الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 295الرجوع إلى "الرسالة"

بين القديم والجديد، لأحد أساطين الأدب الحديث

Share

عاب الأستاذ الغمراوى على عميد كلية الآداب الدكتور طه أنه اختار فى كتاب (حديث الأربعاء) مجموعة من شعر المجون العباسى، ولا أريد أن أتعرض الآن لهذا الاختيار بنقد مطول وإن كنت أعتقد أنه جعل الكتاب غير لائق إلا لقراءة المؤرخ الباحث فى آداب الشعوب فى العصور المختلفة، وأنه ليس للقراء عموماً؛ وهذا لم يكن رأى مؤلفه عندما ألفه، فإنى أذكر أنه عاب  على الشيخ الحضرى حذفه المجون من نسخة الأغانى التى هذبها وقال: إن دارس الأدب لا بد أن يقرأ هذا الشعر كيلا يخطئ فى الحكم على عصره. وكان الدكتور يجد له طلاوة خاصة يستحق  من أجلها الصيانة. ولا أدرى هل الدكتور لا يزال على هذا الرأى  أم أن جلال المنصب قد حوره؛ لكنى أريد أن استخلص من ذكر الأستاذ الغمراوى كتاب (حديث الأربعاء) حجة على الأستاذ الغمراوى؛ فالشعر الذى اختاره المؤلف فيه شعر عربى، والأستاذ الغمراوى يقول إن الأدب الأوربى هو الذى أفسد المذهب الجديد  فى الأدب بمجونه. فكأنما يريد الأستاذ الغمراوى أن يقول إن اطلاع الدكتور طه حسين بك على الأدب الأوربى هو الذى دعاه إلى اختيار شعر الحسين بن الضحاك وشعر أبى نواس وغيرهما.                                                      فإذا كان هذا قصده ومعناه فأن الأستاذ الغمراوى يكون على حد اصطلاح الأوربيين كمن يضع العربة أمام الفرس بدل أن يضع الفرس أمام العربة وهو الترتيب الطبيعى، لأن الدكتور طه قرأ  الشعر العباسى قبل أن يقرأ الأدب الأوربى، وتأثر بالشعر العربى قبل أن يتأثر بالشعر الأوربى، وإنى واثق أنه اطلع فى الأدب الأوربى على الوقور وغير الوقور من الشعر. اطلع على شعر سوفوكليز ويوربيدس وإسكيليس. فهل يريد الأستاذ الغمراوى أن يقول إن اطلاع الدكتور طه حسين على شعر سوفوكليز مثلاً هو الذى أغراه باختيار شعر الحسين بن الضحاك؟ إنه إن قال هذا القول دل على أنه لم يطلع على شعر سوفوكليز وقس على ذلك غيره من الشعراء  ولا أدرى أي الشعراء الأوربيين هم الذين أوعزوا إلى الدكتور

باختيار شعر مجان العرب. هل قراءته لشعر بودلير أم قراءته لشعر فرلين؟ إنى لم أقرأ فى شعر بودلير وفرلين (وقد قرأت بعضه) ما يماثل بعض شعر أبى نواس والحسن بن هانى فى صراحته. ولا أظن أن الجمهور الأوربى كان يطيق من بودلير أو فرلين صراحة كصراحة أبى نواس والحسين بن الضحاك. إذاً يستحيل أن يكون بودلير أو فرلين هو الذى أغرى الدكتور باختيار شعر  الحسين بن الضحاك أو شعر أبى نواس، لأن الأشد صراحة فى المجون هو الذى يبيح ما هو أقل منه شدة. فأبو نواس هو الذى يبيح فرلين وبودلير، وليس بودلير هو الذى يبيح أبا نواس. وإذا عرفنا أن الدكتور تأثر بالشعر العربى الأشد صراحة فى صباه ولم يطلع على الشعر الأوربى الأقل صراحة إلا بعد أن رسخ أثر  الأول فى نفسه علمنا أن ما زعمه الأستاذ من أثر الشعر الأوربى خاصة والأدب الأوربى عامة فى التأثير على المؤلف وفى تعيين اختياره لما اختار فى كتاب (حديث الأربعاء) زعم غير رجيح. وعلى هذا القياس يكون أيضاً زعمه غير رجيج فى تعليل اختيار الدكتور طه حسين بك للقصص الفرنسية التى كان ينقلها  إلى العربية، وكان ينشرها هيكل فى السياسة الأسبوعية، وهى  القصص التى يشكو منها الأستاذ الغمراوى(1) فإنها مهما بلغت فى صراحتها، أقل صراحة مما قرأه الدكتور طه فى صباه من القصص العربية فى كتاب (مصارع العشاق)، وغيره؛ وإذا يكون مثل الأستاذ  الغمراوى فى تعليله كمثل من يحسب السبب نتيجة والنتيجة سبباً، أو كمن يقوم بتجربة كيميائية فى المعمل فيبدأ التجربة من آخر خطواتها  سائراً إلى أولها. والحقيقة أن الأستاذ الغمراوى أحياناً فى مقالاته يتخلى عن التعليل الطبيعى ويفضل التعليل المصطنع، ويتخلى عن  ترتيب المؤثرات الطبيعى ويفضل الترتيب المصطنع. فهو مثلاً يقول  إن فى المذهب الجديد شططاً، وبدلاً من أن يعلل هذا الشطط التعليل الطبيعى القريب بما اكتسبته العقول والنفوس من شغف  بتذوق التجارب النفسية والعقلية بسبب الحوافز الاجتماعية وغير الاجتماعية، وهذا الشغف قد يؤدى إلى الشطط؛ وبدلاً من أن يعلله بازدياد الحرية السياسية والقانونية وهى قد تؤدى إلى هذا الشطط؛ وبدلاً من أن يعلله بأنه من أثر نشر الطباعة العربية الحديثة للكتب العربية التى فيها أمثال ما يشكو منه كما علل المؤرخون

