من الشعراء الإنجليز شاعر أسكتلندي ظريف يمتاز بالشعر البلدي الاسكتلندي الخفيف الروح ، وهو روبرت بيرنز ، وقد أعجبي منه بيتان أرددهما دائماً فيما بيني وبين نفسي وهما في الترجمة البلدية المصرية : " ليت أن الله في الخلقة أعطاني عطية : أن أري نفس كما ينظر إخواني إليه "
وهو يعبر في هذين البيتين عن شعور إنساني عام أو شعور يكاد يكون عاماً . فإن الناس يتوقون إلى معرفة رأي الغير فيهم وفي تصرفاتهم . وهناك مظاهر شتى لهذا الشعور ، وإذا شاء أحد أن يكشف بنفسه قوة ميل الناس إلي معرفة رأي الغير فيهم فليذهب إلى أحد أصدقائه وليسأله مبادراً :
" هل عرفت ما قال فلان عنك ؟ " وأغلب ظني أن ذلك الصديق سوف بنصت إليه بكل شوق ليعرف ماذا قال ذلك الفلان عنه
وأعتقد أن أختراع المرآة لم يكن سوى وسيلة لتحقيق رغبة الإنسان في معرفة كيف تبدو صورته في أعين الغير . وإلا فما هو القصد من إختراع هذه الآلة التي لا وظيفة لها إلا أن ترينا صورة أوجهنا ؟ فالرجل ينظر كل صباح في المرآة قبل خروجه لكي يعرف الشكل الذي سيطلع به على الناس ويطمئن إلي أنه سيقع منهم موقعاً حسناً . وأما المرأة فإنها محمل المرأة معها في حقيبتها لكي تتيقن بين حين وآخر من أن شكلها الذي إطمأنت إليه منذ ساعة لا يزال علي عهدها به يسر الناظرين جميعاً.
ولكن إلي جانب هذه الحقيقة توجد حقيقة أخرى تناقضها كل المناقضة . فقد كان المنتظر من الإنسان أن يهتم بمعرفة آراء الناس فيه لكي يصلح نفسه ويجعلها
مقبولة عند الغير بقدر إمكانه . فإذا هو إستعمل المرأة ورأي أن مظهره ليس كما ينبغي لمثله كان عليه أن يسمي في تعديل ذلك المظهر حتي يحوز القبول عند من يراه . وليس من العسير علينا أن نجد تعليلاً لهذا المنطق البسيط فالإنسان اجتماعي ولا يمكنه أن يعيش إلا مع بني آدم ، ولا غني له عن أن يعرف رأيهم فيه ، وأن يحاول كل جهده أن يكون منسجماً معهم ، وأن يعيش بينهم على أحسن حال ممكنة من التوافق والتفاهم . هذا هو ما كان المعقول والمنتظر . ولكن الواقع يناقض هذا مناقضة عجيبة ، فكل فرد تقريباً يعجب بنفسه ويعتقد أنه مركز العالم . فإذا هو نظر إلي المرآة مثلاً لم ينظر إليها إلا بعينه هو ، وإذا لم يعجبه شئ في مظهره عدله وأصلحه حتى يكون ذلك المظهر وفق هواء ، وليس معنى هذا أنه يكون وفق هوي الناس . فالمرآة لم تفد الإنسان كثيراً من هذه الناحية لأنها إنما تعطى الناس فرصة ليروا صور أنفسهم بأعينهم الخاصة ، وهذا هو السر في أننا ننظر إلي المرآة في كل صباح ثم نخرج إلي أعمالنا راضين عن أنفسنا منشرحي الصدور مما رأينا . ولم نسمع عن أحد أنه كسر المرآة قبل خروجه من منزله لأنه استقبح شكل نفسه . فنحن عندما نريد معرفة رأي الغير فينا نضمر في الوقت نفسه رأياً ثابتاً في أنفسنا وهو في الغالب الرضاء التام والإعجاب .
فإذا تعارض رأي الناس مع آرائنا لم نتردد في أن نفهم آراء الغير وأذواقهم ، وقد يبلغ بنا الأمر إلي المخاصمة والعداوة اعتزازاً باعتقادنا في أنفسنا . أليس في هذا شيء من التناقض ؟ .
يمكن أن نذكر أمثلة كثيرة الدلالة على هذا التناقض العجيب في الضمير الانساني . فقد وردت في الأخبار قصص كثيرة عن بعض العظماء في التاريخ الذين كانوا يمتازون بشدة رغبتهم في معرفة آراء الغير فيهم . فكانوا يرسلون الرسل لكي يندسوا بين الناس ليحملوا لهم أصداء
الأحاديث عنهم . وكان هؤلاء الرسل يتفننون في طرق التدسس بين الناس في منازلهم ومباذهم وفي أنديتهم ومتاجرهم فيجمعون من كل ذلك بضاعة عظيمة المقدار من الأقوال ويحملونها إلى السادة الذين أرسلوهم . وكانوا يصيبون من وراء ذلك خيراً كثيراً ويفوزون بالجوائز السنية مكافأة لهم على خدماتهم.
ولكن العجيب أن العظماء كانوا إذا سمعوا هذه الأحاديث لم يهتموا بإصلاح ما يأخذه الناس عليهم ، بل كانوا يرسلون في اليوم التالي إلي أولئك الذين تحدثوا عنهم ويوقعون بهم أشد العقاب على فضولهم والخوض في مثل تلك الأحاديث .
