الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 673 الرجوع إلى "الثقافة"

بين الاخلاق والسياسة

Share

كان خروج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على الدولة المروانية وخلعه طاعة الخليفة عبد الملك ومحاربته الحجاج ابن يوسف في العراق من الثورات الخطيرة التي هزت أركان تلك الدولة هزا عنيفا ، وكادت تطيح بها ، وقد لقي الحجاج من هذه الثورة ما أطال همه . وأقض مضجعه ، وقد أظهرت كل ما كان مدخرا في نفسه من الصبر والجلد والثبات وقوة الاحتمال ؛ فلما وفق في القضاء على هذه الثورة واسترد مكانته وهيبته شفى غليل نفسه من الذين ناصروا عبد الرحمن وقاتلوا تحت لوائه ، فقسا عليهم قسوة شديدة ، ومثل بهم تمثيلا فظيعا ، ولم يجد بعفوه إلا على أفراد معدودين منهم .

وقد علمته هذه الثورة الرهيبة درسا لم ينسه بعد ذلك  وهو الحذر من إسناد الأمر في الولايات النائية إلى الأمراء الذين يعتزون بعصبيتهم القوية وجاههم العريض ؛ ومن ثم لم يكن له هم بعد الخلاص من ثورة ابن الأشعث سوى خلع يزيد بن المهلب من ولاية خراسان ؛ وكان يزيد رجلا شجاعا مقداما ، ومن الأسخياء المعدودين ، وكان له من ماض أبيه المهلب في مكافحته الخوارج ورد عاديتهم وقل جموعهم ومن قومه أزد عمان ما يرفع من شأنه ، ويعلي من قدره ، ويجعل له مكانة مرموقة ، ومنزلة مرعية بين رجالات الدولة البارزين وأعيانها المعروفين ؛ وقد اختير حاكما لخراسان بعد موت أبيه المهلب في سنة ٨٢ هجرية ، وكان يزيد من ناحيته ينظر إلى الحجاج نظرة تنطوي علي شئ من الاستهانة بأمره ، والاستخفاف بأصله ونشأته فيزيد كان يعد نفسه رأس قبيلة الأزد التي تأتمر بأمره ، وتدين بطاعته ، يؤيدها في ذلك أنصارها وأحلافها من سائر القبائل . والحجاج في رأيه أحد القيسيين الذين خلفهم عبد الملك بن مروان ، وبوأهم المناصب العالية ، وجعل لهم مكانة وذكرا بين الناس ؛ ولم يكن الحجاج يجهل حقيقة شعور يزيد بن المهلب نحوه . وكان يرى في سلوك يزيد وأقواله وأعماله

ما يقوي سوء ظنه به ، ويزيده شكا في ولائه .

ولما ساورته هذه المخاوف ، وطافت برأسه الظنون لم يجد بدا من الكتابة إلى عبد الملك يطلب عزل يزيد بن المهلب عن خراسان ، ولكن عبد الملك لم يكن - برغم ثقته الشديدة بالحجاج - الرجل الذي يقبل الآراء والقترحات بغير نظر ولا مراجعة ؛ وكان الحجاج حينما طلب عزله واراد أن يضم عبد الملك إلى رأيه قد اتهم يزيد بأنه يميل إلي آل الزبير خصوم عبدالملك ومنافسيه على الخلافة ؛ ولم يقتنع عبد الملك بهذا الكلام ، ولم يرقه هذا الاتهام ، فكتب إلى الحجاج يقول : " إن ذلك وفاء لآل الزبير من آل المهلب ، وإن وفاءهم لأولئك يدعوهم إلى الوفاء لنا " فلم يصرف هذا الكتاب الحجاج عن طلبه ، وأعاد الكتابة إلى عبد الملك يخوفه غدر يزيد وآل المهلب ، فوقع هذا الكلام في نفس عبد الملك ، واستصوبه ، فكتب إلى الحجاج يقول : " قد اكثرت في يزيد فسم لي رجلا يصلح لخراسان " ، فسمى له الحجاج رجلا يدعي " مجاعة بن سعر " وإنما جعل ذلك دهاء منه حتى لا يعرف عبد الملك حقيقة ميوله ، لأن هذا الرجل لم يكن يصلح ، وكان الحجاج يعلم العلم كله أن عبد الملك سيرفض اختياره ، وكتب إليه عبد الملك يسفه رأيه في اختياره ، وهنا لاحت الفرصة ليعرض على عبد الملك اسم الرجل الذي كان الحجاج يقدره ويثق به ويطمئن إلى إخلاصه وكفايته ، وكان هذا الرجل هو مسلم بن قتيبة الباهلي ، ولما سماه الحجاج لعبد الملك أقر اختياره ووافق عليه .