الأوربيون بعض الشهوات فى نزعة التجديد والإحياء فى القرن  السادس عشر فى أوربا بطبع كتب الأدب الإغريقى القديمة - أقول بدل أن يأخذ بهذه الأسباب الطبيعية التى لها نظائر فى التاريخ  - والتاريخ يفسر بعضه بعضاً - تراه يغفل كل هذه الأمور ويقول: إن أعداء الدين الإسلامى من الأوربيين رأوا أنهم  لا يستطيعون النيل من الإسلام قدر ما ينالون منه بمؤلفات  الدكتور طه حسين ومؤلفات هيكل باشا القديمة قبل كتاب  (حياة محمد)و(منزل الوحى). وقد يسىء القارئ فهم تعليل الأستاذ الغمراوى ويتساءل: هل يعنى الأستاذ الغمراوى أن نزعة التجديد دسيسة مقصودة مدبرة؟ أرجو ألا يجسم الوهم المسألة                                                           للأستاذ إلى هذا الحد، فإنه عالم قد اختبر البحث العلمى، وهو كالعلماء لا بد أن يترك التعليل البعيد ما دام هناك تعليل طبيعى له شواهد  ونظائر فى التاريخ كما أوضحنا بذكر ما كان من الشطط فى نهضة إحياء العلوم فى أوربا فى القرن السادس عشر. فلو أن مؤرخاً  زعم أن الوثنيين خفية راموا القضاء على المسيحية ببثهم الشهوات والمفاسد فى الكتب الإغريقية ما كان تعليله بعيداً عن طريقة الأستاذ الغمراوى فى تعليل شطط النزعة الحديثة إلى التجديد. أو لو أن مؤرخاً زعم أن الفرس والروم فى صدر الإسلام أرادوا النيل من الإسلام ببثهم المفاسد والترف حسداً وحقداً ما كان  تعليله بعيداً عن تعليل الأستاذ. أو لو أن مؤرخاً زعم أن مفكرى الإغريق حاولوا إفساد العقائد الإسلامية فى عصر الدولة العباسية ببثهم روح التفكير الحر المطلق من قيود الدين حنقاً وحقداً على  الدين الإسلامى ما كان تعليله بعيداً عن تعليل الأستاذ. والحقيقة  أننا ربما نكون قد فهمنا من كلامه عن أعداء الدين الإسلامى ومحاولاتهم القضاء على الدين الإسلامى بنزعة التجديد ومؤلفات المجددين المصريين أكثر مما يقصد الأستاذ، لأننا لا نستطيع  أن نتصور أن عالماً جليلاً كالأستاذ الغمراوى يريد أن يقول:                                                          إن بين الدكتور طه مثلاً وبين أعداء الدين من الأوربيين تفاهما  واتفاقاً على الدين الإسلامى. إنما ينبغى ألا يترك الأستاذ  لجمهور القراء موضع لبسٍ، لأن اللبس فى هذه الأمور قد تكون له عواقب خطيرة. ولا أدرى لماذا اعترف الأستاذ  الغمراوى بما فى الأدب القديم من مفاسد ولم يستطع أن يعترف بما لهذه المفاسد من أثر فى الأدب الجديد، وما هذه إلا خطوة  بعد تلك الخطوة، وهى نتيجة لها؛ ولا يستطيع أن يخطو خطوة

