الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الثقافة"

بين الازهر ودار العلوم

Share

وإن شئت فقل بين الأزهر ودار العلوم وقسم اللغة العربية في كلية الآداب ، فهذه المعاهد الثلاثة تتنازع الاختصاص في تدريس اللغة العربية في المدارس ، وكل يدلي بحجته في أحقيته . ولا أريد أن أتعرض هنا لمن هو احق ، وأيهم البق بأن يسند إليه العمل ، فهذا القول لا يحل المشكلة من أساسها ، وسيبقي النزاع ويستمر الخصام وتتابع الحكومات فتنصر هذا الفريق يوما وذاك آخر ، وقد تدخل السياسة في الأمر فتقضي فيه بحكم السياسة لا بحكم الغربية والتعليم

إنما المشكلة الكبرى والتبعة العظمي في نظري هي موافقة الحكومات المتتابعة على إيجاد معاهد ثلاثة لتخريج صنف واحد لغرض واحد ، مع أن معهدا واحدا وأقل من معهد واحد يكفي لتحقيق هذا الغرض

لو كان إنشاء المعاهد لا يتطلب مالا ولا يكلف عبثا، لقلنا مع هذا إنه ضرب من العبث ونوع من الترف، فكيف وهو يتطلب المال الكثير يوضع في ميرانية الحكومة، ويتطلب الجهد الكثير في تحضير هذا الصنف وإعداد هذا النوع ؟

قد تجاري الرأي القائل بأن قسم اللغة العربية في كلية الآداب إنما انشئ للثقافة العربية العامة والبحث النظري الجامعي ، من غير نظر إلي وظيفة ولا تدريس ، ولكن هذا لا يحل المشكلة ، لانا نري بعض خريجيه يدخل معهد التربية ليكون معلما فيكون له الحق ان يدخل خصما ثالثا في النزاع بين الأزهر ودار العلوم

وحني إذا اكتفينا بالنظر إلي الأزهر ودار العلوم رأينا

كلا منهما بعد ابناءه ليكونوا مدرسين ، فهم يدرسون لهم التربية وطرق التدريس ، أعني أنهم يعدونهم إعدادا خاصا ولا يقتصرون على ثقافتهم ثقافة عامة ، فيصبحون ومثلهم في ذلك مثل المدرسة الحربية ومدرسة البوليس

فهل مما يدل علي سعة نظر الحكومات أن تنشئ  مدرستين للبوليس وهي في حاجة إلي مدرسة واحدة ؟ او هل سمعت بشركة حازمة واحدة تنشيء معملين لإخراج مادة واحدة في بلد لا يحتاج إلا إلي معمل واحد ؟

شأن المدارس الخاصة غير شأن المدارس العامة ، فمن الحق للحكومة ان تنشئ ما لا يحصى من مدارس ابتدائية وثانوية ، ولها الحق ان تنشئ جامعة في القاهرة وجامعة في الإسكندرية وجامعة في اسيوط وجامعة في اسوان ، فمن الحق لها بل من الواجب عليها ان تنشئ ما تستطيع من هذه المدارس للثقافة العامة ، وهي إذ تفعل ذلك تشكر كل الشكر

ولكن ليس من حقها أن تنشئ مدرستي بوليس لتخريج ألف والبلد في حاجة إلي خمسمائة

فكيف ساغ لها أن تنشئ ثلاث مدارس فنية خاصة لتخريج معلمين للغة العربية تنفق عليها المال الكثير ، والامة في حاجة إلي مدرسة واحدة من هذا النوع ؟ وكيف ساغ لها ان تسرف هذا الإسراف الكبير في إنفاق هذه الأموال علي الكماليات ، بل ليس علي الكماليات ، ولكن على خلق اسباب النزاع ، والبلاد في اشد حاجة إلي الضروريات ، والفلاح لا يشرب ماء صافيا ولا يستطيع أين يعيش عيشة صحية ؟

واين كانت الحكومة يوم قررت إنشاء قسم اللغة العربية بكلية الاداب ورصدت له المال في ميزانيتها وبين سمعها وبصرها دار العلوم ؟ ( البقية على الصفحة المواجهة )

واين كانت الحكومة يوم قررت إنشاء كلية اللغة العربية بالأزهر ورصدت لها المال في ميزانيتها وبين سمعها وبصرها دار العلوم وكلية الآداب ؟

كنت أفهم أن الحكومة الرشيدة تتساءل إذ ذاك في صراحة : هل تصلح دار العلوم للبقاء أو لا تصلح ؟ فان كانت صالحة او تقبل الاصلاح فلا تجيز كلية اللغة العربية في الأزهر ولا قسم اللغة العربية في كلية الآداب ، إلا إذا اريد بهما الثقافة العامة في اللغة العربية من غير تدريس فني التربية وعلم النفس وطرق التدريس وما إلي ذلك ، وإن لم تكن صالحة ولا قابلة للاصلاح قررت إغلاقها ، ولديها

العدد الكثير الذي لا يجد وظائف حتى تنشئ المعهد الجديد ، أما في الأزهر أو في كلية الآداب وتتم الدراسة فيه .

أما أن توافق على إنشاء هذا وذاك كما توافق على إقرار ذلك ، فعمل اقل ما يوصف به انه عدم تقدير للعواقب مع وضوحها وتأكدها

ثم هذه هي المشكلة التي يجب حلها الآن ، أما حلها بمسابقات أو تعيين عدد من هذا وعدد من ذاك وعدد من ذلك ، فمعالجة سطحية ومسكنات عرضية ، لا يلجأ إليها الطبيب الماهر ولا يكتفي بها ، لأنها لا تستأصل المرض .

اشترك في نشرتنا البريدية