الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الثقافة"

بين الغرب والشرق، أو المادية والروحانية

Share

كنت أقرأ في الكتاب القيم الذي أصدره حديثا أخي الدكتور طه حسين في " مستقبل الثقافة في مصر " . فاستوقف نظري تخطئته لمن يقول : " إن الحضارة الأوربية مادية مصرفة في المادية لا تتصل بالروح أو لا تكاد تتصل به ، وهي من أجل ذلك مصدر شر كثير تشقي به أوربا ويشقي به العالم كله أيضا "

وقد رد على هذا الرأي " بأن الحضارة الأوربية عظيمة الحظ من المادية ، ولكن من الكلام الفارغ والسخف الذي لا يقف عنده عاقل أن يقال إنها قليلة الحظ من هذه المعاني السامية التي تغدو الأرواح والقلوب . . ومن الخطأ أن يقال إن هذه الحضارة المادية قد صدرت عن المادة الخالصة ، إنها نتيجة العقل ، إنها نتيجة الخيال ، إنها نتيجة الروح الخصب المنتج ، نتيجة الروح الحي الذي يتصل بالعقل فيغذوه وينميه ، ويدفعه إلي التفكير ثم إلي الإنتاج ثم إلي استغلال الإنتاج ، لا نتيجة هذا الروح العاكف علي نفسه الفارغ لها ، الفاني فيها ، الذي تفسد الأثرة عليه أمره ، فلا ينفع ولا ينتفع ، ولا يفيد ولا يستفيد " . إلي أن يقول : " هؤلاء ، الذين يخاطرون في الطيران ، فيلقون فيه الموت شنيعا بشعا ، ليسوا ماديين ، لأنهم يضحون بحياتهم في سبيل تقدم العلم وبسط سلطان العقل على عناصر الطبيعة الجامحة . إن هذه الحضارة الأوربية المادية هي التي تضحي

في كل يوم بكثير من الأنفس في سبيل العلم وفي سبيل السيطرة الطبيعية ، الخ

استوقف نظري هذا الفصل واثار تفكيري ، وترددت في نفسي هذه الاسئلة : هل الحق ان الحضارة الأوربية مادية وروحية معا أو هي مادية فقط ؟ وهل الحق ان الشرق لا يمتاز بروحانية ؟ وهل الحق أنه إن امتاز بروحانية فهي روحانية قليلة القيمة، باعثة على الفناء تدور حول نفسها ولا تفتح شيئا ؟ وقلت : لعل وجه الصواب يتضح إذا نحن حددنا معنى المادية والروحانية ، ثم نظرنا بعد في ضوء هذا إلي الشرق والغرب

لقد قال كثير من الكتاب والفلاسفة إن الشرق موطن الروحانية ، والغرب موطن المادية ، كالذي يقوله بلدوين في كتابه " معجم الفلسفة " عند الكلام في الإسكندرية : " إن الشرق والغرب اختلطا في الإسكندرية ، وامتزجت آراء رومة واليونان والشام ، في المدنية والعلوم والدين ، بآراء الشرق الأقصى في ذلك ، فنشأت قضية جديدة ، عمل على ايجادها بحث الغرب وإلهام الشرق ، فما الذي يعني بالمادية والإلهام أو الروحانية ؟

من الواضح جدآ أننا إن عنينا بمادية الغرب عنايته التامة فقط بالمادة التي يرمز إليها بالمال من ذهب وفضة واوراق مالية ونحو ذلك، فهذا قول ظاهر البطلان كما يقول " الدكتور" فالمدنية الأوربية مملوءة بالعواطف ، من عاطفة حب تقوي أحيانا حتى تصل إلي الإنتحار ، وعاطفة إعجاب ببطولة وإعجاب بجمال ، وازدراء ، لنذالة وكراهة لقبح ، وإحسان إلي فقير ، وتضحية نفس ومال لوطن ، ونحو ذلك

من مظاهر العواطف التي قد يفوق فيها الغربيون الشرقيين ، مع ما شهر به الأولون من مادية ، والأخرون من روحانية . والمدنية الأوربية كذلك مملوءة بالعقل، فالعلم يسير سيرا حثيثآ في الحضارة الأوربية وهو يسبق الشرق فيه بمراحل . والغربيون الآن اساتذة الشرق في الرياضة والطبيعة والكيمياء وكل فرع من فروع العلم ، وليس هذا العلم مستعبدا للمال ولكن يستغله المال ، ولا بأس عليه من ذلك ، بل ترى في هذه البيئات الأوربية علماء كانوا المثل الأعلى للتضحية من أجل العلم ، فمنهم من اعرض عن المال وداسه بقدميه في سبيل تجربة يستكشفها او نظرية يحققها، بل منهم من ضحي بنفسه للعلم فمات شهيد اختبار يختبره او فكرة يبرهن عليها. واين ذلك كله من دعوي المادية في الحضارة الأوربية !

