نشرت مجلة (الأزهر) الغراء كلمة تحت هذا العنوان في جزئها العاشر لسنة ١٩٥٢ أشار فيها إلى المصلح الاجتماعي الدكتور فرانك بكمان فوصفته بأنه قصد إلى تغيير المجتمع بتغيير، أفراده ووسيلته أن يتسلح كل فرد بمبادئ يأخذ بها نفسه في غير تساهل، ومن هذه المبادئ الاتجاه إلى الله والإصغاء إلى أوامره وطاعته، وأن يحاسب المرء نفسه كلما أذنب مصمما على أن يتجنب الرذائل، وأن يتعاون الأفراد على تحقيق هذه المبادئ كي تسود في المجتمع (فالانقسام من علامات عصرنا. . . والاتحاد مطلبنا العاجل. والانقسام نتيجة التكبر والحقد والشهوة والخوف والطمع وهو من صنع المادية وهو العلامة التي تميز بضاعتنا)
وهذا تلخيص موجز بليغ لحركة التلسح الخلقي. . . وقد أشارت المجلة أيضا إلى فصل عقده أحد الكتاب في المجلة الإسلامية التي تصدر باللغة الإنكليزية في ووكنج بإنجلترا مقارنا فيه مقارنة طريفة بين مبادئ الإسلام الخلقية وبين ما تدعو إليه حركة التسلح الخلقي. ومما قاله هذا الكاتب وهو هولاندي يدعى فرانز ستال أن التوبة في إسلام هي وسيلة تغيير الأفراد وهي لسلاح خلقي عظيم.
وقد أحسنت مجلة الأزهر بإيرادها الإشارة إلى رأيه في المقارنة بين الآداب الخلقية في الإسلام وبين حركة التسلح الخلقي بعد تلخيصه مبادئ تلك الحركة
وبقي أن يلم القارئ إلمامة سريعة بالأسباب وبالظروف التي دعت إلى نشأة هذه الحركة، ولما كان كاتب هذه السطور أحد الذين اتصلوا بهذه الحركة الخلقية وحضروا بعض المؤتمرات التي دعت إليها جماعة التسلح الخلقي في سويسرا وخطب في تلك المؤتمرات مقارنا بين مبادئ الإسلام وبين أهداف هذه الحركة فمن واجبه أن يتحدث عما رآه وما عرفه عنها
كان الدكتور بوكمان يعمل سنة ١٩٢١ مدرسا في مدرسة أمريكية وكان منهجه في الحياة أن يقضي في التدريس نصف العام
ويقوم برحلات في أرجاء العالم المختلفة في النصف الآخر
وفي خلال سنة ١٩٢١ دعي لحضور مؤتمر (نزع السلاح) في واشنطن وكان السفر إلى تلك المدينة يستدعي بين ليلة في غربة النوم بالقطار - وقد سافر ولكنه لم ينم الليلة وانحصر تفكيره في نزع السلاح) وفي الأسباب التي دعت إليه. ووصل التفكير إلى أن السلاح الذي لا ينزع والذي لا خطر على الخير في استعماله وفيه على الشر الخطر الأكبر هو سلاح الخلق
في هذه اللحظة كان مولد فكرة التسلح الخلقي وقد كان من بين ما فكر فيه أن الحرب الكبرى (١٩١٤ - ١٩١٨) التي أدت إلى مؤتمر نزع السلاح لم تحدث (تغييرا) في العالم ولم تفرق بين ما قبلها وما بعدها؛ وفكر بمثل المعنى الكريم الذي تضمنته الآية
(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) - فجعل وسيلته لنشر مبادئ التسلح الخلقي في الدعوة إلى التقوى وفسرها بأنها الإصغاء لصوت الله وطلب الوقاية منه دون غيره، وقال في نفسه إن الله لن يحدث تغييرا في الناس حتى يحدث التغيير لما في أنفسهم، فقرر أن يستقيل من عمله وأن يتفرغ لدعوته؛ فالدعوة وفقا لنشأتها كانت رد فعل لويلات عالمية، واستجابة لدعوة بنزع السلاح تجنبا لتكرار المأساة الدامية، وصراعا مع العوامل التي كانت تهب لتصل إلى الحرب العالمية الثانية
وقد حدثت تلك الحرب وكان من بين آثارها تعليم الناس أن ميدان القتال ليس هو وحده مجال الحروب، فالحرب في المجال الاقتصادي وفي ميادين العمل وفي الأسرة وفي كل مكان سببها التكالب على المادة ولا سبيل إلى وضع حد لها إلا التمسك بالخلق بمحاربة الأنانية
وكما نشأت الحركة في أعقاب حرب فقد زاد نشاطها وكثر عدد المؤمنين بها بعد الحرب الثانية وكان هذا رد فعل لها وصراعا للعوامل التي لا تزال تدب لتصل بالدنيا إلى حرب عالمية ثالثة
وكلما خطت هذه الحركة خطوة في سبيل توحيد الناس بالتمسك بما لا خلاف عليه بين أديانهم ومصالحهم وعرفهم - خطت هذه الحركة خطوة في هذا السبيل تبين أنها تتأثر الإسلام وتصاحبه قاصدة إلى أهدافه
وليست هذه الحركة ذات عصبية فهي ليست بالهيئة التي
تدعو إلى الانضمام إليها ولكنها فكرة يعاش بها وشعارها (أن في العالم من الخيرات ما يكفي حاجة كل إنسان ولكن ليس فيه ما يكفي مطامعه)
وقد كان لي في أحد المؤتمرات في سويسرا شرف الموازنة بين الإسلام وبين مبادئ هذه الحركة؛ كما خطب فيها من المسلمين من شهدوا بأنها تتأثر مع ديننا الحنيف وتتمشى معه رجال مسؤولون من بينهم سعادة محمد صلاح الدين وزير الخارجية السابق وسعادة عبد الرحمن عزام الذي أكد (أنه يعضدها على اعتبار أنها تتوافق كل التوافق مع العقيدة الإسلامية)
الإسكندرية