إلا وهو ينظر إلى خطوته الثانية؛ وقد خطونا خطوتين فاعترفنا أن الأدب الجديد به عيوب وأن بعضها يرجع إلى بعض المؤلفات الأوربية؛ فالخليق بالأستاذ أن يعترف بأن بعضها أيضاً أو أكثرها  يرجع إلى قدوة المؤلفات العربية؛ والخليق به أن يعترف أن ليس  كل الأدب الأوربى من نوع القصص التي كان يشكو من نشر  السياسة الأسبوعية لها، وأن يتعرف أنه إذا كان بعضها صريحاً  فى تصوير الشهوات فإن بعضها جليل؛ وأن الصريحمنها أقل صراحة من بعض ما فى كتب القصص العربية؛ وأن يعترف أن شاعراً كشكسبير لا خطر منه على الإسلام، فلا هو مبشر بالمسيحية ولا هو ملحد وداعية للإلحاد. وما يصدق فى الكلام عن شكسبير يصدق فى الكلام عن ألف شاعر وألف كاتب من شعراء الأوربيين وكتابهم. وخليق بالأستاذ أن يعترف أيضاً أن بين الكيميائيين وعلماء الطبيعة الأوربيين من هم أشد خطراً على  الإسلام من كثير من أدبائهم، لا لأنهم يحقدون على الإسلام ويريدون الكيد له، بل لأن علمهم الطبيعى شط بهم عن الأديان. وأظن أن لنا بعض العذر إذا فهمنا بعض ما فهمنا من قول الأستاذ  عن أعداء الدين الإسلامى من الأوربيين إذ قال أنهم أرادوا  ألا يهاجموا مواجهة بل بحركة التفاف، وأن حركة الالتفاف هذه هى نزعة بعض الكتاب المصريين إلى التجديد، وذكر مؤلفات  الدكتور طه حسين عميد كلية الآداب ومؤلفات هيكل القديمة، فبالله كيف لا يكون للجمهور العذر إذا فهم من قول الأستاذ الغمراوى  أن الدكتور طه حسين وهيكل من دعاة أعداء الدين الإسلامى  ومن عمالهم السريين القائمين بحركة الالتفاف هذه بدل مهاجمة الدين  الإسلامى مواجهة، وعلى فرض أن تأليف الدكتور طه كتاب   (على هامش السيرة) وتأليف هيكل (حياة محمد) و(منزل  الوحى) لم يقنع الأستاذ الغمراوى بخطأ رأيه فيهما ألا يقنعه تأليفهما  هذه الكتب أنهما لا يريدان معاونة الحاقدين على الدين الإسلامى من الأوربيين للقيام بحركة الالتفاف كما يقول الأستاذ وأنه إن كان فى تأليفهما القديم أو الحديث شطط فأسبابه ما أوضحنا من الأسباب الاجتماعية، ومن شغف جديد بالبحث قد يخطئ وقد يصيب، لا لأنهما  يريدان معاونة الحاقدين على الدين فى القيام بحركة التفاف.                                                    ولو أن كاتباً فى أوربا فى بدء نهضة الأحياء فى القرنين الرابع عشر والخامس عشر اتهم رواد النهضة فى أوربا بأنهم يريدون القيام بحركة التفاف معاونة لمن يكره المسيحية من المسلمين لما تعدى قوله

قول الأستاذ الغمراوى. ولا أظن أن الأدباء فى أوربا يسعون  سعياً حثيثاً لمهاجمة الإسلام؛ وإن كان بعض الكتاب الأوربيين  يفعل ذلك فإنه لا يفعله كأديب ولا كمفكر عالم ولكن كمبشر بدين آخر. وإذا كان بين أدباء المسلمين ومفكريهم وبين الأدباء والمفكرين فى أوربا صلة فهى ليست صلة عداء لدين بل صلة بحث وتفكير  قد يخطئ وقد يصيب. وبالرغم من أن الأستاذ الغمراوى قد فسر قوله (إرادة تغليب دين على دين) تفسيراً جديداً فإنه يحوم ويحلق دائماً فى جو المعنى الذى فهمناه من قوله. إن المؤرخين المعاصرين فى أوربا يميل الكثير منهم إلى الاعتقاد أن النزعة إلى التجديد فى أوربا فى القرن السادس عشر كانت لا بد واقعة بمحاسنها ومفاسدها لأسباب أصيلة فى دول أوربا  حتى ولو لم يكن للعرب أثر فيها. وربما يدعونا هذا الرأى إلى بحث رأى يقابله وإلى أن نتساءل إلى أى حد كان التغيير الاجتماعى  والاقتصادى والسياسى الحديث فى مصر مؤدياً حتماً إلى النزعة إلى التجديد بمحاسنها ومفاسدها حتى ولو لم يكن للأدب الأوربى  أثر فيها قل أو كثر وإنى واثق أن الأستاذ لو بحث هذا الموضوع وجد فى هذا الرأى من الحقائق ما يصح الاعتراف به حتى ولو لم  يقره كله على علاته. قارئ

