الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 587 الرجوع إلى "الثقافة"

بين الإنسانية وأصدقائها، للأستاذ أبى الحسن على الحسنى الندوى

Share

هذه مقالة للأستاذ أبى الحسن على الحسنى الندوى ، ظهرت فى صحيفة " تعمير " الأردوية ثم نقلت إلى اللغة الانجليزية ، ورأيت أن أنقلها إلى اللغة العربية لما فيها من الحقائق عن الحياة التى تهمنا جميعا معرفتها .

تحوى الأساطير الهندية كثيرا من الحكم ، يبدو لنا أن حكما ، هذا القطر قد أعربوا عن دقائق الفلسفة فى لغة سهلة وأسلوب جذاب ، أو حاولوا نقل الحقائق الجافة إلى الحياة العامة ، نحن نستطيع أن نتلقى دروسا قيمة فى الفلسفة والحياة بواسطة هذه الأساطير المتواضعة .

ومن الأساطير والحكايات التى حدثتنا بها فى الصغر الأمهات وبجائز البيت أسطورة امرأة شقية كان جسمها حافلا بالإبرات السامة وتولت ضرتها اقتلاع هذه الإبرات فاقتلعنها إبرة إبرة ، وتظاهرت بالشففة والإخلاص وتركت إبرات العينين عمدا ؛ فيقيت المرأة تتململ من شدة الألم لا ينطبق لها جفن ولا تكتحل بنوم ؛ ونحن بصدد هذا الجزء من الحكاية فحسب .

إذا فكرت فى الإنسانية وأصدقائها ، ودرست أحوالها لوجدت قصتها تشبه قصة المرأة البائسة تمام الشبه ، قد تمزق جسمها بالإبرات السامة التى دخلت فى جميع هيكلها فتمتد أيدي الغوث والرحمة إليها لتقتلعها ، ولكنها تغفل العينين اللتين لا يفر قرار الرجل إلا بسلامتهما ؛ فلا يتم خلاصها ولا يهدأ بالها ، فتغدو وتروح جريحة الهيكل كليمة الروح مضطربة البال ، ثم تستأنف الجهود من غد وتنقطع من غير أن تكمل مهمتها وتبلغ غايتها .

الإنسانية تمثل الجسم البشرى فى أعضائه وأجزائه فهى جامعة للنواحى الحيوية بأسرها ، وإنها تفتظم الجسم والبطن والرأس والقلب والروح والنسمة ، وتحل بهذه النواحى أنواع من البلاء والشقاء ، وهى إبرات جسمها التى تشقى بها وتتجرع على أيديها مرارة الحرمان والألم .

الفاقة والبؤس وفقدان المواد الغذائية الصالحة هى إبرات البطن والمعدة التى تشقى بها الإنسانية وتتعذب ، ومن الشقاء للعالم البشرى ، ومن المخجلات المندبات أن لا تجد أغلبية البشر الساحقة ما تسد به فاقتها وتشبع به بطنها لسوء تصرف حفنة من البشر فى توزيع المواد الغذائية او لعسف حكومة جائزة رغم سخاء القدرة الإلهية وثروة الحقول الزراعية ، وأن لا تجد البشرية حاجتها من الطعام والغذاء بعد أن تفيض الحقول زرعا وندر الأرض لبنا وعسلا .

الإنسان جسد مع الروح ، والجسد يشعر بالحرارة والبرودة ، فهو دائما فى حاجة إلى الكسوة واللباس ، وقد انزل الله لباسا يوارى سوءات الناس وريشا ، وأهم الإنسان كيف يزرع القطن ، وكيف ينسج الثوب ، واشتغلت الأيدى العاملة فى الحقول والمصانع ، فكانت كميات فائضة من القطن والنسائج ، فمن الجور الفاحش والظلم المبين أن يلجىء إسراف بعض الرجال فى الملابس أو احتفاظهم بها فى صناديق ومستودعات كثيرا من الناس إلى العرى ، أو يكسو الأغنياء ، جدرانهم ، فلا يجد الفقراء من اللباس ما يستر جسمهم ويفهم البرد والحر .

