الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

بين العقاد وشوقي

Share

لقد كان ١ ما بين العقاد وشوقي من اختلاف جوهرى ، على صلة وثيقة بكل اولائك ، بالمشاكل الذاتية بين الاديبين ، وبالمذهب الادبى الذى لكل منهما وبالوجهة السياسية التى يتجه اليها ذاك او هذا . .

اما اختلاف وجهتهما السياسية فكانت ذات شعبتين : شعبة يراها البعيد عنهما والقريب ، ولا يكاد ينكر وجودها الا المكابرون . وشعبة لا احسب ان فى المتصلين بهما - بله البعداء عنهما من يستطيع ان براها الا ان يتكلف لها مشقة التأويل ، او يدين للعقاد بالزعامة فيصدقه بلا جدال

فالتى يراها الناس هى تلك التى تضع العقاد في مكانه من الشعب المصري ، وفى مكانته من اكبر احزاب مصر " حزب الوفد " وعند اعظم زعمائها " سعد زغلول " وتوغل به فى الشعبية ايغالا يجعل قلمه لسان المصريين على عهد " سعد " ومقالاته ترجمان المطالب المصرية كما يراها " الوفد " وشخصيته الادبية ممتازة عند اكثر المصريين فى الشعر والنثر والنقد ، لانهم لا يعيرونها بمعايير الادب مجردة ، بل يسلطون عليها من اضواء الزعامة السياسية التى اكتسبها العقاد بانتمائه الى " الوفد " حزب مصر الاول ، وحامل لواء الكفاح الايجابى فيها لذلك العهد ، ما يقفز بالعقاد الى الصف الاول بين كتاب مصر ومفكريها . فعلى الرغم من ان بين الذين يقابلونه فى تحرير صحف الاحزاب الاخرى رجالا من اعلام المثقفين ، على رأسهم احمد لطفى السيد " استاذ الجيل " كما يسميه طه حسين - فقد استطاع العقاد بما له من مكانة في حزبه ، وما لحزبه من مكانة في نفوس المصريين ، ان يتبوأ مقعده الادبى الممتاز بين ادباء جيله ، ويكون الاديب الذى يعرفه الشعب ويلتهم ما يكتبه فى " البلاغ الاسبوعى " لسان " حزب الوقد " ، ويؤمن بما يقوله فى السياسة والاجتماع والنقد والادب ، ويشفق عليه اذا هو لفه

ظلام السجن . واخرس قلمه عنهم " عالم السدود والقيود " ، ( ١ ) وينتظر الافراج عنه ليعود فيقرأ ما عوده ان يكتب اليه ، وإن لم يكن اكثره في مستواه الشعبى .

فى هذه الفترة بالذات اين كان شوقى ؟ كان فى عالم اشبه بعالم " شعراء " صورهم العقاد فى هذه الابيات . ان لم يكنه :

هنيئا لسباقين فى عالم الشعر          يجيدون جمع الناس شطرا ( على ) شطر

لهم حظوة في كل عهد وحصة        لدى كل سلطان من الحمد والاجر

اذا اختلفت احزاب قوم على الضحى     فباليل هم حزب على اللهو والخمر

كان شوقى فى ظل " القصر " ؛ والقصر فوق البلاد ولكنه ليس منها . . وساكنوه قد لا يقاومون الشعب ولكنهم لا يؤيدونها ، وأتباعه اذا كانوا شيئا فلن يذكرهم الشعب لانهم لا يذكرونه ، بل يسلبونه مزايا فينسبونها الى مواليهم . ويشيدون بمواقف لهم هى في واقع الامر مواقف الشعب . وهكذا يوغل شوقي فى " ارستقراطيته " بقدر ما اوغل العقاد في شعبيته ، ويتمثل الشعبيون - وحتى المتنورون - شوقي عندما يتقلب فى احضان النعيم بالقصر رجلا يتمرغ في حمأة الخيانة التى تجلل القصر ومن فيه ، بقدر ما يتمثلون العقاد عندما " يحت الحصا عن جنبه المتعفر " بتراب " عالم السدود والقيود " زعيما يحتمل الاذى في سبيل الشعب ، ويسبح فى غدير الشرف الذى ترتوى منه أكاليل الغار . .