إن كان هذا هو معنى المادية فالدعوي - كما يقول الدكتور - ظاهرة البطلان ، ولكن ألا يوجد معني آخر يستقيم به الفرق ؟

هناك معنى آخر قد يكون أقرب إلي الصواب ، وهو ان معنى المادية تفسير ظواهر هذا العالم على أساس المادة من غير التفات إلي عالم اخر روحي وراء هذا العالم ، وبناء كل وسائل الحياة وكل ظواهر المدنية والحضارة والثقافة على أساس المادة وحدها

فليس العقل إلا شكلا من أشكال المادة الدائمة التغير والتنوع ، وليست أفعال الانسان مهما دقت إلا نتيجة لمواد الجسم ، وليست كل الظواهر النفسية من فكر وإرادة وعاطفة إلا نتيجة للمخ المادي من حيث عمله وحجمه وتركيبه . والعالم " كساقية جحا " تملأ من البحر وتفرغ

في البحر . وكل مظاهر الكون من مظاهر السماء ومظاهر الأرض ، وغني من اغتنى وفقر من افتقر ، وذكاء، الذكى وغباء الغبى ، وادق الأمور النفسية والاجتماعية ليس إلا نتيجة للمادة . هذا هو معني المادية ، وهو - كما يظهر لي - النظر المسيطر على الحضارة الأوربية ، فالمقدرة العلمية الهائلة في الحضارة الأوربية اتجهت نحو المادة واتت فيها بالعجب العجاب ، ولإغرابة في ذلك فالمادة معبودها ، فطبيعى ان تتجه نحوها بكل قواها تستكشف كل يوم استكشافا جديدا وتخترع اختراعا جديدا ، فكهرباء وبخار ولاسلكي ونحو ذلك مما لا يحصى ولا يعد

ثم إن هذه الأشياء المادية كلها تستغل في الحياة المادية ، في المنازل ، في دور السينما ، في الإقامة والسفر ، في الجد والهزل ، في كل مرفق من مرافق الحياة . بل والأخلاق الأوربية الحديثة وضعت على هذا الأساس . فأهم الأخلاق ما أفاد هذه الحياة المادية كالنظام ، والمحافظة على

الزمن ، والاقتصاد ، ومراعاة الصحة . وأما التواضع والحياء والتفكير في النفس ونحوها فتأتي اخر القائمة ، على انهم في شك من قيمتها الخلقية ، وهم على حق في ذلك ما دام الأساس هو الحياة الواقعية

ثم الحياة الاجتماعية كلها نظمت على هذا الأساس المادي ، من استمتاع باللذئذ ما لم يتأذ الغير . وبناء المعاملات كلها على أساس من الاقتصاد لا روح له ، بل واعمال الخير كلها من إحسان المحسنين وتبرعات المتبرعين واكتئاب المكتئبين لبناء مستشفيات وملاجئ ونحوها ، إنما أساسها كلها تحسين هذه الحياة الواقعة ، ورفع البؤس عنها ، وإيصال أكبر قسط من السعادة

أو اللذة إلي أهلها ، وهكذا

أما الروحانية فترى أن المادة وحدها عاجزة عن أن تشرح كل ما يحدث في العالم بل لا يفسرها إلا القول بوجود شئ غير مادي ، شئ روحاني وراء هذا الشئ المادي . فالفكر وظواهر العقل ليس نتيجة المخ المادي ، نعم إن المخ آلة التفكير ، ولكن يستحيل ان يكون الفكر الانسانى الذي يشعر بشخصيته وبحرية إرادته نتيجة لمادة لا تحس ولا تشعر مهما كانت حالتها من تركيبها وحسن نظامها

وأعمال الإنسان وظواهر الوجود والذكاء والغباء وحدوث المألوف وغير المألوف والغني والفقر واحداث القدر والموت والحياة ونحو ذلك كله ، لا يمكن تفسيرها تفسيرا مقنعا إذا اقتصر في هذا التفسير على المادة وحركاتها ، بل لا بد أن ينضم إليها شئ روحاني

فالإيمان بعالم روحاني بجانب العالم المادي من نفس وإله وعالم آخر هو اوضح خصائص الروحانية