إن المرء يحمل فى جنبه قلبا نابضا له رغبات وعواطف طبيعية لا ضرر فيها ولا اعتداء ، فلا يجوز أن يقف الإنسان سدا فى سبيلها ، وقد وهب عقلا وذكاء ، فلا يجوز لأحد أن يمنعه عن العلم ويحول بينه وبين التفكير ؛ فإذا فعل ذلك فرد أو حكومة كان الإنصاف للإنسان المرهق وتحرير فكره خدمة بارة للإنسانية ، وعملا يستحق الشكر والثناء

الثقافة لا تزدهر ، والمدنية لا ترتقى ، وقوى الرجل الروحية والمادية لا تنمو أبدا . إذا كانت فى البلاد سلطة مستبدلة وحكومة غاشمة ، فنرى أن الحكومات الأجنبية والدول المستبدة تستولى على وسائل الحياة وتتولى توزيعها . فطورا تستأثر بها وتارة تقسمها قسمة ضيزى ، وأخرى تحول بين الأمة ومنتجاتها ونمرات كدحها وخزائن أرضها ، فتعيش فى ديارها عيش الغرباء أو الصماليك الطرداء ، فلا تلبث أن تحمد عواطفها وتجمد قرائحها وتضيع مواهبها فتكون أمة خامدة ضائعة . فلا شك أن الاستعمار أو الاستبداد عدو لدود للإنسانية وظلم عظيم للأمة ، وأن جلاءه عن البلاد نعمة وسعادة تستحق الأمة عليها كل تهنئة

إذا فالجوع والعرى والأمية والاستبداد هى الإبرات التي لا تفتا تجرح الجسد البشرى وتؤلمه ، ومن الواجب إزالة هذه الآفات وتخليص الأمة منها .

ولكن هل هذه الكرب والألام هى جل آفات البشرية ، وهى إبرات جسمها فحسب ؟ وإذا قلعت هذه الإبرات اطمأنت القلوب ونعمت الأبدان وقرت العيون وصفا العيش وطاب النوم وزالت الهموم والأ كدار ورجع كل شئ إلى نصابه ؟ .

لقد كان الخطب يسيرا جدا لو كان ذلك ، ولكن الأمر مع الأسف ليس كذلك ، والواقع لا يؤيده .

إن القوت واللباس والعلم والحرية ليست كل شئ فى الحياة وليست دواء كل داء ، إن فى جسم الإنسانية إبرات سامة غير الإبرات المذكورة ، وهى تجرح قلبه وتذيب حشاشته . خذ مجتمعا قد وصل إلى كل مطلوب وقضى كل حاجة فى نفسه ، فنال الحرية والأستقلال ، وجمع بين العلم والأموال ، واجتمع له كل ما يمكن من أسباب السعادة المادية والهناء ؛ هل تراه هادئا مطمئا لا يشكو ولا يئن ؟ .

الأمر ليس كذلك كما نعرف جيدا ، بل ربما يكون هذا المجتمع السعيد أشد قلقا واضطرابا وأكثر شكوى وعتابا من غيره ، فما السر فى هذا ؟ سر ذلك أن الإنسان قد يظهر فى بطنه الطبعى بطن كاذب ، وهو بطن الجشع والشح الذى لا يزال صائحا مثل

جهنم : " هل من مزيد ؟ " إنه لا يعشق المال لأنه قنطرة إلى حاجاته أو شهواته - على الأكثر - بل قد يكون غرامه له كفاية ونهاية ، هنالك لا يطفئ غلته أعظم مقدار من المال وأعظم مجموع من الدراهم والدينار ، بل يركب رأسه فى شدة غرامه وولوعه بالمال ويرتكب كل محظور ومنكر ، لأنه قد فقد الحاسة الخلقية وحرم الضمير والعقل وجن بالمال جنونا ؛ وأحقر مظاهر هذه النفسية والطبيعة الغربية السوق السوداء وابتزاز الأموال من كل وسيلة وطريق .

إذا درسنا تاريخ العالم الخلق درسا عميقا ، وفحسنا أسباب الفوضى الاجتماعية والانحلال الخلق فحصا دقيقا . وفكرنا فى رءوس المسائل والمشاكل التى تواجه الحياة القومية والاجتماعية اليوم ، وجدنا أنها لا يتجع إلى الضرورات والحاجات الطبيعة فى غالب الأحوال ، بل إلى الرغبات الباطلة والحاجات الكاذبة والشهوات المصطنعة فى الغالب ، وهذه الشهوات هى التى تغرى صاحبها بالمحظورات والجايات ، وتتولد منها أزمات طريفة ومشاكل معقدة فى الحياة المدنية وفى كل نظام حكومى ، وتحث على الاعتداءات والتدليسات والخيانات والعنف والارتشاء والمقامرة والأكتناز والاحتكار والخداع ، وتتورط لأجلها أعظم الدول والأمم فى الفوضوية واللادستورية .