وكره الحجاج أن يواجه يزيد بن المهلب بالعزل ، ولعله خشي أن يحدث حدثا ويخالف أمره ، فكتب إلى يزيد يستقدمه ويوصيه أن يستخلف أخاه المفضل ، وأبطا يزيد على الحجاج ، فكتب الحجاج إلى أخيه المفضل : " إني قد وليتك خراسان " فجعل المفضل يستحث أخاه على الذهاب

إلي الحجاج ، ولم يغب عن يزيد سر هذه الحيلة فقال لأخيه . " إن الحجاج لا يقرك بعدى ؛ وإنما دعاه إلى ما صنع مخافة ان امتنع عليه ! " ولكن أخاه كان قد فرح بالولاية وطمع فيها فأجابه : " بل حسدتني" فقال له يزيد : " أنا لا أحسدك ولكن ستعلم ! " .

وخرج يزيد من خراسان ، فعزل الحجاج المفضل ، وولى قتيبة بن مسلم ، وكان قتيبة عامل الحجاج على الري ، فكتب إليه الحجاج ليستوثق من المفضل وبني أبيه ويشخصهم إليه . فلما قدم قتيبة مرو أخذ المفضل وسائر ولد المهلب وأشخصهم إلى الحجاج ، فحبسهم جميعا ، وطالبهم بمال كثير ، وأمعن في إذلالهم وتعذيبهم حتى اضطرهم إلى الهرب من وجهه ، ولاذوا بسليمان بن عبد الملك الذي شفع لهم عند الخليفة الوليد وأظلهم برعايته وحماهم من سطوة الحجاج .

وكان قتيبة بن مسلم الذي اختاره الحجاج حاكما لخراسان قد نشأ بالبصرة ، وكان أبوه مسلم كبير القدر عند يزيد بن معاوية ، وهو من باهلة ، وكان يعير بهذا ، لان العرب كانت تستنكف من الانتساب إلى هذه القبيلة . وترميها بالضعة والمهانة ، حتى قال فيها الشاعر :

ولو قيل للكلب يا باهلي

عوى الكلب من لؤم هذا النسب

ولكن هذا الرجل الذي كان يعاب بباهليته من أعظم رجال الدولة المروانية وأقدرهم وأجرأهم وأشجعهم . وقد ظهرت بوادر شجاعته في مواجهة الحجاج نفسه على عظيم هيبته وشدة حنقه ، بالقول الصريح والكلمة الصادقة ؛ فقد روى الطبري في تاريخه انه لما فض شبيب الخارجى كتائب الحجاج وكاد يغلبه على أمره ، استدعى الحجاج بعض الرجال البارزين في العراق ليستشيرهم في الموقف ، ويبادلهم الرأي ، وقال لهم عن شبيب : " لقد تبحبح هذا الرجل بحبوحتكم، ودخل حريمكم ، وقتل مقاتلتكم فأشيروا علي" فاطرقوا جميعا ، ولكن قتيبة تقدمهم وخاطب الحجاج قائلا : "إن الأمير والله ما راقب الله ولا حفظ أمير المؤمنين ولا نصح للرعية وغضب الحجاج وقال : " من المتكلم " فأعاد قتيبة كلامه . والظاهر أن الحجاج أعجب بشجاعته وصراحته ، فاستشاره في الموقف ، وأخذ برأيه ، وعمل بنصيحته . وربما كان من الأسباب التي دعت الحجاج إلى اختياره والتعلق به - علاوة

على ما كان منه من كفايته وجزالة رأيه وشجاعته ونزاهته - أنه لم يكن ينتمى إلي قبيلة قوية النفوذ منيعة الجانب ، وأمثاله يضمن الخلفاء وكبار الولاة ولاءهم ولا يخشون بأسهم ، لأنهم يستمدون قوتهم من الدولة وسلطان الخليفة ، لا من عصبيتهم القبلية

وكان قتيبة خطيبا قديرا حاضر الخاطر سريع البديهة ، وحاكما نهاضا بالأعباء عارفا بواجباته مقدرا لتبعاته . ويروى أنه لما دخل خراسان وصعد المنبر ليخطب الناس سقطت العصا من يده ، فتطير الناس من ذلك ، فأخذها قتيبة وقال : " ليس الأمر كما ساء الصديق وسر العدو ، ولكن كما قال الشاعر :

فألقت عصاها واستقرت بها النوى

كما قر عينا بالإياب المسافر

ولما ولي قتيبة خراسان كانت الأقاليم الواقعة في شمالها وشرقها لم يحسن فتحها ولم يتم إخضاعها لمناعتها ووعورتها وشدة بأس أهلها ، فقام قتيبة بهذه المهمة خير قيام ، ووثب لغزو ما وراء النهر وتوغل في تلك الأنحاء وبلغ من افتتاح القلاع واستباحة البلاد وقتل الفتاك ما لم يبلغه أحد قبله ولا بعده ، وقد فتح خوارزم وسمرقند في عام واحد .

