الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 691الرجوع إلى "الثقافة"

بين الإنسان والحيوان

Share

- ١ - المشهور منذ أرسطو في تعريف الإنسان أنه حيوان ناطق، أى أن الإنسان نوع من أنواع الحيوانات، ولكنه يمتاز عنها بالنطق، وبلغة المنطق: الحيوان جنس وناطق فصل به يمتاز عن سائر الحيوانات

ولا يعنى ابن سينا من النطق الذي يمتاز به الإنسان التلفظ بالألفاظ، وإنما يعنى به التفكير. وقد اشتق المنطق من النطق، والمنطق ترتيب أمور معلومة في الذهن ليتأدى منها إلى معرفة المجهول. وقد التفت الشيخ الرئيس إلي أنه  لو أمكن أن يُتعلم المنطق بفكرة ساذجة، إنما تلحظ فيها المعاني وحدها، لكان ذلك كافيا؛ ولو أمكن أن يطلع المحاور فيه على ما في نفسه بحيلة أخرى، لكان يغنى عن اللفظ البتة (١) وإنما نظر للناطقة في الألفاظ لأن المعاني لا تنفصل عادة عن الألفاظ، أما موضوع المنطق فهو المعاني من حيث هي موضوعة للتأليف الذي تصير به موصلة إلى تحصيل شئ في أذهاننا (٢) و"النطق لسان الملائكة، ليس لهم قول ولا لفظ، بل النطق لهم خاصا وهو إدراك بلا حس، وتفهيم بلاقول (٣) ولهذا السبب

ينتظم الإنسان في الملكوت بالنطق، أما القول فيتبعه، ومن لا يعرف النطق يعجز عن الحق

وهذه نظرة سديدة إلى المنطق والنطق، لأن من الحيوانات ما يلفظ ويتكلم وله أصوات تدل على أشياء غير أن لغة الحيوان فضلا عن قلة قاموسها، فإنها  إنما تدل بالطبع على جملة من الموافقة والمنافرة غير محصلة (ولا مفصلة (١

أما لغة الإنسان فإنها تؤدي وظيفة اجتماعية، وهي ضرورة تعاون البشر، والمشاركة في الحياة المعقدة أشد التعقيد، لأنه يلبس ويجهز الطعام ويبني الدور وغير ذلك مما يقوم على صناعات كثيرة تحتاج إلى تعليم وتعلم، ولا يكفي في هذا التعليم والتعلم مجرد المحاكاة، بل لا بد من الفهم والتفهيم، ونقل المعاني من ذهن المتعلم إلى الجاهل الذي يريد أن يتعلم. وسبيل نقل المعاني أمران: الإشارة واللغة. إلا أن الصوت أدل من الإشارة، لأن الإشارة إنما تهدى من حيث يقع البصر على الشئ المشار إليه في مكان معين، على حين يستغنى الصوت عن الشئ وعن المكان

فالألفاظ الإنسانية أعلى من الزمان ومن المكان، لأنها كلية، ولأنها على سبيل الوضع والاصطلاح كأنها رموز

للأشياء كما يذهب أصحاب المنطق الرمزي من المحدثين واللهم هو دلالة اللفظ على المعنى، وهذا ما جعل الإنسان ناطقا أو عاقلا. والعقل أول ما يميز الإنسان عن الحيوان

- ٢ - ويبدو أن ابن سينا يفهم الحياة الاجتماعية فهما خاصا ولذلك قال في مقالة الحيوان من كتاب الشفاء: "والإنسان من بين الحيوان هو الذي لا يمكنه أن يعيش وحده، فإن أسباب حياته ومعيشته تلتئم بالمشاركة المدنية، والنحل والنمل وبعض الغرانيق تشارك الإنسان في ذلك، لكن النحل والكركى تطيع رئيسا واحدا، والنمل له اجتماع ولا رئيس له" ويعود ابن سينا إلى نفس هذا المعنى في مقالة النفس من كتاب الشفاء، فيذهب إلى أن الإنسان له خواص أفعال تصدر عن نفسه ليست لسائر الحيوان أولها أنه لا يستغنى في بقائه عن المشاركة، لا كسائر الحيوانات التي يقتصر كل واحد منها في نظام معيشته على نفسه وعلى الموجودات الطبيعية. ولو اعتمد الإنسان على نفسه وحده وعلى الموجودات الطبيعية لهلك أو ساءت معيشته أشد سوء. ذلك لأن الإنسان لا يحيا حياة طبيعية بل أزيد من الطبيعة "مثل الغذاء المعمول، واللباس المعمول. والموجود في الطبيعة من الأغذية ما لم يدبر بالصناعات، فإنها لا تلائمه، ولا تحسن معها معيشته (١) وكذلك الملابس فمادتها موجودة في الطبيعة، ولكن الإنسان يهيئها ليمكن لبسها، ولكل حيوان ملبسه بالطبيعة. لهذا السبب كانت أول صناعتين: الفلاحة والنسيج، وكلا الصناعتين تحتاجان إلى مشاركة وإلى تعليم وتعلم، واحتاج في التعليم والتعلم إلى اللغة كما ذكرنا