وليس الأفراد العاديون بأقل من العظماء في هذه الناحية من طباعهم . ويستطيع كل منا أن يلمس هذا بنفسه إذا شاء ، فكثيراً ما يسألنا بعض الأصدقاء عن رأينا في بعض أعماله أو في كتاب ألفه ، وقد ينخدع بعضنا فيحسب أنه يريد حقاً أن يعرف آراءنا في تصرفه أو في كتابه ، فيمضي في إبداء رأيه في صراحة واطمئنان ظناً منه أنه قد أؤتمن على إبداء النصح وأن عليه أن يؤدي تلك الأمانة كاملة ، وبنسي في أثناء ذلك أن صديقه الذي يسأله ما هو إلا إنسان ، وأنه إنما يطلب رأيه بشرط أن يكون رأياً موافقاً لرأيه هو . وهناك تقع الواقعة ويبدأ ميدان الخصومة وقد يبلغ الأمر مبلغاً خطيراً لأنه قد ينتهي إلي زعزعة الصداقة وضياع المودة القديمة .
وأحكم الأصدقاء هم الذين يعرفون الطبائع البشرية حق المعرفة ، فإذا سألهم صديق عن آرائهم في تصرفه بأدروا بإظهار وجوه المحاسن وأغقلوا وجوه المساوئ . والأعمال الانسانية لا يمكن أن يخلو من المحاسن ، فلا يمكن لأحد أن يتهمهم بالكذب الصراح وهم في الوقت نفسه يسرون صديقهم ولم يخسروا في ذلك شيئاً ، بل لعلهم يربحون ريحاً عظيماً من زيادة المودة والثقة . وإذا سألهم صديق آخر عن
رأيهم في كتاب ألفه بادروا بالثناء على جهده والتمسوا كل الحسنات فنشروها ، وعمدوا إلى العيوب فبالغوا في التجاوز عنها وأغفلوها إغفالاً تاماً وهذا يرضى الصديق بغير شك ، بل هذا هو الذي كان ينتظره الصديق في أغلب الظن عندما سأل صديقه عن رأيه.
فلست أدري مع هذا كله هل كان الشاعر الإسكتلندي الظريف صادق النية عند ما تمني أن يهب الله له المقدرة على رؤية نفسه كما يراء الناس أم لقد كانت تلك أمنية شاعر متسرع لم يعرف حقيقة ما يتمناه ! ولست أدري كيفت تكون أحوالنا لو أستطعنا أن نعرف رأي الناس فينا على حقيقته ، أيكون ذلك مساعداً على تحقيق السعادة لنا أم يكون عاملاً على زيادة بؤسنا وعذابنا !
وهناك سؤال آخر يخطر على البال في صدد هذا الحديث . فإذا فرضنا أن رأي الناس كان سيئاً في أعمالنا وفي آرائنا فأي الطريقين أجدر بنا ، هل نساير رأي الناس ونعدل آراءنا وتصرفنا حتى تحقق رضاءهم أم نسير علي هدي آرائنا وإن كانت مخالفة لآراء غيرنا ؟ .
لاشك أن القضاء كان قاسياً علي هذه الإنسانية عندما حكم على بني أدم أن يعيشوا معاً وأن يحتاج بعضهم إلى بعض في كل شئ وأن يكون كل فرد محتاجاً إلي معاونة الآخرين ورضائهم عنه . ولو كان بنو آدم مثل السباع يعيش كل منهم بمفرده ويصيد فريسته بغير حاجة إلى مساعدة أحد من السباع الآخرى لتغيرت كل أحوال الحياة ولكان الناس في غني عن كثير من المواقف الحرجة . وإنه لما يزيد المشكلة تعقيداً أن بني آدم يمتازون عن سائر أنواع الحيوان بحب الثرثرة والدردشة والميل إلي إبداء الرأي وإن لم يكن عندهم آراء .
فكثيراً ما نجد الشخص يقذف بالآراء قدفاً في شتى مسائل الحياة والسياسة والأدب وغير ذلك وهو مشغول بالأكل أو الشرب . وكثيراً ما يحلو إبداء الرأي حول
موائد السهرات ، بل كثيراً ما يجد أن الآراء لا تتداعي ولا تتناثر كفراشات الربيع الزاهية إلا في مجالس السمر والفرجة . فماذا تكون الحال لو وهب الله لنا جميعاً مقدرة سحرية على معرفة آراء هذه الملايين الكثيرة المختلفة الألوان والأزياء ؟ .
إن من نعم الله على الناس أنهم كما هم ، وهذا الشاعر : الإسكتلندي الظريف إنما كان يطلب للبشرية عذاباً شديداً ، ولكن الله قد لطف بالخلق فلم يلب دعوته وأبقى على الناس حواسهم الغليظة . فليس في الإمكان أبدع مما كان ، وخير للجميع أن يمضى كل فرد في حياته كما يوحى إليه طبعه بغير أن ينغص عيشته بمعرفة آراء الآخرين . ولا شك في أن بعض النفاق محبوب ومفيد ، لأنه يسهل معاملة بعض
الناس لبعض . فإذا قال شخص لآخر : " نهارك سعيد " مع أنه لا يريد حقاً أن يتمني له نهاراً سعيداً أو إذا قال له : " أشكرك لأنك تفضلت بزيارتي " مع أنه كان في أشد الضيق من زيارته لم يضر ذلك القول أحداً ، ولكنه في الوقت نفسه يسر السامع الذي يتلقي التحية . وقد يؤدي مثل هذا القول إلي أن يبعث شيئاً من السرور إلى القائل نفسه لأن تكلف الجميل يوحي إلي النفس بالمعنى الجميل .
فينبغي أن نعيد النظر في الشعور السائد ضد ما يسميه الناس عادة بالنفاق والمراءاة ، وحبذا لو أمكن أن نجد لهذه المعاني أسماء أخري أكثر قبولاً عند الناس فكثيراً ما كانت كراهتنا للمعاني والأشياء نتيجة لكراهة ورثناها
لبعض الأسماء