لو بحثت فى الأزمات والمشاكل لاقتنعت بأن تضر مطالب أغلبية ساحقة وكثرة الحباع العراة فى بلاد ليست هى علة الاضطراب واختلال الحياة الاجتماعية ، إن هؤلاء الحياع والعراة لم يضيقوا على الناس ولم ينغصوا عيش أحد فى القطر ؛ أولئك هم الطاعمون الكاسون الذين لا تشبع أنفسهم بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ولا تنقطع رغباتهم ، هم الذين ملأوا الدنيا فسادا واضطرابا ، إن قائمة الحوائج الصادقة ليست بطويلة جدا كما يتوهم بعض الناس وكما يغالط أكثرهم ، ولكن قائمة الحوائج الكاذبة لا حد لها ولا نهاية ، وهى تستمر فى الأزدياد والتضخم على مر الأيام والليالى ، وقد تتضخم حتى لا تكفى رجلا واحدا ثروة هائلة ، بل ثروة مدينة بأسرها .

لماذا هذا الغلاء الفاحش واختفاء الأشياء والتضخم النقدى ؟ الآن أغلبية البلاد جائعة عارية ؟ لا ! بل لأن شهوة المادة قد طفت وتخطت كل حد ، وبلغ غرام الثراء حد الوله والجنون ، واتمحت القناعة من الحياة ، وتسرب الصلف والرياء وحب الجاء والزينة فى جسم المدنية فأحال الحياة إلى الشقاء وصير الدنيا دارا للعذاب والبلاء ، فنواجه فى كل منعطف ومنعرج ارتشاء مسرفا وسوقا سوداء وأرباحا جائزة .

لكن هل ترتكب هذه المحظورات لأن الجوع . أو العرى قد جاوز حده ؟ لا ! إنها أعمال طبقة فضلت أقواتها وملابسها عن حاجاتها ، وأجتمع عندها من الكماليات وفضول الحياة وأدوات الزينة والفخار شئ كثير . إنك لا تجد فى هذه السوق السوداء فقيرا لا يملك قوت يومه ولباس جسمه ، ألا إنها لأفاعيل أصحاب اليسار والأموال الذين قد حيزت لهم الدنيا بأطرافها وحذافيرها ، ثم لا رادع لهم عن الخيانة واختلاس أموال الناس .

إن حاجات الإنسان الطبيعية الصادقة خطها يسير وإنه لسهل أن يجد كل إنسان فى بلاد ما يشبعه ويكسوه وكل ما يحتاج إليه فى حياته ، ولكن هل تستطيع دولة من الدول الكبيرة أو شريعة من الشرائع العادلة أن ترضى حفنة من السكان فى حاجاتهم الكاذبة ورغباتهم الباطلة ؟ وهل تقدر أن تشبع بطنا واحدا يشكو الجوع الكاذب والذى لا يشبع وإن أكل رزق الناس أجمعين

فإذا كانت المسألة مسألة الرغبات المختلفة لا الرغبات الصحيحة ، وإذا كانت العلة الاشتهاء الكاذب لا الاشتهاء الصادق ، فهل تقدر فلسفة اقتصادية أو نظام معاش قد تكفل الطعام واللباس فقط ولا يتعرض للضمير الإنسانى ولا يغير نفسة المجتمع وطبيعته والذى يشعل الحس المادى ولا يعد له . أن يحمل مجتمعا واحدا على الرضاء والقناعة وهدوء البال ؟ وهل يستطيع كذلك أن يطلق سراح الحياة من الأزمات الراهنة بعد أن أخذت بالخناق وأناخت على الدنيا بكلاكلها .

إن الارتشاء والسوق السوداء والغلو فى الأرباح والجنايات ليست إلا نتيجة نفسية تدين بعبادة المال والتفانى

فى سبيله ، ولن يقف هذا الفساد عند حد إذا لم تتغير هذه النفسية ، بل إذا سد باب فى وجه فساد تتفتح له عشرة أبواب على مصاريعها ، لان الذهن البشرى له نوافذ وأبواب كثيرة ، كلما سد منه منخر جاش منخر .