وسقراط الإغريق وانبياء بنى إسرائيل وفلاسفتهم وحكماءهم ، وأخيرا المسيح ومحمدا عليهم أفضل الصلاة والسلام

فى تراث الهند الروحى وتعاليمها السامية يجد الباحث تعاليم  أخلاقية صالحة حقاً، أو يجب أن تكون كذلك لكل الناس.  منها: لا تقتل، لا تكذب، لا تشرب المسكرات، لا تأخذ مال غيرك ولا زوجته. هذا بعض التعاليم السلبية؛ وفى التعاليم الإيجابية                                                  نجد الأمر بالصبر والرحمة والتسامح والإغضاء عن الأذى ونكران الذات والتضحية فى سبيل الغير. يقول بوذا نفسه فى بيان وجوب مقابلة السيئة بالحسنة: (إذا كان الحقد يرد على الحقد  بالمثل كيف ينتهى إذن(1). وللبوذيين مثل بديع فى وجوب الإحسان هو (أن أرنباً لا يملك قوته عز عليه أن يرد سائلا                                                                    طلب ما يمسك به رمقه، فشوى نفسه له حتى لا يرجع خائباً(1) هذا المثل يبين بإعجاب كيف يجب أن يساعد المرء غيره بما يملك  من وقت ومال، بل وبذات نفسه أيضاً. ويحضرنى فى هذه  المناسبة قول الشاعر العربى:

ولو لم يكن فى كفه غير نفسه ... لجاد بها فلْيتق الله سائله

وإذا تركنا الهند إلى الصين نجد كونفشيوس حكيمها الأكبر يبشر فى القرن السادس قبل الميلاد كسابقه بأخلاق يحكم العقل السليم بصلاحيتها للجميع، كأن يوصى بالاعتراف بالخير والجميل للأموات، بالشفقة البنوية، بالإخلاص الأخوى، بالأدب الذى منبعه القلب، بالمعاملة الحسنة لجميع الناس على السواء. بعض  كلماته تمثل نمطاً عالمياً من التفكير وأخلاقاً تفرض نفسها فرضاً. هاهو ذا يقول(2): (من المعرفة الحقة أن يكون المرء عارفاً                                                 ويعلم أنه عارف، أو جاهلاً ويعلم أنه جاهل. العاقل لا يرفض كلمة طيبة لأنها جاءت من شرير.يجب مقابلة الخير بالخير(لعل هذا  خطأ مطبعى وأن الصواب مقابلة الشر بالخير)  والظلم بالعدل. أحبوا الآخرين كأنفسكم). ولما حانت ساعته رفض أن يصلى تلاميذه لأجله وقال فى نبل وإيمان: حياتى كانت عبادتى وصلاتى) وفى اليونان القديمة نرى سقراط مؤسس علم الأخلاق يأمر، ضمن