فإن قيل إن بعض الحيوانات الاجتماعية كالنمل والنحل لها صنائع فهي من هذا الوجه تشبه الإنسان، أجاب ابن سينا بأن الصناعات الموجودة للحيوانات كالطيور والنحل التي تبني البيوت والمساكن، لا تصدر عن "استنباط وروية وقياس، بل عن إلهام وتسخير" وهذا هو الفرق المشهور بين الإنسان والحيوان حيث قالوا: إن الحيوان يهتدى بالغريزة والإنسان بالعقل. والغريزة في الحيوان لا تختلف

ولا تتنوع، وأكثر أفعال الحيوان "لصلاح أحوالها وللضرورة النوعية، ليست للضرورة الشخصية. والذي للإنسان فكثير منه للضرورة الشخصية، وكثير منه لصلاح الشخص بعينه" ومعنى ذلك أن الإنسان، ولو أنه اجتماعي ولاغنى له عن التعاون والمشاركة، إلا أنه يبغى مصلحة الشخص لا النوع، ويتجه اتجاها فرديا. ولم يفت هذا المعنى عن المحدثين، فقال بعضهم: إن الإنسان إذا ارتقى تفرد، ووصلوا بين الرقي والفردية. أو هو الاجتماع الرشيد الذي يعرف فيه كل فرد موضعه ومهمته ورسالته الاجتماعية عن حرية وإرادة ومعرفة، لا عن إلهام وتسخير

- ٣ - عندما تحدث ابن سينا في أوائل مقالة النفس عن طبيعيات الشفاء عن القوى النفسانية الثلاث: النباتية والحيوانية والإنسانية، قال: إن هناك أفعالا يشترك فيها الحيوان والنبات كالتغذية والنمو والتوليد، وأفعالا يختص بها الحيوان مثل الإحساس والتخيل والحركة الإرادية وأفعالا "تختص بالناس مثل تعقل المعقولات، واستنباط الصنائع، والروحية في الكائنات، والتفرقة التي بين الجميل (والقبيح (١

وقد عاد إلى تفصيل الكلام عن هذا التمييز في أماكن متفرقة من كتبه. وقد عرضنا لامتياز الإنسان بالنطق ثم باستنباط الصنائع، ونتحدث الآن عن هذه الخاصة وهي تقدير الجميل والقبيح

فالحيوانات تقبل على أفعال وتنصرف عن أخرى ولكنها لا تتصرف هذا التصرف بعد تقدير أو اعتقاد أو رأي. وقد ضرب ابن سينا المثل بالأسد الذي يعلمه صاحبه، فلا يأكله ولا يأكل ولده، وليس سبب ذلك  اعتقادا في النفس ورأيا، ولكن هيئة أخرى نفسانية وهي أن كل حيوان يؤثر بالطبع وجود ما يلذه وبقاءه وأن الشخص الذي يطعمه قد صار لذيذا له، لأن كل نافع لذيذ (٢) ولا نود أن نناقش هذه القضايا جميعا، غير أننا

تشير إلى أن تعلم الحيوان يتم بطريق ما يسمى بالأفعال المنعكسة المتعلقة بشرط

أما الجميل والقبيح فإن معظم القدماء من فلاسفة الإسلام كانوا يريدون بهما الجمال والأخلاق معا، أي السلوك الذي يصدر عن الإنسان، فإن كان مطابقا للفضيلة فهو جميل، وإن كان ذاهبا نحو الرذيلة فهو قبيح. وقد مزج أفلاطون بين مثال الخير والجمال. ويقال في اللغة يجمل بك أن تفعل كذا أو يقبح بك أن تفعل كذا

والجميل والقبيح على كلا المعنيين مما "ينبغى" على الإنسان أن يفعله أو يتركه، وليست هذه الأفعال الواجبة مما تدركها الحيوانات لأن تصرفها بالغريزة لا عن اعتقاد ورأي

وهذا يصح في المناظر الجميلة والمسموعات الجميلة كما يصح في الأفعال الأخلاقية التي يجمل أو يقبح أن نفعل لأن إدراك الجمال يستند إلى العقل والتمييز

- 4 -  يشترك الإنسان والحيوان في تذكر الأمور الماضية والاعتماد على التجارب في مصالح الحياة والإقبال على النافع وتجنب الضار. وهناك أعمال تنبعث في الحيوان وفي الإنسان بالغريزة والإلهام الإلهي، لا عن خبرة وتجربة، كما تحذر الشاة الذئب وإن لم تره قط، ولا أصابتها منه نكبة وكذلك حال الطفل ساعة يولد في تعلقه بالثدي (١

أما الأعمال التي تكون عن تجربة فهي تابعة للألم واللذة حين تدرك الصور الحسية، حيث تحفظ الصورة صور المحسوسات وما قارنها من لذة وألم، وتذكر  للمتوهمة المعنى الموجود فيها، ولهذا السبب تخاف الكلاب الدر والخشب وغيرها (٢) وهذا هو الذكر المفيد في التجارب

