الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 50 الرجوع إلى "الثقافة"

بين الاسلامية والوثنية

Share

كلفت مرة في الحرب الماضية أن أقود سفينة محملة ديناميت من انكلتره إلى بمباى . وحدث ما شئت عما جاش بصدرى من العواطف حين طلب إلى أن اقوم بهذا الواجب ؛ فقد كانت الغواصات فى البحر الأبيض

يرى الباحث المنصف فى الاسلامستان (١) الهندى الذى هو قسم إسلامى عظيم فى الهند ، أن الإسلامية الهندية فى تصادم دائم مع الهندوكية التى تحاربتها باسم تلك البدعة التى تطلق عليها الهندوكية اسم الوطنية .

وقد بلغت فى التوغل والسيطرة حدا تكاد معه أن تمحو كل شئ يعترضها فى طريقها ، وتعصف بكل عقبة تحول بينها وبين تحقيق غايتها ، بلا هوادة ولا رحمة . ولم تتورع فى سبيل الوصول إلى هذا الهدف عن محاربة الإسلامية نفسها ، وهى الجامعة الشاملة الكاملة للحقيقة الأبدية الخالدة ، وللكمال المطلق الذى تحتويه تعاليمها ، وقد دأبت الهندوكية على النيل منها ، وتشويه جمالها جاهدة بكل وسيلة .

- ٢ -

وتدل المظاهر - بلا شك - على أن هذا الصراع (بين الوطنية والإسلامية) لم يبقى محصورا فى نطاق الهند وحدها ، بل خرج عن هذه الدائرة إلى جميع بقاع الدنيا التى تحتويها الأقطار الإسلامية . على أن الصراع الإسلامى الهندى هو أقوى وأعنف صراع يشهده العالم الإسلامى كله فى فجاج الأرض المتشعبة وأنحائها المختلفة .

المتوسط كالأسماك احتشادا ، والألغام تسبح فى كل مكان كأنها الأعشاب فوق صفحة القدير . ومع هذا لازمنى الحظ الحسن ، ووصلت بسلام . وعند ما ألقيت المراسى فى مرفأ بمباى أخذ رجال السلطة هناك ينظرون إلى كأنى  شبح خارج من وسط المقابر . وقال لى قائلهم : " إن هذا من طالعك السعيد أيها القبطان وإلا فكيف نجوت من مخالب البارجة ولف وربانها كارل نرجر ؟ إنه يطوف بها فى بحر الهند ، وقد صاد بها عدة سفن ! " .

كانت ولف هذه طرادة ألمانية حمولتها ستة آلاف طن ، مسلحة بأربعة مدافع من عيار ست بوصات ، وطالما اجتازت الحصار البحرى مرارا ، وفى كل مرة كانت تحمل خمسمائة من الألغام الطافية لتبثها فى مختلف البحار .

ولا بد لى هنا أن أشير إلى أن بث الألغام العائمة - التى تقضى على السفن من جميع الأنواع ، لا فرق فى هذا بين سفينة حربية ، أو ناقلة الجرحى ، أو سفينة تجارية ، وسواء فى هذا المحارب والمحايد - إن بث هذه الألغام مخالف تماما للقانون الدولى . ولكن ألمانيا لم تكن تكترث للقانون الدولى فى تلك الحرب ، وها هى اليوم قد عادت تبث الألغام مرة أخرى .

وفى أثناء الحرب الأخيرة وضعت بريطانيا نحو مائتى ألف من الألغام ، وكان بعضها يجعل مثابة حاجز قائم يشتمل على نحو عشرة آلاف لغم ، وكان هنالك حاجز عظيم من الألغام طوله نحو مائتى ميل يشتمل على صفوف من الالغام بعضها فوق بعض ، ومنها ما هو متعمق فى البحر نحو ثلثمائة قدم ، وكان هذا الجدار الهائل من الألغام يشتمل على ما لا يقل عن ١٢٠٠٠٠ لغم ، وبواسطة هذين الحاجزين استطعنا أن نضيق نطاق نشاط الغواصات الألمانية ، بحيث أصبح فى فاتحة عام ١٩١٨ مقصورا على البحر الشمالى .