إن علة الدنيا الحاضرة وداءها العضال أنها دست محموم الأثرة والشح وعبادة النفس فى شرابين المجتمع وعروقه ، فأصبح ضميره لا يؤمن إلا بالفائدة الشخصية والنفع العاجل فيرتكب أكبر رجل فى هذا المجتمع أشنع جريمة ، فإذا ائتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا حكم جار ، وإذا كان وزيرا آثر ذوى قرابته وأفاد نفسه وعشيرته وأصدقاءه وأضر بأمته وحكومته ، وإذا كان موظفا ماطل وتساهل وأبطا فى العمل حتى يرضخ له شئ من الدريهمات فينشط ويخف للعمل ،

وإذا كان ممثلا فى مجلس أو عضوا فى هيئة لم يمثل إلا شخصه ومصالحه ولم يفكر إلا فى فائدته فيوقع لأجله بلاده وشعبه فى خسارة فادحة ، وإذا كان تاجرا أقام السوق السوداء على قدم وساق ، وارتكب لزيادة ثرونه وتضخيم ماله كل ما تأباه الفضيلة والمروءة ويمنعه القانون ، فيجوع لأجله ألوف من الرجال ولا يبالي ، وقد يرابى الناس فيلقي على مئات من الفقراء أثقالا من الديون الفادحة ، فيحتاجون إلى مليم واحد وقرص واحد ولا يجدون إليه سبيلا .

وغلب شيطان الآثرة على الدول والأحزاب حد أن كان مستوليا على الأفراد والرجال . فالأحزاب السياسية ممنة فى الأثرة والعصبية الحزبية ، أما الجمهوريات الأوربية والأمريكية فقد جرت منها الأثرة مجرى الروح ، فتدوس الدويلات الصغيرة بقدمها وتمتهن حريتها وكرامتها وتحرمها متعة الحياة وتجعلها لها مستعمرات وأسواقا لبضائعها وصنائعها ، فحولت هذه الأثرة العالم كله إلى متجر أو كور حداد ، لا ترى فيه إلا تعاطيا فى الدرهم والدينار أو سحائب من النار والشرار ،

والأرض كلها إلى ساحة حرب واسعة وقد استهان أصحابها فى سبيل منافعهم بالعهود والذمم ، واستحلوا أشنع جريمة وأكبر جناية ، إذا اقتضت ذلك ظروف وأحوال ، فيقتل ألوف من البشر بأمرها ، وتسيطر دولة على دولة أخرى ضعيفة بأسماء مختلفة وعلل واهية ، وتباع أمة لأمة أخرى بثمن بخس

دراهم معدودة كالضان والغنم ، وتنقل من يد إلى يد كالرقيق والجماد ، وتقطع بلاد موحدة - يجمع بينها الدين واللغة والحضارة والقومية - قطعا كالثوب ، هذه الآثرة القومية الأوربية التى هاجت العرب ضد الاتراك - وكلهم مسلمون ،

فلما أتموا دورهم فى الحرب الكبرى وكتبوا سطور نصر الخلفاء بدمائهم أشاحوا عنهم وتناسوهم واقتسموا بلادهم كالمال السائب أو تراث ميت ، حتى إذا أرهقتهم الأحوال واضطروا إلى منح الاستغلال أقاموا فى سوريا الصغيرة أربع دويلات مستقلة ثم زينوا لليهود والوطن القومى وألهموهم تأسيس دولة مستقلة وقدموا لهم كل مساعدة ، حتى إذا أصبح وطن اليهود أمرا واقعا وقامت دولة إسرائيل تصادمت مصالحهم وأهواؤهم وتضاربت الأثرة بالأثرة ، وما مسألة فلسطين اليوم ، وما تعقدها والتواؤها إلا نتيجة أثرة بريطانيا وأمريكا وروسيا القومية ونتيجة تنافسها فى استغلال الشعوب ومنابع ثروتها والسيطرة على الشرق الأدنى ؛ كذلك حدث فى الهند ، فقد استغلتها بريطانيا وحلبت ضرعها قرنا ؛ فاما أخذت بالجد والجأتها الأحوال الدولية إلى أن تمنح الهند الاستقلال عاملت هذه البلاد التى عاشت عليها دهرا شر معاملة ،

فأشعلتها نارا على أهلها ولم تغادرها حتى جعلتها مذبحا يقتل فيه بعضهم بعضا ، ولم يكن ما صدر من أهل الهند سنة ١٩٤٧ عام الاستقلال إلا بإلهام الأجنبى وتدبيره الخفى ونتيجة الأثرة والتربية الخلقية التى نشأ عليها أبناء هذه البلاد قرنا كاملا فى ظل الإنجليز والتى أخذتهم بها السياسة الإنجليزية والفلسفة الأوربية والنزعة الجنسية التى جاء بها الأوربيون .