وكان من أمراء الأتراك البارزين نيزك طرخان . وكان لنيزك هذا قلعة حصينة في باذغيس وصفها أحد الشعراء بقوله :

محلقة دون السماء كأنها

غمامة صيف زل عنها سحابها

ولا يبلغ الأروى شماريخها العلي

ولا الطير إلا نسرها وعقابها

وما خوفت بالذئب ولدان أهلها

ولا نبحت إلا النجوم كلابها

وكان في يد هذا الرجل عند قدوم قتيبة إلى خراسان بعض اسراه المسلمين ، فكتب إليه قتيبة فيمن بين يديه من هؤلاء الأسري ليطلقهم وهدده في كتابه ، فخافه نيزك وأطلق الأسري وبعث بهم إليه ، فأرسل إليه قتيبة أحد رجاله . وكان اسمه سليما الناصح ، ليدعوه ويؤمنه ، وحلف بالله لئن لم يقدم إليه ليغزونه ويطلبنه حيث كان . وكان لنيزك معرفة قديمة بسليم الناصح ، فقال له نيزك : " ما أظن عند صاحبك خيرا ، فلقد كتب إلى كتابا لا يكتب إلى مثلي "

فقال له سليم : " إن هذا رجل شديد في سلطانه سهل إذا سوهل ، صعب إذا عوسر ، فلا يمنعك منه غائظة كتابه إليك ، فما احسن حالك عنده" وقبل نيزك نصيحة سليم ، وقدم معه على قتيبة . وصالح قتيبة أهل باذغيس على أن لا يدخلها .

وأوقع قتيبة بأهل بخارى وفض جمعهم . وفصل من بخارى ومعه نيزك . وقد أخذه الذعر واستولى عليه الخوف لما رأي من الفتوح وباهر الانتصارات التي أحرزها قتيبة ، ولم يكتم مخاوفه عن أصحابه وخاصته ، فقال لهم : " إني لا آمن هذا الرجل ، وذلك أن العربي بمنزلة الكلب إذا ضربته نبح وإذا أطعمته بصبص واتبعك ، وإذا غزوته ثم أعطيته شيئا رضي ونسي ما صنعت به ، وقد قاتله طرخون مرارا ، فلما أعطاه فدية قبلها ورضي ، وهو شديد السطوة فاجر ، فلو استأذنت ورجعت كان الرأي ، ووافقه أصحابه على رأيه ، وقالوا له : " استأذنه " فلما انتهى قتيبة إلى مدينة آمل استأذنه نيزك في الرجوع إلي تخارستان ، فأذن له قتيبة ، فلما فارق عسكره متوجها إلى بلخ قال نيزك لأصحابه أغذوا السير لأني لا اشك أن قتيبة قد ندم حين فارقنا عسكره على إذنه لى ، وسيقدم الساعة رسوله ، ولست أريد أن يبلغنا الرسول إلا حين نبلغ تخارستان وندخل شعب خلم " وقدم الرسول ومعه جماعة من الجند لإرجاع نيزك ، ولكنه كان قد دخل الشعب ، وهو ناحية منيعة لا يسهل متابعته بها واسترداده منها ، فانصرف الرسول عائدا لقتيبة ، وأظهر نيزك خلع الطاعة ، وراسل بعض ملوك الترك يحرضهم على الخروج من طاعة قتيبة ، وواعدهم أن يجتمعوا به في الربع لمحاربة قتيبة ، فأجابوه إلى ذلك ، وأخرج عامل قتيبة من تخارستان .