هذه هي الشعبة التى يراها الناس عيانا من اختلاف العقاد وشوقى فى وجهتهما السياسية ، ولو انها لا تخلو من سلبية من جانب شوقى . . ولو انها كذلك قد انفعلت فيما بعد ببعض نكبات الشعب عند شوقى ، وبعض نكبات شوقى نفسه وما اوذى به فى ذاته . فحركت فيه النزعة الاجتماعية حتى اصبح شاعر مصر الاول ، واصبح شعره سجل الاحداث المصرية والقومية ، واستحق من الباحثين المصريين لفتات انتجت للادب كتابا كاملا عن " وطنية شوقى " ( ٢ ) وآخر يعده صنو المتنبى او اجل منه قدرا ( ٣ ) وثالثا يجعل " شوقى ، شاعر العصر الحديث " ( ٤ ) كما انتجت فصولا اخرى تنوه بهذه الوطنية ، لعل من ابرزها الفصل

الذى خصه به الاستاذ عبد الرحمن الرافعى فى كتابه " شعراء الوطنية " .

واسم الاستاذ عبد الرحمن الرافعى لا يمر بى دون ان يترك فى نفسى شيئا ، اذ هو يحدثني من حيث اريد اولا اريد بأن ذلك الاختلاف في وجهة النظر السياسية بين العقاد و شوقى وما لطخ سمعة شوقى بسببه من تهم ، لم يكن من الحق في شىء . او في الاقل لم يكن حقا خالصا ، مهما التمسنا له من صلة شوقى بالقصر من مبررات ، ومهما كان لصمت شوقى فى الفترة التى اشرنا اليها عن ذكر الشعب بخير من تأييد لتلك المبررات . بل هو اقرب الى الاختلاف الحزبى منه الى اختلاف بين رجل يحتل مقعد الزعامة وآخر يوصم بالخيانة . ذلك لان التنويه بوطنية شوقى من طرف الاستاذ الرافعى وعنايته فيما كتبه عن شوقى عناية ملحوظة بما كان لشعر ، من تأييد لزعيم مصر الاول صديقه " مصطفى كامل " ولمواقف حزبه " الحزب الوطني " اللذين اهتم الاستاذ الرافعى نفسه فى غير ما اثر من انتاجه بالتأريخ لهما وان كان قد ارخ الحركة الوطنية المصرية كلها - اقول ان ذلك التنوية وتلك العناية يشيران فى وضوح الى ان شوقى كان فى جانب " الحزب الوطني " فى الوقت الذى كان فيه العقاد اديب " حزب الوفد " الاول ، وان لم يكن شوقى فى الواقع بعيدا عن الوفد كل البعد ، اذ أنشأ فى زعيمه سعد زغلول قصائد تخلد ذكرهما فى آن

وايا كان الاختلاف السياسى بين الرجلين فقد تطور في تلك الفترة وانتقل من تلك الشعب التى قلت من قبل ان الناس يستطيعون ان يروها ، الى الشعبة الاخرى التى قلت انهم لا يرونها الا ان يتكلفوا لرؤيتها مشقة التأويل ، او يصدقوا العقاد تصديقا . . وتتمثل فى اتهام شوقي فى مصريته .

اجل ، فان العقاد لم يكن يعترف بمصرية شوقى ، حتى ليقول عنه في بعض ما كتب : " كان شوقى يحس الوطنية المصرية كما يحسها التركى المتمصر من طبقة الحاكمين او المقربين . . "

واحسب ان الاستاذ العقاد يربط بهذا القول بين التهمتين ، فهو يشير الى اصل شوقى ، ليصدق الناس انه متهم فى مصريته ، لانه ميال الى اصله التركى ، ومن هنا فهو لا يحس احساس المصريين . . وهو يشير كذلك الى صلته بالحاكمين

الذين يجتمع معهم بجامع الاصل ، ليعرف الناس انه بعيد عن الشعب ، ارستقراطى النزعة ، يعرف من شؤون القصر وساكنيه مالا يعرف عن الشعب ، ويعبر عن  رغبات ساكني القصر دون رغبات الشعب الذى يحكمونه . .