وقد بثت عشرات الآلاف من الألغام من حول السواحل البريطانية ، لكى تحمى نقطا حيوية خطيرة ، وكم من غواصة ألمانية جاءت تزحف من تحت الموج مخترقة لجج هذه البحار ، وهى تحاول انتهاز الفرصة للإيقاع بسفننا ، ذهبت ضحية بعض ألغامنا المبثوثة حول سواحلنا .

إننا - معشر الملاحين - قد استهدفنا لكثير من الأخطار بسبب الألغام الألمانية ، وكم من ربان من أصدقائى وزملائى قد نسف هو وسفينته نسفا . وقضى هؤلاء نحبهم وهم يؤدون لوطنهم أجل خدمة ، إذ ينقلون إليه الطعام والغذاء . . إن الملاحين البريطانيين لم يرهبوا يوما أن يلاقوا مثل هذا الموت ؛ ولن يرهبوا أن يلاقوه فى أى وقت من الأوقات . . ( مترجمة عن عدد ديسمبر من مجلة بارايد )

- على أى عاتق تقع هذه التبعة الخطيرة ؟ وعلى من يتحتم أن يلتفت هذه الالتفاتة المنقذة ، وبتجه هذا الاتجاه المعين ؟ وعلى من يجب الاضطلاع بأداء هذا الواجب العظيم ؟

لا شك أن العالم الاسلامى كله ، مسئول عن هذا ، ولا جرم أن كل قطر إسلامى - بعد أو قرب _ عليه قسط يجب أن يؤديه للمساهمة فى سبيل هذه الغاية . ذلك حق لا ريب فيه .

ولكن بعض الأقطار الاسلامية ، جدير بأن يحتمل أوفر قسط ، ويضطلع بأكبر نصيب من هذا الواجب العام .

وما عنيت بذلك إلا بلدين : مصر أولا ، وتركيا ثانيا . عنيت مصر أولا ، لما توفر لها من بسطة فى العلم ، وتفوق فى الحضارة المتسامية فى العدل .

وعينت تركيا ثانيا لما توفر لها من أسباب الاجلال ، والتفوق فى الشوكة والقوة .

وإن الاسلامية الهندية بالأسلامستان لتصرخ مستغيثة فى هذه المحنة ، مهيبة فى كارثتها بالعالم الاسلامى عامة ، والعالم المصرى خاصة .

فهل نرى لهذه الصرخة المدوية سميعا مجيبا ؟   نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق العالم الاسلامى والعالم المصرى لتلبية هذا النداء بأذن سميعة .

- ٥ -

وبعد فهل عرف العالم الاسلامى خارج الهند شيئا عن هذا الصراع الذى لم تذع شهرته ولم يعرف عن حقيقته تفصيل ولا إجمال ، لأن أسباب الدعاية لم تيسر له كما يسرت لخصمه ، فلم يدر عنه سواد المسلمين شيئا يذكر ؟

بل أنا أزعم أكثر من ذلك . فقد عرفت من محادثاتى ومشاهداتى المتوالية أن الجهل بهذه الحقائق قد بلغ مبلغا عظيما ، حتى إن أغلب الناس ليجهلون أصوله الأولى ويفهمونه على عكس حقيقته ، ويعتقدون خلاف الواقع .

فاذا سمع مسلمو الهند ما تلقفه مسلمو الأقطار الأخرى من معلومات خاطئة ، ومزاعم فاسدة فى هذا الباب ،

استغرقوا فى العجب ، وتملكهم الحزن والأسف .

