الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 373 الرجوع إلى "الثقافة"

بين الأحياء المائية

Share

تحت هذا العنوان سأحاول أن أجول مع القارئ بين أحياء عالم غير العالم الذي نعيش فيه . عالم يزخر بالغريب من الأحياء ، زاد عددها إلي حد استحال على البشر حصره ، وتنوعت أشكالها ، فمنها الدقيق في حجمه حتى لا تراء إلا بالقوي من العدسات المكبرة ، ومنها ما كبر حجمه حتى صار أكبر المخلوقات وهكذا تجد تبايناً كبيراً بين الأحياء المائية ، وإن كانت تعيش في وسط واحد ، وقد كونت فيها بينها حلقة متصلة ، شأنها في ذلك شأن الأحياء الأرضية . وسنتناول في هذا المقال الكائنات الهائمة أي Planktons

أول ما يتجه إليه الإنسان إذا فكر في الأحياء المائية ، هو ما في البحر من أسماك وحيتان ودلافن (جمع دلفين) وقواقع وغيرها . وقد يذكر أعشاب البحر إن كان من سكان الشواطئ . ولكن هل هذا هو كل ما في الماء من أحياء ؟ كلا ، فالبحر كالجو ، مزدحم بالكائنات المتباينة ، منها الكبير الذي أشرنا إلى بعضه ، ومنها الدقيق الذي يصعب علي العين المجردة أن تبينه إلا إذا إستعانت بالمجهر وبينهما تدرج كالمألوف في الطبيعة عادة.

فإذا ما أخذنا نقطة من ماء البحر ، الذي قد يبدو لاعيننا رائقاً متجانساً ، ووضعناها على شريحة زجاجية ، وفحصناها بالمجهر ، تبين لنا أنها أشبه بحديقة الحيوان وقد إنتشر فيها الكثير من النباتات . ففي هذه النقطة المائية نجد أحياء دقيقة متباينة ، شكلاً ونوعاً وحركة ، هذه الكائنات الدقيقة هي قوام الحياة في البحار ، تحملها المياه من مكان لآخر على غير هدى ، ومن ثم سميت بالأحياء الهائمة . وهي نوعان : حيوانية ونباتية . والكائنات النباتية أساس الحياة ، إذ أنها تعتمد على نفسها في معيشتها ،

تتغذى على البسيط من المواد وعليها تعتمد الكائنات الحيوانية إذ تتغذى على بعضها . ثم إن عملية التمثيل الكلوروفيلي التي تقوم بها الكائنات النباتية تعوض الأكسجين المستهلك في التنفس كما يحدث على الأرض تماماً فتحفظ النسبة الملائمة ، وبهذا تجعل مياه البحر صالحة لحياة هذه الكائنات كما ينبغي .

وصغر الكائنات النباتية يزيد من سطحها المعرض للماء ، وبالتالي لامتصاص الأغدية من المحلول الذي يحيط بها ، إذ المعروف أنه لو إجتمعت الأفراد الصغيرة وكونت فرداً واحداً كبيراً لكان سطحه الخارجي أقل من مجموع أسطح الأفراد الصغيرة مجتمعة .

ولا تقتصر ميزة صغر الكائنات عند هذا الامتصاص فحسب ، بل إن هذا الصغر يساعدها كذلك على أن تفوز بقسط أكبر من أشعة الشمس ، كما يساعدها في أداء جميع وظائفها الأخرى بسهولة . فالكائن منها على بساطة شكله وتركيبه ، يقوم بكل وظائف الحياة من تغذية وتنفس وإخراج وتكاثر .

وفتكون العائمات النباتية غزيرة إلي حد كبير فتسبب تلون الماء في مساحات كبيرة علي الرغم من أنها لا ترى بالعين المجردة . وكان المعتقد أن معظمها يمكن إقتناصه بالشباك الدقيقة جداً ، ولكن ظهر بعد ذلك أن بعضها يستدق إلى درجة تمكنه من النفاذ من الشباك مهما ضاقت وتقاربت خيوطها . وقد إستطاع لومان أن يجمع من هذه الكائنات مقادير متكائفة ، باستخدامه طريقة الطرد المركزي وذلك بجمع كمية من الماء المتحمل بهذه الكائنات في أنبوبة ووضعها في آلة طاردة مركزية . فإذا ما دارت الآلة وفحصنا الأنبوبة ، نبينا في قاعها نكائناً يميزه بلونه القائم . وإذا أخذنا جزءاً من هذه المنطقة التي في قاع الأنبوبة ، أمكننا فحص هذه الكائنات ودراسة خواصها

والنباتات الهائمة كغيرها من النباتات المائية والأرضية تتغذي بامتصاص المحاليل الغذائية من الوسط الذي تعيش فيه ، كما تستعين بالضوء على القيام بعملية التمثيل ، لذا كان من الضروري لها أن تبقى طافية على سطح الماء لينالها من الضوء المقدار الكافي ، ولأن الضوء كما نعرف يتناقص القدر النافذ منه إلى أعماق البحار حتى بتلاشي عند عمق لا يزيد على ثلاثين متراً .

وتتكون كل واحدة من هذه الهائمات النباتية من خلية واحدة ، وأهمها المجموعة المعروفة بالديانوم شكل ١ . وهي خلايا لها هيكل من السيليكا ، ولونها بني مخضر وقد تحتوي الخلية علي نقطة من الزيت تساعدها على الطفو ، كما قد يكون لأفرادها أشواك تتشابك لتكون سلسلة متصلة تساعدها على أن تطفو علي سطح  الماء .

وتكثر نباتات الديانوم في الربيع ، فإذا ما بلغت أوجها من النمو والكثرة صارت غذاء صالحا لبعض الكائنات الحيوانية . ولا شك أن كثرة هذه الكائنات تستنفذ جزءا كبيراً من الأملاح في المياه السطحية ، فإذا ما حل الشتاء وبردت هذه المياه السطحية زادت كثافتها ، وغاصت إلي الأعماق ، وحل محلها مياه أخرى غنية بأملاحها . وإذا ما أقبل الربيع وبدأ الدفء ، نشطت نباتات الديانوم

وتكررت الدورة التي شرحناها ، ومعنى هذا أن نشاط هذه النباتات يسير مع فصول العام ، إذ تبلغ حدها الكبير من النشاط في الربيع ثم لا أن تسكن ويقل نشاطها وتكاثرها في الصيف ، ثم تعود فتنشط قليلا في الخريف ثم تسكن في الشتاء . وقد تعلل الزيادة في الربيع في معظم بلاد العالم بزيادة الضوء وإرتفاع درجة الحرارة ، وهذه الزيادة كما ذكرنا نؤدي إلي نقص كبير في المواد الأزوتية والفسفورية الضرورية ؛ لذا يقف النمو ، فإذا ما برد الماء تولدت تيارات مائية تغير من تركيب الماء ، فيساعد ذلك على نمو الديانوم وتكاثرها وفي الخريف يحدث نشاط محدود يعقبه سكون مدة الشتاء ، وذلك لأنخفاض الحرارة بالرغم من مجدد المياه ووفرة الغداء .

ومن الغريب أن هذا التعاقب الذي يلاحظ في نشاط الديانوم في معظم بحار العالم ، لا ينطبق على الحالة في مصر ، بل نلاحظ تبايناً كبيراً ، يختلف عند قرب مصبى نهر النيل ، وكذلك شمال قناة السويس وجنوبها وهذا ما نرجو أن نبينه في المقال الآتي إن شاء الله

اشترك في نشرتنا البريدية