هذا ما كان بين العقاد وشوقى من اختلاف في وجهة النظر السياسية ، بغض النظر عما اذا كان مبعثها وطنيا او حزبيا ضيق العطن .

وأما ما كان من اختلافهما فى المذهب الادبى فله حديث يطول . . انه يبدأ عند شوقي بالميل الى احداث " مذهب ابتداعى " فى الادب ، وينتهى به الى حمل راية " المذهب الاتباعي " فيما عدا محاولات قام بها فى آخريات حياته . . كما انها تبدأ عند العقاد بحمل لواء مذهب ابتداعي فى الادب ، ظل يحافظ عليه وما زال يدين بمبادئه ، ولكنه لم ينته به الى انتاج كامل مطبوع يطابعه خاضع لسننه المسنونة ، وقواعده الواضحة المعالم .

يحدثنا الدكتور شوقى ضيف ان شاعرنا شوقي بدا حياته ولوعا بالتجديد ، راغبا فيه " داعيا اليه ، وانه عندما اصدر الطبعة الاولى من ديوانه " الشوقيات " سنة ١٨٩٨ صدره بمقدمة نعى فيها على المتشبثين باذيال القديم ، ورسم خطأ للشعر الحق الذى يجب ان ينتجه ابناء العصر . . ولكن هذا الاتجاه ما كاد يروج بين ادباء الجيل حتى ثارت ثائرة المحافظين فاستهدف شوقى حملاتهم العنيفة . وكان ممن كتبوا فى نقده علمان من اعلام الادب الرصين لذلك العهد ، هما " المويلحي فى " مصباح الشرق " و " اليازجى " فى قصته " عذراء الهند " .

وضعضعت الحملة المبكرة شوقى ، لان ايمانه بالتجديد كان - فيما يبدو على حرف . . فما هى الا ان عاد الى طرائقهم فى الانتاج فاتبعها ، والى قوالبهم الادبيه فاتخذها قوالب لما يؤلف من شعر ونثر ، كانما كان يقيم الادلة للناقدين المحافظين على ان به من القدرة على اساليبهم ما يغتصب منهم الاعجاب . .

ولو وقف شوقي عند اقامة الادلة لما كان لاحد ان يأخذ عليه شيئا ، ولكن شوقي لم يكد يعود الى المذهب القديم ينتج على وفاقه حتى نسي التجديد ونسي . قدم به " الشوقيات " سنة ١٨٩٨ من دعوة الى التجديد ، ورغبة في اتخاذ الجدة طابعا للانتاج الشعرى خاصة ، على نحو ما طبع به هو قصيده الطريف الظريف :

خدعوها بقولهم حسناء      والغوانى يغرهن الثناء

مضي شوقي اذن في سبيله  الجديد : ( القديم ) . . واغفل طوعا او كرها

الذى  خصه به الاستاذ عبد الرحمن الرافعي في كتابه " شعراء الوطنية " .

واسم الاستاذ عبد الرحمن الرافعي لا يمر بى دون ان يترك في نفسى شيئا ، إذ هو يحدثني من حيث اريد اولا اريد بأن ذلك الاختلاف في وجهة النظر السياسية بين العقاد و شوقى وما لطخ سمعة شوقى بسببه من تهم ، لم يكن من الحق في شيء ، او فى الاقل لم يكن حقا خالصا ، مهما التمسنا له من صلة شوقي بالقصر من مبررات ، ومهما كان لصمت شوقي فى الفترة التى أشرنا اليها عن ذكر الشعب بخير من تأييد لتلك المبررات . بل هو اقرب الى الاختلاف الحزبى منه الى اختلاف بين رجل يحتل مقعد الزعامة وآخر يوصم بالخيانة . ذلك لان التنويه بوطنية شوقى من طرف الاستاذ الرافعى وعنايته فيما كتبه عن شوقى عناية ملحوظة بما كان لشعر من تأييد لزعيم مصر الاول صديقه " مصطفى كامل " ولمواقف حزبه " الحزب الوطني " اللذين اهتم الاستاذ الرافعى نفسه فى غير ما اثر من انتاجه بالتأريخ لهما وان كان قد ارخ الحركة الوطنية المصرية كلها - اقول ان ذلك التنوية وتلك العناية يشيران فى وضوح الى ان شوقى كان في جانب " الحزب الوطني " فى الوقت الذى كان فيه العقاد اديب " حزب الوفد " الاول ، وان لم يكن شوقي فى الواقع بعيدا عن الوفد كل البعد ، اذ أنشأ فى زعيمه سعد زغلول قصائد تخلد ذكرهما في آن

