(بقية المقال الرابع)
٨ - يسخر المناظر من قولنا أن هناك صلة اليوم بين الثقافة والعلم على اعتبار أن الثقافة تنبثق من العلم، نظراً لأن الحياة اليوم ينظمها العلم بقواعده المادية - ويقول: أي صلة المبادئ الأدبية التي يقوم المجتمع عليها وبين علم طبقات الأرض. ونحن نقول إن هناك صلة، ومرد هذه الصلة أن العلم بكشفياته يقيم حياة مصبوبة على نمط معين، ويتأثر هذا بهذا النمط الانسان في شعوره واتجاهاته ومنحاه، بيان ذلك أن علم طبقات الأرض - وهى التي ضرب بها مثل المناظر - بما تنتهى إليه من اكتشافات لها أثر فى الحياة الأدبية، ذلك أنه من المعروف الآن أن الكشفيات الأخيرة فى الصعيد من جهة أسوان كشفت عن مناجم للحديد
يمكن استغلالها لمتوسط نصف مليون طن سنوياً لألفى عام. فهذا الاكتشاف الذي مرده البحوث العلمية في طبقات الأرض لو استغل استغلالاً صناعياً في مصر لأقام صناعة فى مصر يشتغل فيها على أقل تقدير ثلاثة ملايين عامل، ومثل هذه الحياة الصناعية تحدث تغيراً في الحياة الأدبية والتصورات والأخلاق، إذ يحدث تطور من صور حياة أدبية لشعب زراعى إلى حياة تكافئ جماعة أخذت بالصناعة، وعلى هذا الوجه يستبين مفهوم كلامنا ولقد ضربنا مثلاً بمصر وبطبقات الأرض التي شاء مناظرنا أن يسخر اعتماداً عليها من قولنا بانبثاق الثقافة من العلم في مدينتنا الراهنة لتظهر حقيقة غائبة عن العقول فى مصر الحديثة في منحى الأخذ بها نحو الحياة الأوربية الصحيحة باقامة مجتمع صناعى فيها
أما محاولة المناظر التلاعب بكلامنا بإظهاره في صورة يخترعها تناقض، فهذا ما نأخذه ونحاسبه عليه، فلقد قلنا أن الثقافة تنبثق من العلم ومعنى هذا أن الثقافة شئ والعلم وشئ، وأخذنا على اليابان أنها أخذت بنتائج العلم الأوربى ولم تأخذ بالعلم الأوربى نفسه فكان نتيجة ذلك أنها عاشت عالة على أوربا فى علمها وحضارتها؛ وأنها احتفظت بثقافتها التقليدية مع الأخذ بنتائج العلم الأوربى، بمعنى أنها لم تأخذ بعلم أوربا وتقيم لنفسها ثقافة تقليدية جديدة تتكافأ مع العلم الأوربى ومنطقه وتنبثق من أسسه. فأين التناقض في قولنا هذا ؟
لا يا صديقى، لا يكون الكلام باسقاط بعض القول. قلنا إن اليابان أخذت بنتائج العلم الوضعي، فجعلتها يا صديقي أنها أخذت بالعلم الوضعي، وشتان بين الاثنين!
لسنا جوادى رهان نتسابق. ولسنا في مجال نريد أن ننتصر لرأينا حقاً أو باطلاً. إن في أعناقنا مصير قضية ملايين من حيث تعلق مصيرها بقضية الغرب والشرق فيجب أن تكون وجهتنا الحقيقية وعدم تزييف الكلام ...
٩ - يشكرنا المناظر على قولنا بأن المنطق شئ مشاع بين الأمم، ظاناً أننا كنا أنكرنا مشاعيته من قبل، وهذا ظن عريق فى الوهم. فنحن لم نغير من موقفنا شيئاً ... (المنطق مشاع ولكن يجب أن تمرن الأمم عليه قبل أن تصبح متغلفة فى تفكيرها، إذ ليس المنطق أسلوباً في التفكير يتبع وأقيسة يجري
عليها، إنما هى قبل كل شئ ميل عقلى واتجاه ذهنى يمكن أن يكتسب!
هذا ما قلناه في مقالنا الأول، فنحن عند رأينا بأن للمحيط أثره فى المنطق والتفكير المنطقى. للمحيط الطبيعي والمحيط الاجتماعى أو بتعبير أدق لنتوج الصلات والفواعل المتخالطة من المحيط الطبيعي والمحيط الاجتماعى أثر فى المنطق من حيث هو ميل عقلى واتجاه ذهني، وفى هذا سر قعود الشرقيين عن مجاراة الغربيين، لأن منطقهم حينما يتكافأ ومجتمعهم ذا الطابع الغبي، وحين يتغلب الطابع اليقينى على هذا الشرق فهذا المنطق الغبى سيقف عقبة كؤودا في طريق رقي العالم الشرقى.