وبلغ قتيبة خلعه قبل قدوم الشتاء ، وكان ملك الطالقان وملك الفارياب وملك الجوزجان من ملوك الاتراك الذين أجابوا دعوة نيزك ، وأعلنوا خروجهم على قتيبة ، فسار إليهم قتيبة فزعنوا له وأقروا بطاعته . فمضى حتى أتى شعب خلم وقد خلف نيزك مقاتلة على فم الشعب ومضايقه ليمنعوه. ووضع مقاتلة في قلعة حصينة وراء الشعب فأقام قتيبة أياما يقاتله على مضيق الشعب ولا يقدر منه على شيء . فكبر على قتيبة الأمر ، وبينما كان قتيبة يعاني ألم هذه الحيرة قدم عليه ملك الرؤب مستأمنا ، ودله على مدخل القلعة التي وراء الشعب ، واستطاع قتيبة بعد الاستيلاء على القلعة أن

يدخل الشعب ، ومضي نيزك هاربا حتى نزل ناحية جبلية حصينة وهي ناحية الكرز ، واعتصم بمضايقها ، ولم يكن إليه مسلك إلا من وجه واحد صعب لا تطيق الدواب السير فيه ، فحصره قتيبة شهرين حتى قل ما في يد نيزك من الطعام ، وخاف قتيبة قدوم الشتاء ، فدعا سليما الناصح وقد دارت في نفسه معركة حامية بين مقتضيات الصدق والوفاء والمحافظة على العهود وصدق الوعود . وبين ما تفرضه ضرورات السياسة وممارسة الحياة العملية من الإنحراف عن قواعد الأخلاق ، والتحلل من قيود العهود المقطوعة ، والوعود الممنوحة ، ومجانبة التزام الصدق ؛ وكانت المعركة رهيبة لأن قتيبة كان رجل جد وإقدام ، فهو يكره الإخفاق ، ويأبى أن يعود مغلوبا على أمره ، ويخشى على سمعته ومكانته إن هو عاد خائبا ، وظل نيزك حيا يرزق وثائرا خارجا على الطاعة لا يعرف عقوبة ارتداده ، ولا يحسب حسابا لسطوة قتيبة ولا لمكانته وجلالة خطره ؛ وكان يعلم أن عجزه عن هزيمة نيزك وأسره والقضاء عليه قد يغري غيره من ملوك الترك وأمرائهم بخلع الطاعة والتمرد والعصيان ، وكان من ناحية اخري لا يحب أن يوصم بالغدر ، ويرمى ينقض العهد وهو الرجل البطل المقدام المعروف بالصدق والصراحة والنزاهة والنصاحة ؛ وهداه تفكيره إلى طريقة للخروج من المأزق ، فاستدعي سليما الناصح وقال له : " انطلق إلى نيزك واحتل لأن تأتيني به بغير أمان ، فإن أعياك وأبى فأمنه ، واعلم أني إن عاينتك وليس هو معك صلبتك ، فاعمل لنفسك والظاهر أن هذه الحيلة أرضت ضميره ، وهدأت وساوسه الأخلاقية ، فهو لم يرتبط بشيء ، ولم يعد نيزك بالأمان . وإذا أعطاه سليم الأمان فإن سليما هو المسئول عن ذلك ، ولا شأن لقتيبة في أمان يعطيه سليم لنيزك . والظاهر أن أن قتيبة أقنع نفسه بسلامة هذا المنطق وبراعة هذه الحيلة .

فقال له سليم: "ابعث رجالا ليكونوا على فم الشعب فإذا خرجت أنا ونيزك فليعطفوا من ورائنا فيحولوا بيننا وبين الشعب ومضي سليم ، وقد حمل معه من الأطعمة التي تبقى اياما اوقارا حتى أتى نيزك ، فقال له نيزك لما رآه : خذلتني ياسليم ، فقال له سليم : إني ما خذلتك ، ولكنك عصيتني وأسات إلى نفسك ، وخلعت وغدرت ، فقال نيزك : فما الرأي ؟

فاجابه سليم: الرأي أن تأتي قتيبة فقد أمحكته، وهو

ليس يبارح موضعه هذا ، وقد اعتزم على أن يشتو بمكانه هلك أو سلم .

فقال نيزك : آتيه على غير أمان ؟

فأجابه سليم: ما أظنه يؤمنك لما في قلبه عليك ، فإنك قد ملأته غيظا ، ولكني أرى ان لا يعلم بك حتى تضع يدك في يده ، فإني أرجو إن فعلت ذاك أن يستحي ويعفو عنك

فقال نبرك : أترى ذلك ؟ فأجابه سليم : نعم .

فقال نيزك : إن نفس لتأبى هذا ، وهو إن رآني قتلني . فأجابه سليم : إني ما أتيتك إلا لأشير عليك بهذا ولو فعلت لرجوت ان تسلم وان تعود حالك عنده إلى ما كانت ، فأما إذا أبيت فإني منصرف .