وايا كان الاختلاف السياسى بين الرجلين فقد تطور في تلك الفترة وانتقل من تلك الشعبة التى قلت من قبل ان الناس يستطيعون ان يروها ، الى الشعبة الاخرى التى قلت انهم لا يرونها الا ان يتكلفوا لرؤيتها مشقة التأويل ، او يصدقوا العقاد تصديقا . . وتتمثل في اتهام شوقى في مصريته .

اجل ، فان العقاد لم يكن يعترف بمصرية شوقى ، حتى ليقول عنه في بعض ما كتب : " كان شوقي يحس الوطنية المصرية كما يحسها التركى المتمصر من طبقة الحاكمين او المقربين . . "

واحسب ان الاستاذ العقاد يربط بهذا القول بين التهمتين ، فهو يشير الى اصل شوقى ، ليصدق الناس انه متهم في مصريته ، لانه ميال الى اصله التركى ، ومن هنا فهو لا يحس احساس المصريين . . وهو يشير كذلك الى صلته بالحاكمين

الذين يجتمع معهم بجامع الاصل ، ليعرف الناس انه بعيد عن الشعب ، ارستقراطى النزعة ، يعرف من شؤون القصر وساكنيه مالا يعرف عن الشعب ، ويعبر عن  رغبات ساكني القصر دون رغبات الشعب الذى يحكمونه . .

هذا ما كان بين العقاد وشوقى من اختلاف في وجهة النظر السياسية ، بغض النظر عما اذا كان مبعثها وطنيا او حزبيا ضيق العطن .

وأما ما كان من اختلافهما فى المذهب الادبى فله حديث يطول . . انه يبدأ عند شوقى بالميل الى احداث " مذهب ابتداعى " في الادب ، وينتهى به الى حمل راية " المذهب الاتباعي " فيما عدا محاولات قام بها فى آخريات حياته . . كما انها تبدأ عند العقاد يحمل لواء مذهب ابتداعي فى الادب ، ظل يحافظ عليه وما زال بدين بمبادئه ، ولكنه لم ينته به الى انتاج كامل مطبوع بطابعه خاضع لسننه المسنونة وقواعده الواضحة المعالم .

يحدثنا الدكتور شوقى ضيف ان شاعرنا شوقي بدا حياته ولوعا بالتجديد راغبا فيه ، داعبا اليه ، وانه عندما اصدر الطبعة الاولى من ديوانه " الشوقيات " سنة ١٨٩٨ صدره بمقدمة نعى فيها على المتشبثين باديال القديم ، ورسم خطة للشعر الحق الذي يجب ان ينتجه ابناء العصر . . ولكن هذا الاتجاه ما كاد يروج بين ادباء الجيل حتى ثارت ثائرة المحافظين فاستهدف شوقى حملاتهم العنيفة . وكان ممن كتبوا فى نقده علمان من اعلام الادب الرصين لذلك العهد ، هما " المويلحي فى " مصباح الشرق " و " اليازجى " فى قصته " عذراء الهند " .

وضعضعت الحملة المبكرة شوقى ، لان ايمانه بالتجديد كان - فيما يبدو على حرف . . فما هي الا ان عاد الى طرائقهم فى الانتاج فاتبعها ، والى قوالبهم الادبية فاتخذها قوالب لما يؤلف من شعر ونثر ، كانما كان يقيم الادلة للناقدين المحافظين على ان به من القدرة على اساليبهم ما يغتصب منهم الاعجاب . .

