قرأت مقال الأستاذ الجليل أحمد أمين بك المنشور في العدد ٢٤ من الثقافة ، عن الحياة الروحية أو الباطنية وما يقابلها من الحياة الظاهرة او الخارجية ، أو كما يسمونهما مملكة الظاهر والباطن أو عالم الغيب والشهادة . .
وإن من الأمور المسلم بها أن العلم - بتجاربه الحسية واستنباطاته العقلية - هو الوسيلة الوحيدة لاستيعاب حقائق الحياة الخارجية ؛ ومن المسلم به أيضا أن الحياة الروحية تنهض على دعامتين من الوحي والإلهام ، ولكن ذلك شئ اختص به الأنبياء والرسل ، ثم الأولياء المقربون . أما سائر أرباب الأديان من الناس - وكلنا من أرباب الأديان - فمنهجهم إلي ذلك الاعتقاد والتصديق أولا ، ثم تقوية هذه العقيدة بالتفكير المؤدي إلي اليقين والاقتناع . ومعنى ذلك أن الوحى والإلهام لا يغنياننا البتة عن سلوك سبيل العلم بما فيه من نظر وتجارب واستنباط ، في سبيل الوقوف على حقائق الدين ، وبلوغ درجة اليقين فيه ذلك لأن الوحي مختص به الأنبياء كما ذكرنا ، أما الإلهام فمن الحقائق النادرة كما قال الأستاذ أحمد أمين بك صادقا ، بل هو من الأمور المخطرة التي يصعب مرتقاها وتبعد علي المتطلب غايتها ؛ ولقد تحدث عنه الإمام الغزالي في إحيائه ، وأبان صعوبة الشروط المبلغة إليه في قوله : " زعموا أن الطريق في ذلك أولا بانقطاع علائق الدنيا بالكلية ، وتفريغ القلب منها ، ويقطع الهمة عن الأهل والمال ، والولد والوطن ، وعن العلم والولاية والجاه . . " ثم هو يقول في موضع آخر إن القوم قد " استوعروا هذا الطريق واستبطئوا ثمرته ، واستبعدوا استجماع شروطه ، وزعموا أن قطع العلائق إلي ذلك الحد كالمتعذر .
والحق أن جميع المشعبذين والدجالين والمضللين في سائر الديانات ، ليسوا إلا أفرادا ممن حاولوا اقتحام هذا الطريق . طريق الإلهام ، دون ان يعيدوه لأنفسهم بالإيمان الصحيح القائم على العقيدة مدعمة بالعلم والنظر
وما أصدق قول الغزالي في ذلك حين يقول " كم من صوفي سلك هذا الطريق ثم بقي في خيال واحد عشرين سنة ، ولو كان قد أتقن العلم من قبل لانفتح له وجه التباس ذلك الخيال في الحال ؛ فالاشتغال بطريق التعلم أوثق وأقرب إلي الغرض " .
وعليه فليس لنا أن نفصل العلم عن الدين بحال . ولقد ذكر الأستاذ الكبير أن لدينا أصولا اربعة ل " كشف دائرة الحياة الخارجية والباطنية ، هي العلم والفلسفة والدين والفن ، ويعتنينى هنا ما أورده في شأن العلم والدين ، فقد قال عن الأول إنه إذا " أراد أن يتخطى اسواره إلي عالم الغيب ، فقد أدواته وتكلم كلاما سخيفا " وذكر عن الثاني أنه " إذا تخطى الدائرة الروحية إلي الدائرة العلمية ، فتعرض لقضايا العلم يشرحها ويدلل عليها أو ينكر على العلماء بحثهم ونتائجهم ، فقد تعدى طوره . . " إلي آخر ما ذكر . وليأذن لي الأستاذ الكبير ان اقول إن الدين في هذا مغبون مغبون ؛ فهو قائم على الوحي كدعامة أساسية حقا ، بعيد في ذلك عن العلم ونظرياته الناهضة على دعائم من المنطق والتفكير . ولكنه مع ذلك يحتضن العلم وقضاياه جميعا ، ويتخذه آلة في يده يستعين بها ويتقوى ، فهو يصبغه ولا يصطبغ به ، ويقوده ولا ينقاد إليه .
العلم بمجموعه صفحة من سفر الدين ، وجزء فيه من كل ؛ بل إن هذا الدين ليضم إليه الأصلين الآخرين وهما الفلسفة والفن جميعا . لأنه إذا كان الفن هو الطريق الموصل إلى إدراك الجمال وإبرازه في أروع صوره ، فذلك من أهم مطالب الدين : " إنا زينا السماء الدنيا بزينه الكواكب " ، " أفلم ينظروا إلي السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج ، والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج " . ثم إذا كانت الفلسفة هي التأمل الدقيق والفكر العميق لإدراك حقائق الحياة ، فذلك من أعظم أهداف الدين أيضا : " أو لم يتفكروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شئ " ، " قل انظروا ماذا في السموات والأرض " .
ولقد تتباعد هذه الأصول الثلاثة - غير الدين - أعنى العلم والفلسفة والفن ، فيشق كل منها لنفسه طريقا ؛ ولكنها تلتقي جميعا تحت ظلال الدين ، فهو يربط بينها ويشتمل عليها كلها .
وطريقنا نحن إلى هذا الدين كما ذكرنا أن نعتقد أولا , ثم ندعم هذا الاعتقاد بالنظر والتفكير ونتوجه بالعمل ؛ وفي نظرنا وتفكيرنا وعملنا بدخل العلم والفلسفة والفن جميعاً .
هذا ولنشكر الأستاذ الجليل علي أبحاثه القيمة التي توقظ العقل ، وتبعث على طلب المشاركة في البحث والتفكير .
جرجا

