الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 238 الرجوع إلى "الثقافة"

بين الشعر والنثر

Share

الشعراء الخالدون الذين ملكوا زمام الصناعتين ، فصاغوا شعرهم من حر الكلام وعلي سجية الطبع والإلهام ، وأحلوا عصم النثر سهل الأباطح ، قليل عديدهم في أدب العرب منذ ظهر وازدهر إلي يومنا هذا ؛ فما يؤتى شاعر موهبة القريض ومناجاة الوحي في القصيد ، وبيد نوابغ الشعراء ليكون العميد إلا وتشغله بنات الخيال والأحلام عن معالجة النثر المستمسك بأرجاء العقل والواقع ، الزاهد في التهاويل والأوهام ، أما الشعراء الذين استهلوا حياتهم الأدبية بنظم الشعر فياضا بشعورهم في قديم الأدب وحديثه ، ثم عدلوا عنه إلي النثر ، فإن حظهم من البراعة والإبداع كان عظيما رائعا . لقد بدأ أناتول فرانس بواكيره الفنية يقول الشعر ونثر من منظومه ديوانا ، ثم تجافي عن القيود إلي دنيا المرح والطلاقة ، فبدا أديب الطبع والخاطر وكاتب السهل الممتنع ، حتى غدا علما من أعلام النثر الفرنسي في دهرنا الجديد . وكذلك حظ المنفلوطي والرافعي وغيرهما في أدب العرب الحديث ، شغفوا بالشعر ونظمه في مستهل نشأتهم الأدبية ، فكان من أعز أمانيهم أن يكونوا شعراء كمعاصريهم من أمثال البارودي وصبري وحافظ وشوقي ، ولكنهم انصرفوا بعد حين إلي مزاولة النثر ، وبعضهم لم يقتصر عليه وحده ، إذ كان يعاوده الشعر لماما ، ففتحوا في آفاق الأدب فتحا مبينا ، إذ جددوا في أساليبه ومذاهبه ، وتزودوا خير زاد من بلاغة العربية وأصول البيان والتأليف حتي بلغوا مبلغهم من الإتقان والتبريز . ولقد رجح في موازين الأدب ومعايير النقد أن من شعر بالشعر ثم صدقت به بالمصادقات والحياة عن قرض الشعر إلي الأخذ بفنون النثر والتجويد في ضروب الإنشاء كان كاتبا متصلا من اللغة ودقائقها ، بصيرا بألوان الكلام . وقد يكون الكاتب في قمة النثر ،

فإذا مارس الشعر وتكلف النظم على غير طبع فيه هبط إلي السفوح ، كما فعل الجاحظ وقد بلغ في نثره وجزالته ما قصرت عن مداء همم الكاتبين الذين سلكوا مسلكه وتقبلوا ظلاله ؛ فلما اصطنع الشعر وتعاطاه موزونا مقفي كشعر النظامين في أيامنا أخفق فيما تعلق به ، لأن طبيعته الفنية الأصلية أبت أن ترجي به بين الشعراء وزانا . وجادت عليه مما أرادت فأزري نثره المطبوع بشعره المصنوع ، ولكنه شعر قليل ، وأين حجارته وخزفه من قلائده وفرائدة المنثورة التي ما أزدان وجه الفلك بأجمل منها ! وعاب الجاحظ على ابن المقفع ما عيره به النقاد ، لقد عاب عليه شعره المصنوع ، وابن المقفع مثل الجاحظ أصيل في النثر لكنه دخيل في الشعر . ولو أحصينا كتابنا القدماء الذين تكلفوا الشعر لما استطعنا عليهم عدا ، فإن شيوع الصناعة اللفظية في أيام التكسب والزلي جعل غاية الأدب مادية تقليدية يتخذها الموهوب وغير الموهوب كصناعة من الصناعات اليدوية ، ولم تكن البراعة فيها لذي الشعور الصادق والأسلوب الخاص ، بل لمن يغلو في تنسيقه وتزويقه ، ويتزيد في أماديحه ومعانيها ؟ فكان النثر زخرفا وأسجاعا ، والشعر محاكاة وتقليدا . وبهذاء غاض معين الفن في الأدب الذي قام في ذلك الحين على قاعدتين من نظم ونتر ، وسماهما أهلوه صناعتين ، ولم تكن كلمة الفن عندهم محظوظة متداولة ، بل لم يكن لمدلولها حرمة ولا كرامة ، ولما وقر في النفوس أن الحظوة والحفاوة لمن بجيد الصناعتين ، تهافت عليهما كثير ، وقليل ما هم أولئك الذين واءهم الطبع بالخصائص والمواهب ، ونبغوا في الشعر والنثر معا . فكان المعري بالمشرق في طليعتهم شاعرا فحلا وناثرا بليغا ، أشرق فنه وتألقت بصيرته في لزومياته ورسالة غفرانة ؛ وكان منهم في المغرب ابن زيدون شاعر ولادة وكاتب رسالتيها . وفي العصر الحديث زاول الشعر كثير من أدباء العرب ، ولكن في تعمل وكلفة وتعسف ، حتى