تصدر مراقبة الامتحانات بوزارة المعارف نشرات سنوية تحتوى على مجموعة من الإحصاءات عن الامتحانات العامة ، وهى إحصاءات قيمة يستطيع الباحث أن يستنبط منها كثيرا من الحقائق عن سير التعليم فى المدارس الابتدائية والثانوية . وقد ظهرت منذ وقت قصير احصاءات سنة ١٩٣٧ فى ثلاث كراسات ، تختص الأولى منها بامتحان شهادة إتمام الدراسة الابتدائية ، والثانية بامتحان شهادة الدراسة الثانوية ( القسم العام ) الذى عقد لأول مرة فى تلك السنة ، والثالثة بامتحان شهادة الدراسة الثانوية ( القسم الثانى ) الذى عقد لآخر مرة فيها ، إذ بدأ امتحان السنة التوجيهية فى السنة التالية . وقد رأينا أن نوقف القراء على بعض ما فى هذه الكراسات من معلومات طريفة ، وسنبدأ بامتحان القسم الثانى .

أول إحصاءات هذا الامتحان إحصاء يحتوى على عدد الطلبة المتقدمين له ، والناجحين فيه ، والنسبة المئوية للنجاح ، من سنة ١٨٩١ إلى سنة ١٩٣٧ . وقد لخصنا ذلك فى الجدول رقم ١ .

ويبدو من هذا الجدول أمران :   الأول سرعة انتشار التعليم الثانوي فى مصر ، كما يستدل عليها من عدد التلاميذ المتقدمين للامتحان .

والثانى تغير متوسط النسبة المئوية للناجحين من فترة إلى فترة . فمنذ بدء إنشاء الامتحان إلى سنة ١٩٠٥ كان متوسط النجاح منخفضا ، ثم ارتفع ارتفاعا محسوسا فى الفترة الممتدة من سنة ١٩٠٦ إلى سنة ١٩٢٥ ، ولكنه

عاد إلى الانخفاض نوعا بعد ذلك ، وإن لم يبلغ فى انخفاضه مستوى السنين الأول للامتحان . ولا عبرة بارتفاع النسبة قليلا فى متوسط السنوات  (١٩٣١ - ١٩٣٥ ) , فهو ارتفاع ظاهرى ، لأنه يرجع إلى ارتفاع نسبة النجاح  صدفة فى سنة واحدة (هى سنة ١٩٣٥) ،  إذ بلغت٦٦  % ,    ولو أخرجنا هذه السنة لكان متوسط نسبة النجاح  للسنوات الأربع الباقية  ٤١ % ,

الجدول رقم ١ امتحان شهادة الدراسة الثانوية * من سنة ١٨٩١                    إلى سنة ١٩٣٧

الفترة

من سنة _______ ١٨٩١ ١٨٩٦ ١٩٠١ ١٩٠٦ ١٩١١ ١٩١٦ ١٩٢١  ١٩٢٦ ١٩٣١ ١٩٣٦

إلى سنة __________ ١٨٩٥ ١٩٠٠ ١٩٠٥  ١٩١٠ ١٩١٥ ١٩٢٠ ١٩٢٥  ١٩٣٠ ١٩٣٥ ١٣٩٧

متوسط عدد الطلبة الذين امتحنوا كل سنة _________ ١٠٣ ٢٦٠ ٣٣٦  ٦٤٣ ١٠٦٢ ١٢٤٨ ١٨٢٨  ٢٧٥٠ ٤٢٢٨ ٥٣١٣

متوسط النسبة المئوية للنجاح فى الامتحان ٣٨% ٢٧% ٣٩%  ٥١% ٤٦% ٤٥% ٥٤%  ٣٧% ٤٦% ٤١%

(*)كان الامتحان إلى سنة ١٩٠٥ قسما واحدا ، ومن  سنة ١٩٠٦ تفرع الى قسمين : العلمى والأدبى .

وإذا تركنا هذا جانبا ، فربما كان أهم ما يستحق النظر فى إحصاءات هذا الامتحان الجداول التى تتعلق بأعمار الطلبة . ففى جدول منها نجد بيانا عن متوسط

وأزيد على ذلك فأقول :

كيف يدور بخلد كائن من كان أن يتصور أن يوجد فى الدنيا مسلم صحيح الاسلام يعرف معنى دينه وغايته ، وما يحتمه دستور عقيدته على الأمم الاسلامية من استقلال متفرد أينما كانت وحيثما وجدت فى حرية تامة ونظام أتم ، كيف يتصور ذلك المسلم الحق أن ترضى هذه الأمم بالوقوع فى ربقة الذل والخضوع للعقائد الأخرى أو التنازل عن كرامتها وحرياتها ؟ ومتى أقررنا ذلك ، حق لنا أن نسأل : كيف يمكن الاسلامية الهندية أن ترضى بالخضوع لحكم الهندوكية والأستسلام لنظمها ، وليس لخضوعها