فقال نيرك : فنغديك إذا فأجابه سليم : إني لأظنكم في شغل عن تهيئة الطعام ومعنا طعام كثير

ودعا سليم بالغداء فجاءوا بطعام كثير لا عهد لهم بمثله منذ حصروا ، فانتبه الأتراك لذلك ، وغم ذلك نيزك وأحزنه وأخافه وأرعبه ، وأدرك سليم هذا فقال له : إني لك من الناصحين وأرى أصحابك قد جهدوا ، وإن طال بهم الحصار وأقمت على حالك لم آمنهم ان يستامنوا بك ، فانطلق معي وأت قتيبة .

فقال نيزك : ما كنت لآمنه على نفسي ولا آتيه على غير أمان ، فإن ظني به أنه قاتلي ، وإن أمنني ، ولكن الأمان أعذر لي وأرجى .

فقال سليم : قد امنتك أفتتهمني ؟ فقال نيرك : لا . فأجابه سليم : انطلق إذا معي .

وأشار عليه أصحابه بقبول قول سليم لأنه لا يقول إلا حقا . فدعا نيزك بدوابه ، وخرج مع سليم ، فلما انتهى إلى الدرجة التي يهبط منها إلى قرار الأرض عاودته مخاوفه فقال لسليم : من كان لا يعلم متى يموت فإني أعلم متى أموت ، أموت إذا عاينت قتيبة .

فقال سليم مطمئنا له : أيقتلك مع الأمان . وهو يعلم أن قتيبة غير مرتبط بهذا الأمان لأنه لم يصدر منه مباشرة لنيزك وإنما احتمل سليم تبعته مرغما مأمورا .

وصحب نيزك بعض رجاله . فلما خرج من الشعب عطفت الخيل التي خلفها سليم على فوهة الشعب ، وحالوا بين الأتراك وبين الخروج ، فقال نيزك لسليم : هذا أول الشر . فقال له سليم : تخلف هؤلاء عنك خير لك . ولما قدم نيزك على قتيبة أمر بحبسه ، وكتب إلى الحجاج يستأذنه في قتله ، وأتاه كتاب الحجاج بالموافقة على ذلك بعد أربعين يوما ، فاستدعى قتيبة نيزك للمثول بين يديه وقال له : هل لك عندي عقد أو عند سليم ؟

فقال نيزك : لي عقد عند سليم

فقال له قتيبة : كذبت . ورده إلى حبسه ، وتكلم الناس في أمر نيزك ، فقال بعضهم ما يحل له أن يقتله ، وقال بعضهم ما يحل له تركه ، وكثرت الأقاويل فيه وتعارضت الآراء ، ومرت ثلاثة أيام ، وفي اليوم الرابع أذن قتيبة للناس ، وقال لهم : ما ترون في أمر نيزك ؟ فاختلفوا فيه . فقال قائل : أقتله . وقال قائل : أعطيته عهدا فلا تقتله . وقال قائل  ما نأمنه على المسلمين . ودخل عليه رجل من خاصة رجاله اسمه ضرار ، فقال له قتيبة : ما تقول ياضرار ؟ قال : أقول إني سمعتك تقول أعطيت الله عهدا إن أمكنك منه أن تقتله ، فإن لم تفعل لا ينصرنك الله عليه أبدا .

فأطرق قتيبة طويلا ثم قال : والله لو لم يبق من أجلي إلا ثلاث كلمات لقلت : اقتلوه اقتلوه اقتلوه . وأرسل إلى نيزك فأمر بقتله .

وهكذا تنتصر الضرورات السياسية على الاعتبارات الأخلاقية في أمثال هذه المواقف ، وتفرض إرادتها حتى على أصحاب الأخلاق القويمة المطبوعين على الوفاء والصدق . وقد أحس الباهليون في مصرع نيزك شيئا يمس سمعة رجلهم الكبير وبطلهم الذي يفخرون به فقالوا " إنه لم يؤمن نيزك ولم يؤمنه كذلك سليم" ولكن الروايات التاريخية الراجحة لا تؤيد ذلك ، بل تضيف إلى ذلك أنه لما أراد قتله دعا به ، ودعا بسيف حنفي فانتضاه ، وطول كميه ، ثم ضرب عنقه بيده ومما يؤسف له أن توطيد الملك في كثير من الأحيان قد استدعي الاقدام على أمثال هذه الكبائر . والأوربيون يقولون في أمثالهم " صنع العجة يستلزم كسر البيض " أى أن الضرورات تبيح المحظورات ، والغاية تبرر الوسيلة .

اشترك في نشرتنا البريدية