سيأتي ذلك اليوم قريباً وذلك الزمان وشيكاً، وستقوم العقلية اليقينية فى الشرق والمنطق الاثباتي فى العالم العربي نتيجة لتغلب الاتجاه الغربى على هذا الشرق بحكم كون الغرب مركز الجذب الاجتماعي في عصرنا. إذا فلسنا نحن فى حاجة إلى الانتقال إلى الغرب لاكتساب عقلية يقينية كما يقول المناظر، إنما كل ما نحن في حاجة إليه أن يتقوى الاتجاه نحو الغرب فتقوم العقلية اليقينية بين ظهرانينا. ومع هذا فالدلائل قائمة على أن العقلية اليقينية أخذت طريقها إلى هذا الشرق، وهى أوضح ما تكون فى المفكر المصرى البحاثة إسماعيل مظهر وفى جماعة يحتذون حذوه اليوم.
أما ما يثيره من اعتراض لتعبيرى بالفلسفة الاسلامية عن فلسفة ابن سينا والفارابى وابن رشد بأن فلسفة المفكرين فى الاسلام لم تكن تمت إلى الدين بصلة، وليست إسلامية ولا مسيحية فمرد ذلك التباس فى فهم مفهوم عبارتى، فاصطلاح الفلسفة الاسلامية يعني فلسفة الفلاسفة الذين ظهروا فى الاسلام، أو بتعبير أدق يعني الجانب الفلسفى من المدنية الاسلامية. وإذاً يكون كل ما يبغيه على اعتراض ساقط بسقوط الاعتراض نفسه
١٠ - يتعجب المناظر الفاضل من تحليلنا الفلسفة الإسلامية إلا أنها تقيد إرادة الله بنظام هذا الكون وسننه. واعتبارنا أنها نتيجة للأثر الإغريقي التي توارثته عن مدارس النساطرة والاسكندريين، والواقع أنى حائر صدد هذا التعجب الذى لا أفهم له معنى. ولولا حسن ظني بثقافة مناظرى وعلمه لقلت إن مرّده عدم الوقوف كلياً على فلسفة فلاسفة الإسلام خاصة والفلسفة
عامة، وإلا فما معنى التعجب من تقييد إرادة الله بنظام هذا الكون وسننه ؟
ولولا خشية الإطالة لكنت سمحت لنفسى أن أنقل نتفاً من كتب الفلاسفة أشرح لمناظرى الفاضل هذه المسألة، وأظن أن فى إمكانه أن يغتبني مشقة هذا النقل بأن يراجع كتب الفلسفة وخصوصاً المطولات منها فيما يتعلق بإرادة الله والخلق والإبداع ..
وهناك أشياء لو ذهبت أعلق عليها وأبين زيفها في ردّ المناظر علينا، لانتهت إلى مقالين آخرين، غير أنى أكتفى بما اجتزأته في هذا المقال والمقال الذي سبق ففيه الكفاية لإظهار زيف ما ذهب إليه مناظرنا الفاضل، وإنى لأرجو مناظرى إن شاء أن يعاود الرد ألا يترك لشاعريته المجال فيصول ويجول ويتدفق على غير أساس علمى أو منهج بيّن، وإلاّ لتعذر النقاش. فها هو لم يخرج فى كل رده بما يؤيد وجهة نظره أو ما يرد على وجهة نظرى من الاجتماع والتاريخ
لقد كان المناظر كالشلال الهدّار المتدفق فى رده، ولكن كان مردّ هذا طبيعته النفسية، ولهذا كانت تتكسر أمواجه على حقائق الاجتماع والتاريخ فما يفيق من الاصطدام بالواقع الملموس وما تقيمه من حواجز أمامه حتى يعود فيرتد ليتدفق من جديد في اندفاع مردّه كما قلنا طبيعته القوية، ولكن ليصطدم بحقائق الواقع فيرتد لينسبط ويتعرج لآفاق وأودية جديدة، وهكذا ... ولكن إلى متى أيها الصديق ؟
إنى أعوذ الصديق من وضعه منطقه الخطابى وأسلوبه الفياض فى نصرة قضية زائفة إلى الحد التي لا تجد لنفسها ما يسندها وتقوم ... وإني وإن كنت قد شددت القول على صديقي المناظر فما بي الحاجة أن أقول له إن مردّ هذا ما يمليه الموقف علي، وصديقى يعرف ماله من الاعتبار عندى، فلعل فيما قدمت ما يعتذر عني عند الصديق الكريم وحسبى في كل ما كتبته الحقيقة، والحقيقة ضالة الانسان فى هذه الحياة، لا يرتاح إلا بأن ينتهى إلى وجه منها. (أبو قير)

