))

وكيف يحوز سهام البنين             بنو العم ؟ أف لقصابها !

بذا أنزل الله آى القران             أتعمون عن نص إسهابها ؟

لقد جار فى القول عبد الاله (١)        وقاس المطايا بركابها

ونحن لبسنا ثياب النبى                   وأنتم جذبتم بهدابها

ونحن بنوه ووراثه                          وأهل الوراثة أولى بها

وفينا الامامة لا فيكم                     ونحن أحق بجلبابها

ومن لكم يا بنى عمه                      بمثل البتول وإنجابها

ومالكم كوصى النبى                      أب ، فتراموا (٢) بنشابها

ألسنا لباب بنى هاشم                    وساداتكم عند نسابها

ألسنا سبقنا لغاياتها                       ألسنا ذهبنا بأحسابها

بنا صلتم وبنا طلتم                       وليس الولاة ككتابها

ولا تسفهوا آنفا بالكذاب                فذاك أشد لأتعابها (٢)

فأنتم كلحن قوافى الفخار                ونحن غدونا كإعرابها

وبين أن ابن المعز ينقض كلام ابن المعتز بتفضيل على على عمه العباس ، فى سبقه إلى الاسلام ، وشهوده الغزوات مع الرسول ، وبأنه الوصى ، والوصاية من قواعد مذهب الشيعة الامامية ، وعندهم أن الرسول صلوات الله عليه قد أوصى لعلى بالامامة ، وأوصى على للحسن وهلم جرا ، على اختلاف شيعهم فى سوق هذه الوصاية . وكذلك بفضل تميم علينا بأنه فقه مشكلات الدين وشرحها على رأى الشيعة فى علم الأئمة . ثم ينتقل ابن المعز إلى دعوى الارث ، فيبين ابن العلويين بنو الرسول ، فهم أولى بميراثه من عمه . وفى كلتا الدعويين بعض المغالطة . فالعلويون ليسوا بنى البنات فقط كما ادعى العباسيون ، بل هم بنو الأعمام أيضا ، وإن كان العباس وهو العم يحجب عليا وهو ابن العم . ودعوى العلويين أنهم بنو الرسول فى دعوى الإرث فيها ما فيها . على أن قياس الخلافة بميراث المال أصل الغلط كله .

ثم يرد حجة ابن المعتز فى جهاد العباسيين لأخذ

الخلافة ، بأنهم أخذوها باسم العلويين ، وكانت الدعوة إلى الرضا من آل محمد ، وكان بنو على أقرب إلى ظن الناس ، لأنهم طالبوا بالخلافة من قبل ، وقتلوا فى سبيلها أيام الأمويين .

وبعد ، فتلك أمة قد خلت ، وليست تغنينا هذه الحجج فى قليل ولا كثير ؛ ولكنها طرفة أدبية أن نتمثل هذين الأديبين ، يجادل لاحقهما السابق ، ويقتد آراءه ، وفى ديوانى الشاعرين قصائد أخرى تشتمل على ضروب من هذه الحجج .

اشترك في نشرتنا البريدية