ثم تلك الأثرة الجاهلية قد بعثت فى العالم كله وفى نواحى البلاد كلها طبيعة المطالبة بالحقوق والتهاون بالواجبات ، فقام كل واحد فى الدين يطلب ما له على غيره ولا يؤدى ما عليه لغيره . ونشأ الناس ومردوا على التطفيف ، إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزعوهم يخسرون . فأحدثت هذه العقلية الغربية فى جميع الأرض نزاعا بين الأفراد وعراكا بين الأحزاب وجدالا بين الطبقات وصراعا بين الجماهير والحكومات ، وظهرت ثورة عنيفة فى العمال والتجار

والفلاحين والموظفين ضد الحكومات ، وعمت الإضرابات والتهديدات والاضطرابات فى المدن ، وكل يبالغ فى حقه ويحفى فى المسألة ويتغافل عن واجبه ويخون فى وظيفته ، حتى صارت الحياة سلسلة من مطالبات ومصارعات ، وأصبحت الحياة حيلا محدودا يتجاذبه الفريقان من طرفيه .

مهما بالغنا فى ذم هذه الأثرة والتذمر منها وتوجيه اللوم إلى هذه المدينة وقادتها ، فإن سبب هذه الأثرة الجارفة والمدنية الشقية بأهلها واضح جلى ، فإذا كان الاعتقاد السائد أن لا حياة بعد هذه الحياة الفانية ولا نعيم بعد هذا النعيم الزائل والعهد الراحل ، وإذا كان أدبنا وفلسفتنا وبيئتنا كلها لا تحدثنا إلا عن المادة وحدها ، وتخضع لأصحابها خضوع الدليل المستكين وتتغنى بمجدهم وتحث على اقتناء أثرهم وتقليدهم فى الحياة ، وتنكر كل حقيقة دينية وخلقية ، وإذا ماتت فكرة الحياة بعد الممات وإذا تركت القيم الخلقية والحقائق الفاضلة ميدانها للقيم المادية الجسدية ، وإذا تضخم الجسم والبطن على حساب القلب والضمير حتى وسعا الحياة كلها وحجبا الحقائق الخلقية والمعانى الروحية ، فكيف لا يصير الرجل فى هذا المحيط ماديا عضوا وكيف يؤخر ربح حياته الحاضرة وثمراتها للغد الموهوم ؟ وكيف يستبقى ويدخر لذته وهناءه للاخرة التى لا يؤمن بها ؟ إنه إذا لم يؤمن بالعزيز الجبار العليم الخبير الديان المهيمن الرقيب الذى هو مالك يوم الدين والذى يعلم خالة الأعين وما تخفى الصدور ، فكيف يتردد فى استخدام الوسائل التى تهيئ له عيشا رغيدا وجاها عريضا ومالا محدودا .

ولما حصرت الفلسفة السياسية المادية حياة الإنسان فى القومية والوطنية واستخفت بكل من يعطف على بنى آدم عامة ويواسيهم وكل من يؤمن بالحياة الآخرة الخالدة وكل من يحب الإنسانية ولا يتقيد بوطن أو جنس ، أصبح الإنسان - إذا ارتفع عن الآثرة الشخصية والمنافع الفردية - لا يفكر إلا فى مصالح وطنه ومنافع شعبه ، وقد تصل به هذه الوطنية والقومية إلى الاحتلال والاستعمار والقسوة والهمجية ، فيرى من واجبه الوطنى والقوى المقدس ومن وفائه لأمته

وتفانيه فى سبيلها أن يؤسس دولة أمة على أنقاض دولة أمة أخرى وعلى أشلائها ، وهذه هى الوطنية التى حدث بأوربا المتعدنة إلى استعمال كل قسوة ووحشية فى توسيع مملكاتها وإخضاع الأمم والشعوب لدولها وسياستها حتى انتهى بها ذلك إلى استعمال المدمرات والغازات السامة وإلقاء القنابل الذرية فى الأخير واختراع (Hydrogen Bomb) وأشد منها أيضا .