ويختص الإنسان بشيء آخر خلاف الذكر، هو التذكر. والفرق بين الذكر والتذكر أن الذكر الموجود في سائر الحيوانات يتم بغير إرادة، فإن ذكرت ذكرت وإن لم تذكر لم تشتق إلى التذكر، ولم يخطر لها ذلك

بالبال أما التذكر فهو للإنسان، ويكون عن شوق وطلب، وإدراك أن الشئ كان موجودا في الزمان الماضي فيطلبه في الحاضر ليستفيد منه في المستقبل. فإذا كان الذكر موجودا عند الحيوان، فليس عنده التذكر. وفي ذلك يقول ابن سينا: "وأما التذكر، وهو الاحتيال لاستعادة ما اندرس، فلا يوجد على ما أظن إلا في الإنسان". وعلة ذلك أن استحضار الأحداث الماضية بالإرادة إنما يكون للاستدلال بها على الأمور، وهذا ما تختص به القوة النطقية التي يخلو منها الحيوان

ولا يدرك الحيوان كذلك الزمان المستقبل، لأنه لا يشعر بالزمان، وإذا كانت بعض أنواع الحيوان تأتي أفعالا فيها إعداد للمستقبل، فإنما ذلك على سيل الإلهام الغريزي كالذي يفعله النمل عند نقل القوت إلى مساكنه إذا شعر بنزول المطر، فهذا لأنه يتخيل الوقت الحاضر

ثم إن للحيوان الذي يعد للمستقبل بالغريزة ضربا واحدا انطبع في نفسه يعمل على حسب فطرته، سواء كان موافقا أم غير موافق. أما الإنسان فإنه يروى في الأمور المستقبلة هل ينبغي له أن يفعلها أو لا ينبغي له ذلك، فيفعل ما توجبه له رويته، مع انتهاز الفرصة، واختيار الوقت الملائم

جملة القول يحفظ الحيوان ولا يتذكر، وقد وصف ابن سينا أخلاق الحيوان فقال: ومن الحيوان ما هو شديد الحفظ مثل الجمل والحمار، وأما تذكر المنسي فللإنسان وحده (١)

- ٥ -  هناك انفعالات تخص القوى الحيوانية، وأخرى لا توجد إلا في الإنسان. فالغضب يظهر عند اشتداد الشوق إلى الغلبة، ويتبع الغضب عدة عوارض كالخوف والغم والحزن، لأنها تنشأ إذا تحركت القوة الغضبية ثم ضعفت بعد تصور خيالي أو عقلي. وقد تثبت بعض الانفعالات في الحيوان فتصبح أخلاقا لها. فبعض الحيوانات هادئ الطبع قليل الغضب والحزن مثل البقرة. وبعضها شديد

(البقية على الصفحة التالية)

الجهل حاد الغضب كالخنزير البري. وبعضها حليم وجزوع مثل البعير. وبعضه غضوب شديد الغضب سفيه إلا أنه ملق متودد كالكلب. وبعضه يرجع إلى حياء وحفاظ كالأوز وبعضه حسود منافر مباه بجماله كالطاووس (١

وهناك انفعالات تخص الإنسان وحده مثل "الخجل والحياء والضحك والبكاء وما أشبه ذلك (٣) ويسبق الضحك انفعال آخر هو "التعجب" ويسبق البكاء  الضجر أما التعجب فيتبع إدراك الإنسان للأشياء النادرة، ويتبع إدراكه للأشياء المؤدية للضجر (٣) ومن الواضح أن ابن سينا لم يدرس الانفعالات دراسة عميقة لأن من الحيوانات ما يضحك ويبكي ومنه ما يتعجب ويضجر وليست هذه الانفعالات من خواص الإنسان وحده. كما أن الصلة بين التعجب والضحك صلة ضعيفة جدا تكاد أن تكون معدومة

ولكنا نوافق ابن سينا على ما يذهب إليه من أن الخجل من خواص الإنسان، ويعرفه بأنه انفعال نفساني يتبع شعور المرء إذا فعل شيئا من الأشياء التي أجمع الناس على عدم فعلها. فهذا حقا من الانفعالات الإنسانية، إذ يقوم على الشعور من جهة، وعلى إدراك منزلة الشخص بإزاء المجتمع الذي يعيش فيه من جهة أخرى. وقد دلت المباحث الحديثة على أنه متصل اتصالا وثيقا بالغريزة الجنسية التي يتأدب الإنسان في فعلها، ولا يستحي الحيوان منها

والخوف على نوعين: إما خوف غريزي مثل خوف الشاة من الذئب فتهرب منه، وهذا يكون للإنسان كما يكون للحيوان. وإما خوف يختص به الإنسان ويحدث له حين يظن أن أمرا في المستقبل قد يضره، ويتصل بهذا الضرب من الخوف انفعال آخر يتعلق بالزمان المستقبل هو الرجاء. وليس للحيوان خوف من هذا القبيل أو رجاء لأن حياته متعلقة بالآن، لا بالماضي أو بالمستقبل

اشترك في نشرتنا البريدية