ولو وقف شوقي عند اقامة الادلة لما كان لاحد ان يأخذ عليه شيئا ، ولكن شوقي لم يكد يعود الى المذهب القديم ينتج على وفاقه حتى نسي التجديد ونسي ما قدم به " الشوقيات " سنة ١٨٩٨ من دعوة الى التجديد ، ورغبة في اتخاذ الجدة طابعا للانتاج الشعرى خاصة ، على نحو ما طبع به هو قصيده الطريف الظريف :

خدعوها بقولهم حسناء       والغوانى يغرهن الثناء

مضي شوقي اذن فى سبيله الجديد : ( القديم ) . . واغفل طوعا او كرها

سبيله القديم : ( الجديد ) الذي دعا اليه . . وكان صنيعه هذا نكسة للشعر ، عرف منها ناقدوه فيما بعد مركز الضعف فيه ، فاتخذوه غرضا لسهامهم اللاذعة التى لا ترحم . وكما احتمل شوقي فى سبيل " التجديد " ما احتمل من ناقديه المحافظين كالمويلحى واليازجى ، فقد احتمل ما احتمل في سبيل المحافظة . من ضربات النقاد الذين حملوا راية التجديد فى الادب وخاصة فى الشعر ، والذين كان لسان مذهبهم ذلك الثالوث المؤلف من عباس محمود العقاد وابراهيم عبد القادر المازنى ، وعبد الرحمن شكري .

وبالرغم من ان المازنى وشكري قد اتما تخرجهما ، بينما تخلف العقاد عنهما ، فان العقاد هو الذى سبق الثلاثة الى تزعم المذهب الجديد فى الشعر وكان فيلسوفه المعبر عنه ، والراسم لحدوده . . وهنا يرتطم بشوقي . . اذ يتخذه مثلا ادنى للشاعر ، ويصدر عن قصائد " فى نقد المذهب القديم ، ويوجه الشعراء والادباء فى شخص شوقى الى الاخذ عنه وعن اصحابه واعتماد مذهبهم وانتباذ المذهب القديم الذى رثت حباله ولم يعد له حق البقاء ، وينشئ وصاحبيه امثلة من الشعر الحي الذي يجب ان ينتجه الادباء فى هذا العصر . .

لكن كان صنيع العقاد وصاحبيه كصنيع شوقى يوم اظهر للناس ديوانه " الشوقيات " كانوا مثله بالضبط حتى فى تلك النكسة التى كانت سندهم فى تسديد الضربات له . . مع فارق واحد هو ان شوقي قد انقلب من مجدد الى محافظ ، بينما ظل العقاد وصاحباه اوفياء للتجديد نظريا وان كسبا بهم الجواد فلم يديموا الانتاج على وفاق المذهب الجديد الذى دعوا اليه . . وحملوا لواءه لا بل لقد تراجع شكري ، حتى استهدف لحملة شعواء من صاحبيه ، او في الاصح من المازنى الذى كتب عنه فى " الديوان " ( ١ ) ما كتب ، ناقدا له ، منددا به وبشعره . في ظل هذا الوفاء النظرى الذى يطويه العقاد لمذهبه ذاك الجديد كتب ما كتب في هذه الايام عن شوقى ، ووضعه في الميزان بعد ربع قرن من حياته . فلم يزد شعره ولا نقص فى معيار المذهب الجديد الذى يحمل العقاد ، رغم تطاول الاعوام ، وكرور الايام ، واختلاف المعايير ، واستقرار مقاييس النقد على اسس

غير التى كانت تنبنى عليها في حياة شوقى : في تلك الفترة التى وضع فيها العقاد فلسفة مذهبه الجديد .

فى ظل هذا الوفاء للمذهب نسى العقاد ان يأتمر ببعض ما كان يأمر به في مثل قوله :

لا تظلموا الموتى امانتهم         ان الحقوق المستحقيها

انضن بالذكر على مهج           تركت لنا الدنيا وما فيها

وهل الذكرى الا وفاء للناس والاموات خاصة وانصاف ومعدلة ؛ واين الوفاء والانصاف اذا نحن حملنا على امواتنا كما كنا نحمل عليهم وهم بين ظهرانينا او أشد ؟ ولكنه الوفاء للمبدأ طغى على الوفاء للاشخاص وان كانوا ميتين .