سن طلبة المدارس الأميرية وغيرهم فى كل سنة من السنوات العشر التى تنتهى بسنة ١٩٣٧ . وهذا البيان يدل على تناقص سن الطلبة من كلتا الفئتين سنة بعد سنة ، وحسب القارئ المقارنة الآتية ليتبين نتيجة هذا التناقص :

الجدول رقم ٢ متوسط سن الطلبة فى امتحان القسم الثانى (الدور الأول)

الفئة

طلبة المدارس الأميرية الطلبة  الآخرون

أدبى علمى ___ أدبى  علمى

سنة ١٩٢٨

الطلبة الذين حضروا الامتحان __________ الشهر        سنة __________  ١١           ٢٠  ٥             ١٩  __________    _           ٢٣ ١             ٢١

الطلبة الذين نجحوا فى الامتحان ________  شهر     سنة ________ ٩          ٢٠ ٩          ١٨ __       ___ ٩          ٢١ ٢          ١٩

سنة ١٩٣٧

الطلبة الذين حضروا الأمتحان ___________  شهر           سنة ___________ ١٠              ١٩ ٩                ١٨ ___________ ٥                ٢٢ ٨                ٢٠

الطلبة الذين نجحوا فى الأمتحان ________ شهر      سنة ________  ٣          ١٩ ٤          ١٨ ________ ٧          ٢٠ ٤          ١٩

(*)  هذا العدد يشمل طلبة تجهيزية دار العلوم ، ولكن عددهم قليل لايحتمل أن يؤثر تأثيرا كبيرا فى متوسط السن للجميع

ومن هذا الجدول يمكن استخلاص عدة حقائق . وبعض هذه الحقائق ليست جديدة ، فمن المعروف أن طلبة المدارس الأميرية أصغر سنا فى المتوسط من طلبة المدارس الأهلية والمتقدمين من منازلهم ، كما أن أحدا من مدرسى المدارس الثانوية لن يدهشه أن يعلم أن طلبة القسم العلمى كانوا فى كل من السنتين أصغر سنا من طلبة القسم الأدبى ، ولعل القارئ يستطيع تعليل ذلك بعد أن ينتهى من قراءة هذا المقال.

أما الجديد الذى نستخلصه من هذا الجدول فهو أن متوسط سن الطلبة الناجحين يقل فى جميع الحالات عن متوسط سن الطلبة المتقدمين للامتحان ، وبعبارة أخرى أن الطلبة الأصغر سنا تنجح منهم نسبة أكبر من نسبة النجاح للطلبة الأكبر سنا . وهذه حقيقة نعززها بصورة بارزة البيانات التى يحتوى عليها إحصاء آخر من

إحصاءات امتحان شهادة الدراسة الثانوية (القسم الثانى) ، وهو الاحصاء الذى يبين تقسيم الطلبة المتقدمين للامتحان على حسب أعمارهم ، والنسبة المئوية للنجاح فى الدور الأول لكل عمر . ويجد القارئ خلاصته فى الجدول رقم ٣ .

فإذا تأملنا فى هذا الجدول لفت نظرنا أن النسبة المئوية للنجاح تتناقص باطراد تام كلما زادت سن الطلبة . وهذا التناقص المطرد ظاهر فى جميع الفئات ، فتراه في القسم الأدبى كما تراه فى القسم العلمى وتراه فى طلبة المدارس الأميرية كما تراه فى طلبة المدارس الأهلية والمنازل . وإذا نظرنا إلى الخانة الأخيرة ، وهى التى تحتوى على النسبة المئوية للناجحين من جميع الطلبة ، رأينا بوضوح أن نسبة النجاح كانت تزيد على

اشترك في نشرتنا البريدية