ما يأمر به، بأن يكون المرء سيد نفسه؛ بالشجاعة، وبالعدالة إلى غير ذلك من الصفات الأخلاقية العامة. وفى ساعة موته دفع  بشجاعته إلى حد البطولة حين يقول لقضاته، وقد قدم للمحاكمة متهماً ظلماً بالسفسطة والإلحاد وإفساد الشباب:(لشد ما أنتم  فى الضلال إذا كنتم تعتقدون أن رجلاً يعرف لنفسه بعض القيمة  يفاضل بين حظوظ الحياة والموت، وبين البحث دائماً عما إذا  كان ما يعمله عدلاً أو غير عدل) وحين يقول لتلميذه:(كريتون  لا ينبغى أن نجترح أى ظلم حتى ولو كنا ضحايا الظلم  الآخرين. عمل الشر للغير هو الظلم بعينه. لا يجب مقابلة السيئة بمثلها)(1) . وإذا تركنا اليونان، وعرجنا على بنى إسرائيل، نجد أنهم  كانوا فى فجر تاريخهم لا يعتقدون واجباً إلا لإلههم المحلى وأنفسهم  حتى جاءهم أنبياؤهم وحكماؤهم بالمبادئ الأخلاقية الرحبة الواسعة(2). وفى ذلك يقول أحدهم فى القرن السادس قبل الميلاد:(ليس لجميع الشعوب إلا إله واحد كل العالم معبده، وتكريمه أن يكون  الكل عادلاً(3).وفى التلمود: (أحبب غيرك كنفسك. لا تعامل غيرك بما لا تحب أن يعاملك به(4)) .وهذه الحكمة أخذها أحد حكمائهم وهو: (هلِّىHille) الذى عاش فى القرن الأول قبل الميلاد مبدأ له. فهى عنده كلمة الشريعة وما عداها مجرد تفسير لها. وفيه أيضاً:(من يفعل الخير حباً فى الخير يكن من أصدقاء الله) . وجاء فى كلمة للكاتب الروسى الكبير(مكسيم  غوركى)  هذه الحكمة السامية لهلَّيل الحكيم السابق ذكره: (إن لم تكن لنفسك فلمن تكون؟ ولكن إن كنت لنفسك فقط فلم تكون؟). وقد تأثر غوركى بما فى تلك الكلمة من معنى إنسانى نبيل، وحكمة عميقة حتى ليقول:(إن حكمة هلِّيل هى النبراس الذى هدانى السبيل وما كان سهلاً سوياً) بعد هؤلاء جميعاً نذكر عيسى عليه السلام الذى جاء معارضاً

لما وجده من تقاليد عتيقة ضيقة بمثل أخلاقى عال صالح للناس جميعاً. كان مما بَّشر به: (حب المرء لله أن يحب قريبه كنفسه) وليس القريب هنا هو الإسرائيلى مثلاً، بل الإنسان للإنسان: (عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به. إن وصيتى  لكم أن يحب بعضكم بعضا كما أحببتكم، لا يوجد حب أعظم من  أن يعطى المرء من حياته لأصدقائه) . أما محمد: صفوة الخلق كافة، خاتم الأنبياء والمرسلين. فقد  جاء فى الأخلاق بما يعتبر بحق المثل الأعلى الكامل:(وقضى  ربك ألا تعبدوا إلا إياه، وبالوالدين إحسانا) ... إلى آخر هذه  الأوامر الحكيمة الذهبية العالمية التى احتوتها تلك الآيات الكريمات:(وجزاء سيئة سيئة مثلها. فمن عفا وأصلح فأجره  على الله. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. يا أيها الذين آمنوا أوفوا  بالعقود. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى  عن الفحشاء والمنكر والبغى، يعظكم لعلكم تذكرون) . ويضاف لهذا ومثله قوله صلى الله عليه وسلم:(من حسن إسلام المرء  تركه ما لا يعنيه).(لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)  (الدين المعاملة) . وهكذا نرى أن كثيراً من ذوى الضمائر الإنسانية عارضوا  التقاليد والإفهام الضيقة التى كانت مقبولة فى أزمانهم وبيئاتهم  بمثل عليا؛ وبعبارة أخرى بمثل أعلى أخلاقى حكموا حقاً بصلاحيته للجميع دائماً. وصلوا لذلك لأنه أتيح لهم أن يتخطوا الجماعات التى كانوا يعيشون بينها، ونجحوا فى الدخول فى حظيرة الإنسانية الخالدة والحياة العامة التى لا يحدها مكان أو زمان هذه الأفكار الأخلاقية العالمية التى وصل إليها أصحاب الضمائر العالية النيرة بعد تفكير عميق تجاوزوا به أزمانهم وبيئاتهم وأممهم  إلى الإنسانية العامة في أوسع حدودها. هذه الأفكار السامية التي يجب أن تكون مقبولة منا جميعاً، أليس لنا أن نقرر أنها حقائق أخلاقية عامة فتكون الأخلاق لذلك علماً من العلوم؟ بلى وربى،                                                               إنه مما لا مرية فيه أن هذه الآراء ليست شعاراً ومبادئ مقدسة للناس جميعاً يصدرون عنها فى أعمالهم دائماً. هذه حقيقة لا ريب فيها،                                              ولكن الحقائق العلمية لا تزيد عليها فى هذا المعنى حينما يعرف العلماء الحقيقة العلمية بأنها الاتجاه العقلى العام نحو مركز واحد أو نتيجة واحدة، أو بأنها الشىء الذى تتجه