هذه الأثرة بمعناها الواسع هى آفة المدنية الحاضرة وجائحة زرعها ، فما دامت هذه الآثرة روح الاجتماع والسياسة وأساس المدنية والأخلاق ، فلا تفيد التنظيمات والإصلاحات والمشاريع الاقتصادية والعمرانية الجديدة ، ولا تغنى شيئا ، وإذا كانت الأثرة متغلغلة فى أحشاء المجتمع جارية مجرى الروح وهى التى على على الناس سياستهم وسلوكهم ، وإذا كان الأفراد فى أمة يتنافسون فى الشهوات ويتهافتون على اللذات ويتطاولون فى القصور والناطحات للسحاب ويتسابقون فى اقتناء أفخر السيارات ويتسابقون فى أسباب الترف والرخاء ومظاهر العظمة والثراء ، وإذا كانت قائمة الحاجات المختلفة والرغبات المصطنعة تتضخم كل يوم ، لم يفد تلك الأمة غناها ووسائلها وتنظيمها الاقتصادي ، ولم تكفها مواردها ومنابع ثروتها

مهما كانت واسعة ضخمة ، ولا يفيدها أن تمطر السماء ذهبا وتلفظ الأرض خزائنها - من مناجم الذهب ومنابع البترول - فإن كل ذلك لا يفى بحاجاتها المختلفة المتجددة ولا يغنى فقراءها ، ولا يشبع جياعها ولا يكسو عراتها ، فترى فيها على ثروتها الهائلة وأموالها الطائلة فوجا من الفقراء لا يجدون من الطعام ما يقيم سلبهم ومن اللباس ما يكسو عورتهم ، أهذا الجوع القاتل والعرى الفاضح الذى نرى مناظره المخجلة على الشوارع العامرة بالقصور المزدحمة بالسيارات لفقر البلاد وضيق مواردها وقلة وسائلها ؟ إذا فمن أين هذه الناطحات للسحاب من القصور والمباريات للربح من السيارات ؟ ولماذا هذه الجولات إلى عواصم أوربا وأمريكا ؟ لا والله ليس ذلك إلا لهذه الأثرة - قاتلها الله - التى حالت بين الفقراء وبين حظهم من العيش وحقهم من الحياة والتى ابتلعت

موارد البلاد وأموالها فلم تترك للفقراء ولا للبلاد شيئا . لقد أصبح المجتمع الإنسانى اليوم جسما متورما يستسمنه الجاهل ، وما هو بسمين ، إنما هو ورم غير طبعى ، فقد بلغ شأوا بعيدا فى الزخارف والكماليات وضخامة الميزانيات ، وقلت الأمية وشاع العلم فى كثير من الأقطار ، وتساوى الناس فى المعيشة وأسبابها فى بعض الأقطار أيضا كما يقولون - ولكن الواقع أن هذه الدوحة التى تراها قائمة - دوحة المدنية والمجتمع الإنسانى - قد أصابتها دودة أكلت كبدها ونخرتها ، فهي متآكلة جوفاء ، وهذه الدودة الحبيثة هى الأثرة التى تزين للانسان الظلم وتحمله على الاعتداء ، فإذا بقيت هذه الدودة تأكل كبد المجتمع وتنخر جسمه حبطت الجهود الإسلامية ، وضاعت المشروعات الاقتصادية ،

وما دامت هذه الدودة تفعل فعلها فلا تنفع الأمة " الاشتراكية " و " الشيوعية " ولا تؤثر فى الحياة تأثيرا كبيرا ، لأن أمة نشأت على الآثرة وحب المال المفرط وحب الحياة الزائد ، لا تمتنع من الظلم والاعتداء لأجل تنظيمات اقتصادية وعقوبات مدنية ، فإن هنا ميادين غير ميدان الاقتصاد يستطيع المرء فيها أن يظلم أخاه ويغتصب حقه ، وإذا لم يستطع ذلك فإنه يقدر أن يؤذيه ويعاكسه على الأقل ؟ فلا طريق إلى العدل والسلام والهناء الكامل إلا أن تقتلع جرثومة الأثرة والشح والاعتداء من قلوب الناس وعقولهم ، وذلك لا يقدر عليه إلا الدين المسيطر على الروح والقلب .

