الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 589 الرجوع إلى "الرسالة"

بين الحقائق والأساطير

Share

كتب الأستاذ محمود عزمى مقالاً اقترح فيه أن تطلق كلمة  العروبة بفتح العين على الجامعة العربية

قال الأستاذ: (وقد وفقت مع رهط من أصدقائى اللبنانيين  وأنا أصطاف معهم إلى تعريب لفكرة التعاون المستند إلى مدرك  الأمريكية الشاملة - فى نظام جامعة الأمم الأمريكية - بلفظ  واحد يدل أبلغ الدلالة على جامعة الأمم العربية التى يصح أن  يعبر عنها باللغات الأجنبية بكلمة Arab-Pan وهو لفظ  العروبة بفتح العين لا بضمها. وقد وردت فى القواميس وفى  المدونات على أن من معانيها العرب مجتمعين فى مواسمهم، كما  ورد أن يوم الجمعة كان يسمى يوم العروبة بالفتح قبل أن يسمى  يوم الجمعة)

وتناول هذا المقال  (مشاغب)   المصور فقال:   (. . . ليسمح لنا  الأستاذ أن نقفش له ولأصدقائه هذه القفشة. فقد رجعنا إلى  أكبر القواميس والى أمهات اللغة فلم نعثر على أن العروبة بالفتح  هى العرب مجتمعين فى مواسمهم حتى يصح أن تطلق على الجامعة  العربية. فقد قال صاحب لسان العرب وصاحب محيط المحيط  وغيرهما إن العروبة والعروب بفتح العين هى المرأة اللاعبة الضاحكة،

أو المتحببة إلى زوجها أو العاصية أو العاشقة الغاوية، وإن  إطلاق العروبة بالفتح على يوم الجمعة كان قبل الإسلام، وأنه  يظن أنه دخيل فى اللغة، وقال صاحب اللسان: وفى حديث  الجمعة أنها كانت تسمى عروبة بالفتح وهو اسم قديم لها، وكأنه  ليس بعربي. . . وأشار بعد ذلك إلى أنه تغير بعد ظهور الإسلام  وسمى يوم الجمعة. . .)

هذا هو مدار المشاغبة بين الأستاذ عزمى و(مشاغب)    المصور الذى أصاب فى قفشته اللغوية، وأحسن إذ حال بين  الجامعة العربية وإطلاق كلمة العروبة عليها فمن هى هذه العروبة؟

من هى هذه الحسناء اللعوب المتعجبة الغاوية العصية؟ من هى هذه الفاتنة التى كان يوم الجمعة يسمى باسمها فى  الجاهلية ولا تزال فى خصائصه أثارة من تلك التسمية حتى اليوم؟ أكبر الظن أنها هى  (الزهرة)  كوكب العشق والهوى  واللعب والغواية، ثم كوكب يوم الجمعة الذى نسب إليه هذا  اليوم فى أرصاد المشارقة منذ آلاف السنين، وقد بطلت نسبته  الآن فى لغات المشارقة ولم تبطل من لغات الأوربيين الذين  اقتبسوا أرصادهم من الشرق قبل ظهور المسيحية بقرون،  فلا يزال الفرنسيون يطلقون على يوم الجمعة اسم فندردى  Vendredi أى يوم الزهرة Venus ولا يزال الإنكليز يطلقون عليه اسم فرايدى Friday أى يوم فرايا، وهى مقابلة الزهرة  عند أبناء الشمال الأقدمين

والمعروف أن المشارقة فيما بين النهرين - قد سبقوا  الأوربيين إلى رصد الكواكب السيارة والثابتة، ومزجوا هذه  الأرصاد بالعقائد الخرافية التى اشتمل عليها علم الفلك القديم.  فزعموا أن الكواكب مستولية على الأيام والحوادث، مسيطرة  على السعود والنحاس، وقالوا إن الشمس مستولية على يوم  الأحد، وإن القمر مستول على يوم الاثنين، وإن المريخ مستول  على يوم الثلاثاء، وإن عطارد مستول على يوم الأربعاء، وإن  المشترى مستول على يوم الخميس، وإن الزهرة مستولية على يوم  الجمعة، وإن زحل مستول على يوم السبت، وإن هذه الكواكب  تتداول الساعات جميعاً فى هذه الأيام

وقد بقيت هذه النسبة فى أسماء الأيام الأوربية إلى العصر  الحاضر بعد أن بطلت فى مصادرها الأولى فيوم الأحد بالإنكليزية يسمى يوم الشمس Sunday بلفظ  صريح.

ويوم الاثنين يوم القمر Monday بغير تحريف كبير ويوم الثلاثاء يسمى يوم اله الحرب Tuesday وهو تيوا  عند أمم الشمال، ونسبته فى اللغة الفرنسية أصرح وأظهر لأنهم  يدعونه Mardi أى يوم مارس، وهو المريخ

ويوم الأربعاء يسمى يوم أووين إله الفنون Wednesday  ونسبته فى اللغة الفرنسية كذلك أصرح وأظهر لأنهم يدعونه  Mercredi أى يوم مركيوري، وهو اسم عطارد عند جميع  الأوربيين