وهذا النوع من النظر هو الذي يسود الشرق ، فهو يؤمن بالإلهام الذي لا يعلل ، كما يؤمن بالنطق الذي يعلل ، على حين أن النزعة المادية لا تؤمن إلا بسبب ومسبب ، وعلة ومعلول ، ومقدمة ونتيجة

والشرقي - على العموم - أميل إلي أن يدخل في حسابه العالم الروحانى والعالم المادي معا ، يؤمن بالقدر خيره وشره ، ويحسب ما بعد الموت كما يحسب قبل الموت ، وإذا تطلب السعادة طلبها من ناحية إيمانه ومن ناحية تعديل نفسه، أكثر مما يطلبها من ناحية تعديل الظروف الخارجية ، ولم يبن معاملاته على اساس اقتصادي مادي ، بل يبنيه على

إن فيه جانبا كبيرا الله او نحو ذلك ، وإذا احسن فليس يدقق في حسابه ويتساءل : ما نتيجة هذا الاحسان في العالم المادي ؟ بل يرضيه ان يكون قد ارضي ربه ونفسه ، وإذا قوم الأخلاق فلا يقتصر في تقويمها على النظر في نتيجة هذه الأخلاق بالنسبة للعالم الواقعى ، بل نتيجتها في الدنيا والأخري معا ، وليس يري مبدأ " ما لقيصر لقيصر ، وما لله لله " بل كل عمل فيه ما لقيصر وفيه ما لله

وقد تغلب النزعة الروحية على بعض الأفراد ، فتري أثر ذلك في التصوف والانقطاع إلي العبادة ، ونظام الحانقاهات ونحوها . وهو امر شائع في الشرق ونابع من الشرق

ولعل سيادة هذه النزعة في الشرق جعلته مهبط الآديان . فالاديان الثلاثة الكبرى وهي : الإسلام ، والنصرانية ، واليهودية ، ظهرت في الشرق، وانتقلت منه إلى الغرب

ولست انكر أن في الغرب روحانية ، وأن في الشرق مادية . ففى الغرب روحانيون قد يفوقون بعض روحاني الشرق ، صفاء نفس، وقوة يقين ، وتقديرا للأعمال بميزان الروح ؛ كما أن في الشرق ماديين قد يفوقون بعض مأدبي الغرب إمعانا في تقدير المادة، واقتصارا على ميزان الأعمال بميزانها؛ ولكن الحكم في مثل هذه المسائل العامة لا ينبني إلا على الأعم الأغلب، لا على القليل النادر

كما أني لا أنكر أن في الغرب دينا ودينا كثيرا ، ونظما دينية دقيقة ، وكنائس فخمة ، ومعابد عظيمة ؛ ولكني ادعي - على ما يظهر لي - أن نظرة الغربي إلي الدين ، على وجه العموم ، تخالف نظرة الشرقى إليه ؛ وقد

يكون أهم هذا الخلاف من ناحيتين : إحداهما أنه يسود الغربي النظر إلي الدين كنظام اجتماعي ، والثانية ان نظرة الدين لا تتغلغل في كل شئ عند الغربى تقلقلها عند الشرقي

هذه هي المادية والروحانية في نظري، والمادية بالمعنى الذي شرحت تلتئم مع ما ترى في الغرب من علم غزير وعواطف فياضة وتضحيات كثيرة، ولكن هذا كله لم يمنع من أنها صبغت الحضارة الأوربية صبغة خاصة تخالف روحانية الشرق بالمعني الذي أبنت

ولقد غزا الغرب الشرق لا بسيوفه ومدافعه وطياراته فحسب، بل غزاه أيضا بحضارته ونظراته إلي الحياة، وكان من الطبيعي - وقد انكسرت قوة الشرق الحربية أمام قوة الغرب الحربية - ان يظن الشرق ان نظرة الغربي إلي الحياة خير من نظرته ، وحضارته خير من حضارته ، فاستسلم لها ، وسار في طريقها ، وفتح لها صدره ، واساس لها قياده ، وباع روحانيته الشرقية الموروثة بالمادية الغربية الحديثة ، وإن كانت الصفقة لم تتم بعد

أما أن الخير للعالم أن تسوده كله هذه النظرة الغربية ، فلا يكون في العالم إلا حضارة واحدة ، أو أن يحتفظ الشرق بروحانيته ويبني عليها حضارة جديدة ، وان يكون في العالم لونان : لون مادي تمثله الحضارة الغربية، ولون روحاني تمثله الحضارة الشرقية، ثم تتعاون الحضارتان كما يتعاون جسم الانسان ونفسه ؟ فذلك موضوع آخر له مجال آخر .

اشترك في نشرتنا البريدية