وفي ظل هذا الوفاء بالاخارة حق للعقاد ان يقول عن ادب شوقى بعد خمس وعشرين سنة من وفاته : " انه خير مصداق لموازين النقد التى اتخذناها لتصحيح الآراء في تلك الفترة " يعنى التى وقع فيها الاصداع بالمذهب التجديدى . والتى كان فيها شوقي عرضة لسهام العقاد واصحابه من المبشرين بالمذهب الجديد . .

فهذه المقالة من العقاد صريحة في انه لم يتحول عما كان عليه من حدب على المذهب ، وتبشير به ، ولا عما كان له منذ ربع قرن من احكام تستند اليه ، وتعتمد على ما يقضى به من قواعد فى النقد .

واما ما كان اخيرا من اختلاف بين العقاد وشوقي لاسباب شخصية خالصة فهذا ما يدق امره ولا يكاد يبين ،

على ان احدا من الباحثين لا يستطيع نكرانه ، ولكنهم قد يربؤون بالرجلين عن ان يتدليا الى حضيض الاحن الذاتيه والترات الشخصية . . فيميلون الى اعتبار كل ما صدر عن العقاد من نقد لشوقي اعتبار النقد الادبي الذي يعتمد على الاختلافات المذهبية فى السياسة او الادب لا اكثر .

وانا الذى اعترف بهذا حق الاعتراف لست مع النقاد فى خلوص الحملة العقادية من العناصر الشخصية . . بيد انه يعوزنى من سندات الحكم الجازم بمرد تلك الحملة الشخصية ما يعوز كل حاكم يحيا منقطعا عن الناس ، بعيدا عن ماجريات حباتهم فى الزمان او المكان او هما ، ويعيش بين الوثائق ليس غير ، . فالحكم

هنا لاولئك الذين عاشوا مع الاديبين فى زمان فى مكان ، واظلهم ما اظلهما من ملابسات اما انا فقد تتملكنى الحيرة قبل ان اعلن حكمى " .

اغلب الظن ان شدة احتكاك العقاد بشوقى في مجال السياسة ومجال الادب ، واختلافه معه في كليهما ، وتتبعه لعوراته فيهما ، وتسجيله لمخازي القصر ومن يلوذون به وفى مقدمتهم شوقى ، وعمله لتحطيم صنمه الرئيسى " الخديو " لتعود الكلمة الى الشعب وقادته ، في حين ان شوقى يعمل على تثبيت قدم الخديو ويسبح بحمده وينشئ فيه المعلقات . . ثم وقوف شوقى في طريق التجديد الادبى الذى اراده العقاد وصحبه حجر عثرة ، وقلبه الذى لا يحد ، والذى لا يعين باى وجه على وصف ادبه بالصدق ، بل يتم عن انه ذو عواطف مزورة ، حتى لكانه الماء : لونه لون انائه ، فهو يقول الشئ ونقيضه في الفترة الواحدة ، . . يهد كيان الارض ، ويزلزل رواسبها . ويذهب بمأنها وكل ما فيها من رواه ، لان علما ممن رثاهم قد مات ، ثم لا يكاد يفرغ من ذلك حتى تأتي ابنته لتقف امامه فاذا الكون ممرع امراعا ، والربيع يظل الناس بازهاره الفواحة الاصيلة الالوان . . كل ذلك عندما يتبعه العقاد ، ويحتك فيه بشوقي اكثر من مرة ، ويلتقى به خلاله فى اكثر من موقعة . وينازله في اكثر من ميدان لابد ان يترك في نفس شوقى شيئا على العقاد ، وفي نفس العقاد على شوقى . . فاذا اضفنا الى ذلك ان العقاد لم يقف فى نقده عند حد بل اندفع فى حماس يغذيه جنون الشباب وفورته ، وطموحه الى نشر الجديد والخلود به ، وتحطيم القديم وازالة ما يرسمه فى الكون من ظلال باهتة باردة . . حتى اضطر لتحقيق ما سعى اليه من تحطيم الى ان يذكر المعايب الذاتية . . كتلك الحبسة التى كانت فى لسان شوقي والتي كانت تصده عن ان يلقى قصائده بنفسه في المجامع ، اذ يقول عنه في ذلك        