ويوم الخميس يسمى بالإنكليزية يوم ثور إله الرعد والبرق  والصواعق والنيران والصناعات التى تستخدم فيها النار  Thusday ويشبه فى خصائصه المشترى كما يعرفه الشرقيون ويوم الجمعة منسوب إلى الزهرة كما تقدم، ويوم السبت  منسوب إلى زحل، وهو فى الإنكليزية أصرح منه فى الفرنسية  أى يوم Saturday (ساتيرن) ، ومعناه زحل فى تلك اللغة ولا شك فى مرجع الزهرة خاصة إلى الأساطير المشرقية  بلفظها ودلالتها

فكلمة Venus فينس كانت تكتب باللغات الأوربية  القديمة بنث Benush ثم صحفت الباء إلى الفاء، كما يتفق  كثيراً فى جميع اللغات، وصحفت الثاء إلى السين فأصبحت  فينس كما تنطق اليوم، ومرجعها على ما هو ظاهر إلى كلمة بنت  التى تدل فى العربية وغيرها من اللغات السامية على الفتاة وكلمة   (أشتار)  التى أطلقت من قبل على الزهرة، ثم أطلقت  على سائر النجوم مأخوذة من أستار و   (عشتروت) ، أى الزهرة  عند الفينيقيين. ومنها الاسترلاب أو الاصطرلاب مقياس  الكواكب والأفلاك

وخصائص الزهرة فى أساطير الفلك المشرقية هى بعينها  خصائصها التى تثبت لها حتى الآن فى أساطير الغربيين، وهى  الاستيلاء على العشق والهوى والجمال الغاوى والفتنة الخليعة،

وفى رسائل إخوان الصفاء كما فى غيرها من كتب الحكمة  والفلك:   (. . . من ذلك حال السعدين المشترى والزهرة. فإن  أحدهما دليل على سعادة أبناء الدنيا وهى الزهرة، وذلك أنها  إذا استولت على المواليد دلت لهم على نعيم الدنيا من الأكل  والشرب والنكاح والميلاد، ومن كانت هذه حاله فى الدنيا فهو  من السعداء فيها)

وقد بقيت للجمعة صلة بالحب والمتعة حتى اليوم بعد نسيان  كلمة العروبة التى كانت تطلق عليه فى الجاهلية

فمن هنا إذن جاء وصف العشق والهوى ليوم الجمعة فى  الجاهلية المنسية، ومن هنا انعقدت الجامعة بينه وبين العروبة  التى هى المرأة اللعوب المتحببة العاصية الغوية، وكل حسناء  لعوب تجمع بين هذه الصفات كما جمعت بينها الزهرة ربة الفتنة  والغرام عند الكلدان والفينيقيين قبل اليونان واللاتين

ومن الحسن إذن أن يكون للجامعة العربية كوكب غير  الزهرة فى مطلعها الجديد أو طالعها الجديد فإن اجدر الكواكب أن يستولى على الجامعة العربية  فى هذا الطالع لهو كوكب عطارد الذى تنسب إليه الآداب  والفنون فى أقوال الشرقيين قبل الغربيين، كما قال ابن الرومى:

ونحن معاشر الشعراء نُنمى ... إلى نسب من الكتاب دان

أبونا عند نسبتنا أبوهم ... عطارد السماوى المكان

وهذا من الأدلة الكثيرة على أن الخصائص الفلكية التى  تزعمها الأساطير الأوربية لأرباب الآداب والفنون من شعر  ونثر وغناء وموسيقى قد كانت معروفة على هذه الصفة فى الشرق  العربى وفى الشرق كله قبل دولة الإسلام والعربية والرأى الصائب هنا غير بعيد من دلالة الأساطير على  هذا المعنى. فإن الجامعة العربية لا يجمعها شئ كما تجمعها اللغة وآدابها  ومنظومها ومنثورها وأفانين الفصاحة والتعبير فيها فالجامعة العربية قبل كل شئ هى جامعة اللغة العربية  واللسان العربى بما أفاض فيه من شعر ونثر وخطابة وبيان وعطارد السماوى المكان هو صاحب هذه الجامعة دون  غيره من كواكب السماء، وبخاصة تلك الزهرة اللعوب!

فلن تنفصم للأمم العربية جامعة ما دامت لها لغة واحدة  وأدب مشترك فى تلك اللغة. لأن هذا الأدب هو الميراث الذى  يربطها بأسرة واحدة، ولا يقع النزاع عليه كما يقع النزاع كثيراً  على ميراث المال والحطام، بل هو أبداً مجلبة الوفاق وموزع  الحصص بمقدار ما يتناول منها المتناول فى غير ضرار ولا شقاق

أما الوحدة العربية من وجهة السياسة فلها ضمان واحد  يتقدم على كل ضمان، وهو حرية كل أمة عربية فى الحكم  وحرية كل أمة عربية فى الاختيار، وحرية كل أمة عربية  فى معاملة الأمم الأخرى

فإذا قامت الوحدة على هذين الأساسين: أساس الأدب  وأساس الاستقلال؛ فكل ما وراء ذلك فهو تفصيل يطويه  الإجمال، وهو بأية حال مسألة رسوم وأشكال. ولا يبالى العربى  فى قطر من أقطار العروبة ماذا يكون الرسم، أو ماذا يكون  الشكل إذا سلمت له اللغة وآدابها، وسلمت له الحرية وحقوقها ولكل عربى أن يقول يومئذ فى سائر العرب:   (أبونا  عند نسبتنا أبوهم)  إذا كان عطارد هو رمز الأدب والفصاحة  والبيان.

اشترك في نشرتنا البريدية