من الظواهر التي تسترعي النظر فينا ، أنك تلقى الرجل الذكي وتتحدث إليه في شؤوننا العامة ، فتجده ، بلطف حيلته ، يسوق الحديث إلى ناحية خاصة من نواحيها ، ويسمعك آراء طريفة عنها ، ويبهرك بإحاطته بمسائلها ، وإدراك ما ظهر وما خفى منها ، وفهم مواطن الضعف فيها ؛ ويعرض بلباقة لما ينبغي أن يتبع في إصلاحها ، فتخرج من الحديث وأنت تحسبك قد وقعت على الخبير فيها ، وظفرت بالرجل الحق الذي يستطيع حسن القيام على هذا الأمر ، وتوجيهه في طريق الإنتاج المثمر . وتمر الأيام ، وتسمع أن الرجل قد أفلح في حمل الناس على أن يعهدوا له بتوليه ، فتطمئن نفسك إلى أن الأمور أخيرا قد وضعت في نصابها ، وتتوقع أن ترى له في هذا الميدان آثارا بينة . ولكنه يخيب ظنك وظنون من أخذوا مثلك بلباقته ، فهو يسير سيرة من سبقوه ، يبقي ما أبقوه ويترك ما تركوه ، ولا تحس لها أثرًا خاصا في توجيه العمل الذي ملأ الدنيا من قبل عنه . وقد تلقاه بعد ذلك فإذا هو فاتر الاهتمام بهذا الأمر ، منصرف الذهن إلى غيره مما ليس في يده من الشؤون ، وإذا أشرت إليه برفق إلى ما كان ينتظر منه ، راوغ وحاول شغلك بحديث غيره ، فإذا ضيقت عليه الخناق ، راح يتلمس لنفسه المعاذير ، ويلقي تبعة الركود والتقصير طورا على ظروف الأحوال ، وطورا على من يعاونه من العمال ، وحينًا على قلة تشجيع الرؤساء وضعف تقديرهم للأكفاء .
وأحسبك لا تجد تفسيرًا لهذه الظاهرة إلا أحد أمور ثلاثة : أن يكون هذا الرجل قوالا ، يحسن تنميق
الألفاظ ، والتشدق بطريف الآراء ، فإذا جد الجد ، وحان وقت العمل كان عاجزًا عن أن يحقق بالفعل ماردده بالقول ، وأن يضع موضع التنفيذ ما جرى به لسانه من الآراء . أو أن يكون رجلا مرائيًا خداعا ، لا يدلي بآرائه الطريفة إلا كوسيلة للدعاوة لنفسه - يبهر بها الأسماع ، ويكسب بها الأنصار حتي يصل إلى المكانة التي يشتهيها ، فإذا وصل وجد أنه نال بغيته ، فلا يعنى بتحقيق ما منى الناس به ، ولا يعود لما كان فيه من الاهتمام به . بل ينصرف إلى غيره من الشئون التي تتعلق بها مطامعه في الخطوة التالية . يلقي حولها شباكه ، ويعد لها العدة الجديدة من خداع ورياء وشقشقة لسان ودعوى عريضة . أو أن يكون العامل مخلصًا ضعيف العزيمة سريع الخور ، ويكون تيار العمل الجاري قويا يكتسح كل من يعارضه ، ويغلب المجدد الراغب في الإصلاح على أمره ، فيضطر بعد جهاد قصير الأمد أن يلقي سلاحه ويجري مع التيار ، ويكون شأنه شأن غيره ممن رضوا بالواقع ، وقنعوا بالسلامة في الحياة ، ولعل من الخير للعامل الجاد في الإصلاح أن يقتصد فيما يعتزم من الخطط ، وألا يواجه العمل إذا أتيحت له الفرصة بحرب سافرة ، وأن يحتال لما يقصد إليه بالصبر والأناة والرفق ، حتى يرى الناس منه أعمالا جديدة ، صالحة قوية ، لم يمهد لها بقرع الطبول ، وليس له أن تفتر عزيمته ، إذا رأى من دونه ممن لا يجيد غير صناعة الإعلان والدعاية ، يظفر بما لم يظفر به من الحظوة لدى الناس . فحسبه هو أن تطمئن نفسه إلى أنه يؤدي واجبه أكمل أداء . وكل زيف إلى ظهور ، " فليعلمن الله الذين صدقوا ، وليعلمن الكاذبين"