وناطق اذ جرى         حديثه على القلم

لكنه فى صمته          ابلة او فيه بكم

كما اضطر العقاد الى ان يصور بعض ما كان يعده انصار شوقى من مظاهر نبوغة فى الشعر ، فى افظع صورة وابشعها . . كان انصار شوقى مثلا يرونه وهو يعالج نظم قصيد فيرون تقلصا فى وجهه ، ومظهرا اشبه عندهم بما كان يعرو محمدا ( ص ) اذا نزل عليه الوحى ، فيعجبون بذلك فيه . ويتباهون به ، ويرون ان من نبوغه النظم

حيثما اثفق له ، والمشابهة لرسول الله ( ص ) ، ولكن العقاد يرى غير رأيهم ويصوره وهو في حالته تلك بصورة ذي جنة فيقول :

وربما شاهدته             في حيث جال او جثم

خالس حينا نظرة         عجلى وحينا اقتحم

تطير عيناه ولو           لبى هواه لهجم

اذا اضفنا الى ذلك ان العقاد لم يتورع فى نقده عن ذكر مثالب . . شوقى احيانا ، عرفنا الى اى حد بلغ التوتر بين الرجلين ولماذا اصبح شوقى في نظر العقاد رجلا كل مبلغه من الشعر . . قدرته على الصياغة ، وبراعته فى تنسيق الالفاظ على نحو ما كان القدماء ينسقون ، ثم هو لا يستحى مع ذلك ان يحمل لقب ( امير الشعراء ) " . . فان كان ثم إمارة ( كذابة ) فى الدنيا فهى امارة هذا الذى لا يكفيه ان يعد شاعرا ، حتى يعد امير الشعر ، وحتى يقال انه عنوان لا سمى ما تسمو اليه النفس المصرية من الشعور بالحياة " ( ١ )

هذه المواقف كلها وان كانت فى مجال النقد الادبى او العمل السياسى لا يستطيع اى ناقد ان ينكر انها تؤثر في نفوس الذين يصلون نارها ، وانها تورثهم الاحن ، وقد تغرى بينهم العداوة والبغضاء الى يوم القيامة . .

ولكن لنتقدم خطوة اخرى لنتساءل : أهذا كل ما بين الرجلين من المشاكل الشخصية ؟ ان كان هذا فصحيح ما يثبته النقاد من ان كل ما بين العقاد وشوقي يعود الى اسباب سياسية او ادبية ولو كان فى ظاهره فرديا ، وقد قلت من قبل اننى لست معهم في هذا ، فماذا وراءه عندي . . ؟

احسب ان من اوثق الاسباب صلة بهذه النفرة بين العقاد وشوقي ان آية شوقي محت كل آية من آداب العرب في عصره ، وشعره بز كل شعر في مصر . وذكره اخمل كل ذكر ، وذاته " حجبت " كل ذات.... فاذا شاعر الامراء  " شوقي " امير الشعراء ، واذا كل شاعر عداه طفل ، وكل شعر عدا شعره لغو وكل قصيد او نشيد يتقدم به غيره الى الناس لا يفوز برضاهم ولو كان اية معجزة ومن بين الذين كان يحجبهم شوقي بحق وبغير حق صاحبنا العقاد ، ومقامه فى

مصر وسياستها وفى الادب شعره ونثره ونقده ذلك الذى عرفنا ، ومقام شوقي عنده ذلك المقام الذى يصمه فى شاعريته ويمس وطنيته اول ما يمس .

ان من نكد مصر والمصريين عند العقاد مثلا ان يدعى الشعراء الى إنشاء نشيد وطنى فيتبارون ويشارك في المسابقة مصريون ومصريون - اغلب الظن ان منهم العقاد نفسه ثم لا يكون السبق الا لناظم غير مصري . . إلا لذلك التركى المتمصر . . احمد شوقى . !