أن الدكتور طه حسين نظم قصيدة يوم كان في إهابه الشيخ طه حسين ، أحسبه يبرأ منها ، إذ بدل اليوم إنسانا جديدا وأدبيا مبدعا ؛ ومجمل القول فإن هذا العصر أنبل حظا وأحفل بالكاتبين الذين عالجوا الصناعتين ، وجودوا فيهما وافتنوا دون تصنع وتكلف . ففي مطالع هذه النهضة اعترت العربية بالشاعر الناثر ولي الدين يكن الذي استوفي نصيبه من أدب الطبع ، فأفاض على كتبه حدة النقد والأسلوب ، ورهافة الخيال والشعور ، وازدهت مصر في أدبها الجديد بأقطاب العلم والفن ، الذين استفاضت ثقفاقتهم وتمازجت بلباب الثقافات الغربية ، فمهروا العربية بأشتات المؤلفات ، وخاضوا في بحوث ظهرت عليها بوادر عقولهم ، ووجهات تفكيرهم ؛ ولكن ندر فيهم من تطامنت له الصناعتان ونبع فيهما معا ، فمن ثقلت كفة ميزانه في الشعر شالت الثانية في النثر ، ومن برع في نثره خفت موازينه في شعره . وأشهر هؤلاء الكاتبين القارضين على ضفاف الديل : المازني ، والعقاد ، وعبد الرحمن شكري ، والطيبان أبو شادي وإبراهيم ناجي ، والمهندس على محمود طه ، على أن من الإجحاف بحق هؤلاء الأدباء ألا ننوه بأثر تجديدهم وتوجيههم في تطور الشعر ، وما أدخلوا على أدبنا الحديث من مذاهب النقد والتعبير ، وصور الفن والتفكير ، وبينهم من حمل بعد حافظ وشوقي تكاليف النهضة الشعرية الراهنة ، وسدد خطي المحدثين من الشعراء المصريين ؛ ولهؤلاء جميعا دواوين مطبوعة كثيرة ، وتصانيف عديدة زاخرة ، بما فيها من تيارات متضاربة ومتجاوبة في مجالي الكون والحياة وحوادث العالم الأيام وكان من حظ الشام ولبنان أن يعثر الشقيقان بكوكبة من نوابع الأدب ، نشروا في سمائه أجنحة من الشعر وأجنحة من النثر ، وهم قوافيها على جمال الوجود ، وأشرفوا على آفاق الفن ، ثم خطوا علي الورق بمناقير أفلامهم فتمتعوا حلل الشعر ودبياجة النثر برقة إحساسهم

وصفاء نفوسهم ، ودقة وعيهم ، وجعلوها محلي لحياتهم ، وطبيعة بلادهم ، وصدى لجروحهم و آلامهم ، ولم يقفوا بآدابهم عند عبقرية الضاد ، بل مدوا عيونهم ، وتلفتت قلوبهم صوب الخواطر والنظرات المطلة عليهم من دنيا لامرتين ، وبودلير ، وبول فاليري ، واندريه جيد . فمن أولئك الأقلين عددا ، القائلين مرسلا ومقفى ، شاعر يستوحى منظومه من وجوه الساحل ، ومشارف الجبل ، وخضرة الطبيعة ، ذلك "أمين مخلة " الذي يطبع نثره الخاص برقة وأناقفة ، لا يوازيه بل لا بهذه فيهما كاتب . وإنما يتقبل طريقته الفردة كثير من ناشئة اليوم . ولولا أن أمينا نسيج وحده في نثره وشعره لما افردته بالذكر ؛ ففي شرقي الساحل الأبيض موكب حافل بأفذاذ الكاتبين ولكنهم لم ينبغوا في الصناعتين معا ، ولم يواتهم الخصب فيهما ؛ فقد يحلى أحدهم في ميدان النثر دون الشعر ، أو تكون سليقته في الفريض هي الفضلى .

وفي هذه البقعة المباركة من الفيحاء فريق من العلماء والأدباء ممارسون الشعر والنثر معا كأندادهم في بلاد العرب ، فيهم الشاعر الفحل والكاتب المترسل ، وعلى صعيدهم شاعر تأثر ( ١ ) أعطي مقاليد الفن والبيان ، فأمسك بعمود الشعر رابطا عدد الحديث بتاريخه القديم ؛ ذلك هو الاستاذ شفيق جبري الذي تمناء هوي العروبة ، وملا عطفيه الزهو بماضينا الأغر ، هذا الماضي الذي يجد فيه فئتا من مضاجر حاضرنا ومن همومنا وانفسنا لينعم حينا بمباهج الأمجاد والأجداد ، وإنه لينترع من ذكرياته الغالية انضر معانيه وأرصن قوافيه ؛ ولم يقف هذا الشاعر عند عز الماضي وأديه وعبقريته ، بل تمرس بأدب الغرب وتروي بدائعة وثافن طويلا إلي أسفار العلم أناول . ففي نثره المطبوع وأسلوبه الخاص ينجلي ترسل الجاحظ وعقل ابن المقفع ؛ أما شاعريته فتنجس وتهيج ، وتهتز وتبدع إذا جل

خطب أو طاب حفل ، فيجلوها قصيدة مواجة بالآثر اليعربية ، خفاقة بالحياة ، وعليها من روح ابي الطيب أطيب النفحات ؛ وإذا لم يهزه حادث جلل قبع وانقبض في أفقه الضيق مرتقبا جلاء الغمرة حتى ينطلق ويحلق في السماء التي يريدها . على ان الأدب يؤاخذ شاعرنا بطرح هذا الشعر في تضاعيف الصحف والمجلات ، وكان الأولى والأجدي أن يلمه ويضمه بين دفتي ديوان يكون ميزانا لشعر الشام الحديث .

وبعد ، فيا محبا لصنع الله في العبقريات التي يختص بها من يشاء ، فينعم بها خصيبة عجيبة على الموهوبين الذين يمسك احدهم بيد واحدة ما تعيا به الأيدى ، ويبلغون أمد الكفاية والنبوغ فيجتازون الاختصاص الذي فرضه العلم ، ويبرزون في كل ما يصدر عنهم من الاطر ، ذلك شان الأدباء الذين تستوي أقلامهم في إبداع المنثور ووحي الشعور .

( دمشق )

اشترك في نشرتنا البريدية