الدين الذى يحث على الاقتصاد فى العيشة والزهد فى الدنيا ، ويمنع الإنسان من الاسترسال فى الآمال والأمانى والانهماك فى اللذات والشهوات والإسراف فى الأكل والشرب ، ويحض على الإيثار على النفس مع الخصاصة وإنفاق العفو من المال ، ويحض على طعام المسكين ، والحدب على اليتيم ، وينعى على الدين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله ، ويأكلون التراث أكلا لما ، ويحبون المال حبا جما ؛ ذلك هو الدين الكامل العادل الذى ينفذ الإنسانية من كل بلاء ، ويقيم عوجها ، ويرتقى فتقها ، ويأسو جراحها .

إن الشعوب أو البلاد التى استقلت فى آسيا فى الزمن الأخير ، لا تزال معرضة عن حقيقة ناصعة ، وهى أن رفاهة البلاد وسعادة الشعب ليست من كثرة الوسائل والآلات واكتشاف موارد المال ومنابع الثروة وازدهار الصناعة والزراعة وكثرة المصانع وتقليد أوربا وأمريكا في تنظيماتها وإن كان لابد من ذلك ، ولكن الرفاعة الحقيقية فى صحة المقاصد والغابات وحسن استعمال الوسائل والآلات وفى اعتدال الحياة وقلة الحاجات وحب العدل والمواساة . ولن يحصل هذا من طريق الآلات والما كينات ومن طريق التنظيمات الاقتصادية والنظم السياسية ، ولكن من طريق التربية الدينية وبتأثير الدين الصحيح ، والتعليم الصحيح . ولئن كانت الوسائل والآلات والتنظيمات ضامنة برفاهة البلاد وسعادة الأمة وهدوء بالها لكانت أوربا وأمريكا وروسيا أرق بلاد الله ، وأطيبها عيشا ، وأفتها كدرا ، وأنعمها بالآ وأرضاها بالحياة ، وأبعدها من القلق والاضطراب ،

والشكوى والعتاب ، ولكانت جنة فى الأرض لا خوف فيها ولا حزن ، ولكن الأمر بالعكس ؛ المشاكل هذه البلاد وأزماتها وصراع الأحزاب والنزعات فيها ، وتذمر الناس من حياتهم وعدم رضاهم عن مدنيئهم ، وبحثهم عن هدوء البال وسكينة القلب حتى فى الشرق وأدبائه أمر معلوم .

إنا لا ننكر الفضل للأيدى التى تحاول إراحة البشرية المعذبة وإسعافها بإزالة تلك الإبرات من جسدها ؛ ولكن لا سبيل إلى الطمأنينة الدائمة والسكينة التامة إلا بقلع إبرات العيون ، إن الحصول على الحرية والأستقلال عمل جليل وهدف سام جدا ، والجهاد فى سبيل مكافحة الفقر والجوع والعرى والأمية والجهل ، وإلغاء المظالم والاعتداءات الاقتصادية والاجتماعية ، والحصول على وسائل الحياة حسنات لا تغنى ، وأياد بيضاء لا تنكر ، ولكن الإنسانية أوسع من هذا ، وإن الإنسان أكثر من المعدة والبطن والجسد والعقل ، إن فى جسده مضغة لو صلحت صلح الجسد كله . ولو فسدت فسد الجسد كله . ألا وهى القلب ؛ فالمهم الأهم هو سلاحه وهدوؤه واعتداله وحياته ؟ فهل فكر المفكرون فى هذا ؟ وهل وجدوا إليه سبيلا !

قد تسابقت أيدى الانسانية الرفيقة لقلع إبرات الجسد ، وقد تفتت بإبرات البطن والمعدة فاقتلعتها وأراحت الإنسانية منها ، ولكنها ما قطنت لابرات العيون التى هى أصل البلاء وبذرة الشفاء . والإنسانية تئن أنين الكلى وتهتف بأبنائها وأنصارها وتنادى : إلى يا أبنأنى البروة ، أسعفونى وخلصونى من العذاب الذى أتجرعه ولا أكاد أسيغه ، ويأتينى الموت من كل مكان ، وما أنا بميت ، وأريحونى من وجع الفؤاد وألم العين الذى شرد نومى واقلق بالى ، وامسحوا ما بى من علة حتى أعيش قرير العين ناعم البال مطمئا . فهل من مجيب ؟ . ( لكنو ، الهند )

اشترك في نشرتنا البريدية