إليه العقول كلها وتقبله - حينما يعرفونها بهذا أو ذاك لا يقصدون  أن هذا الاتجاه العام محقق، بل يقصدون أنه أمنية يرجون يوماً ما أن تكون. وفى الواقع لا يقبل كثير من الناس الذين  لا يزالون على الفطرة والجهالة الأولى التفسيرات العلمية الصحيحة لكل الظاهرات الكونية كالرعد والبرق والمطر والكسوف  والخسوف، بل لا يزال منا معشر المصريين من يعلل هذه الظواهر  ونحوها بما لا يتفق مع العقل فى شىء. ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون. فحين يعلن العلماء أن الحقائق العلمية محل اتفاق جميع العقول، يكون الغرض العقول الموهبة القادرة على الحكم  الصحيح، أو الأمل أنها تكون حقاً ذات يوم محل اتفاق جميع العقول بلا استثناء. إذن لنا أن نأمل هذا للحقائق الأخلاقية السابق ذكرها هى وأمثالها، فنقول: هناك حقائق أخلاقية تفرض نفسها على الضمائر السليمة، وإنها من الآن مقبولة من كل وهب  القدرة على الحكم الصائب كما أنها ستكون يوماً ما، قريباً أو بعيداً، مقبولة من الجميع عندما ينظر المرء نظرة واسعة تنتظم العالم بأسره وتعتبر الناس اخوة متساوين فيما لهم من حقوق وعليهم من واجبات هذا الرجاء الذى يجب أن نقنع به الآن، نجد لحسن حظ  الإنسانية أنها تقترب منه شيئاً فشيئاً لعوامل عديدة. هناك قوى هامة مختلفة تعمل للتقريب بين الضمائر وجمعها على مبادئ واحدة  من الناحية الأخلاقية كما حصل ويحصل كذلك من الناحية العلمية من ذلك انتشار العلم وسهولة اتصال الناس فى كافة أرجاء الأرض وسرعة ذلك الاتصال وحدته وتزايده يوماً فيوما لا فرق فى ذلك بين السود والبيض وغيرهم من الأجناس المختلفة. هذا الاتصال

مستمر الذى طابعه الحدة والعنف بل الوحشية بعض الأحيان  كما فى حالات الاستعمار، أنتج كثيراً من المظالم والآلام، ولكنه عمل أيضاً على تعارف الأمم وتفاهم الشعوب والقضاء على كثير  من التقاليد الأخلاقية الضيقة الخاصة، كما عمل على تبادل المبادئ  الأخلاقية واختيار انفعها الضيقة الخاصة، كما عمل على تبادل المبادئ  الأخلاقية واختيار أنفعها. وسيؤدى استمرار هذه العملية الواسعة  إلى إتاحة الفرصة إلى أن يوسع الناس جميعاً مداركهم ويسموا  بترتيبهم حتى يجاوزوا بذلك الدود الطبيعة من محيطات وبحار وأنهار وجبال ويصلوا إلى أبعد الآفاق. حينئذ يجمعون فى عقولهم  وقلوبهم كل ما أمكن لشعوب العالم قاطبة خلقه أو كشفه من حقيقة وجمال، ويركزون فى ضمائرهم ما يوجد فى الحياة العامة من عقل وحكمة ومبادئ أخلاقية نبيلة

والآن وقد ثبت أن هناك حقائق أخلاقية عامة نرى الضمير المستقيم مجبراً على قبولها، ونرى من الواجب أن يقبلها الجميع يوماً من الأيام. لنا الآن من غير إسراف أن نقرر أن الأخلاق علم من العلوم، وأن نعتبره عملاً من أعمال العقل كسائر العلوم الأخرى لا وليد التقاليد أيا كان مصدرها. الأخلاق عمل من أعمال العقل الذي يبحث بكل ما يملك من قوى مختلفة من تفكير وذاكرة وتخيل وتعليل واستنتاج للوصول لحقائق  أخلاقية صالحة للجميع

بعد هذا لنا أن نتساءل: ما هى الطريقة التى تتبع فى دراسة هذا العلم، فى تحديد المثل الأعلى الأخلاقى تحديداً صالحاً طيباً  يقبله الناس بلا استثناء؟ ذلك موضوع البحث التالى إن شاء الله.

اشترك في نشرتنا البريدية