اجل ! كان ذلك عندما " نهضت الامة نهضتها الرائعة فى سنة ١٩١٩ - ودوى صوت الشعب هاتفا : الى المجد ، الى المجد . . واجتمع رأي طائفة من رجالات مصر على ان يكون لهذه النهضة نشيد . . وتلفت الناس يفتشون عن ذلك الشاعر الموهوب الذى يؤملون ان تتحدث الامة بلسانه وتهتف بشعره  وتقدم كل شاعر ببضاعته . ولكن اثنين لهما مكانهما وخطرهما بين شعراء العصر لم يتقدما بشئ الى لجنة النشيد : هما شوقى امير الشعراء ، وحافظ شاعر النيل . أما حافظ فلانة من المحكمين في اختيار النشيد ، واما شوقي فمن يدرى ؟

وكان على رأس " لجنة النشيد " الوزير . . جعفر ولي باشا ، فكانما عز عليه ان ينتهى الاجل المضروب فيتقدم الرافعي ويتقدم الهراوى ويتقدم عبد الرحمن صدقى ويتقدم غير هؤلاء ممن يقول الشعر وممن لا يحسن الا ان يزن فاعلاتن ومفعولاتن على كلام ولا يتقدم شوقى وحافظ .

ونسأت اللجنة الاجل المضروب ، وسعى الساعون الى الشاعرين الكبيرين ليحملوهما على الاشتراك فى المباراة ؛ فاما حافظ فاصر وأبى ، واما شوقى . يرحمه الله لقد كان حريصا على ان يقول الناس في كل مناسبة : لقد قال شوقى ولكن ماذا يقول في ذلك اليوم ؟

وكان لشوقي نشيد انشأه منذ عهد لتفتتح به فرقة عكاشة موسمها التمثيلى فماذا عليه لو تقدم بهذا النشيد القديم الى لجنة المباراة ؟

وتقدم شوقى الى اللجنة بنشيده المشهور :

بني مصر مكانكمو تهيا         فهيا مهدوا للمجد هيا

وتساءل الادباء بينهم : لماذا مدت اللجنة الاجل المضروب ؟ فلم يلبثوا

ان جاءهم الجواب الصريح ، فعرفوا ان اللجنة لم تفعلها الا حرصا على ان يكون النشيد المختار من نظم شوقى . .

عندئذ نجمت ثورة ادبية حامية . . وكان الرافعي على رأس الثائرين ، فانشأ بضع مقالات فى ( الاخبار ) . . وراح يعلنها ثورة صاخبة على اللجنة واعضاء اللجنة ، وعلى شوقى وانصار شوقى . وقال في نشيده ما يقال وما لا يقال ، وتابعه جمهرة من الادباء ، فكتب المازني والعقاد في ( الديوان ) . وكتب غير المازني والعقاد . . .(1)

اغلب الظن اذن ان هناك اسبابا تربط بين العقاد والرافعي في الحملة على شوقي وتلك الاسباب واضحة عند الرافعى ، اذ مردها الى اخفاقه في المباراة التى نجح فيها شوقى . . فهل في كهنة الادب في مصر او غير مصر من يستطيع ان يكشف لنا عن تلك الاسباب عند العقاد ؟ ! او لا يكون مردها ايضا الى اخفاقه فى مسابقة النشيد الوطني كمردها عند الرافعى على التعيين ؟ ! هذا مالا يكاد يداخلنى الشك فيه ، ولو ان الكاتبين عن العقاد وشوقى لم يشر واحد منهم الى مساهمة من العقاد فى تلك المسابقة . ولكن من ذا الذى يصدق بأن العقاد اديب حزب الوفد وزعيم المجددين فى الشعر ، وكبير المشتغلين بالسياسة من ادباء مصر لا يختار عضوافي لجنة النشيد الوطني المصرى ، ولا يشترك فى المباراة مع المتسابقين

لابد ان يكون العقاد قد شارك في المسابقة ، ولابد ان يكون لاخفاقه وفوز شوقى عليه وعلى غيره من شعراء مصر مع ما بينهما من منافسة يد واى يد فى تسميم المعركة بين الرجلين ، وتسرب العناصر الذاتية الى صفحات الادب والنقد التى كتبها العقاد وانصاره من جانب وانصار . شوقى من الجانب الآخر . . فالى اى حد يصح هذا الفرض عند كهنة الأدب واحرى عند مؤرخيه من جيل العقاد وشوقى والذين يلونهم ؟ !

اشترك في نشرتنا البريدية