الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 657الرجوع إلى "الثقافة"

بين الكتاب والسينما والمسرح

Share

شاهدت القاهرة خلال الأسابيع القليلة الماضية عرض عدة أفلام تتخذ فكرتها من مؤلفات أدبية مشهورة ، مثل : أوليفر تويست لتشارلز ديكنز، والسيمفونية الريفية لأندريه جيد ، و كيم روديارد كيبلينج .

وتلك كلها محاولات لتدعيم (السينما) بعناصر فنية رفيعة تسمو بها ولو قليلا عن مستوي القصص الرخيصة التي اعتادت أن تقدمها .

ومن المسلم به أن الفن السينمائي قد استفاد كثيرا من هذا الأدب القوي الذي يحاول استخدامه .

لكن هل الأدب من جانبه قد حظي بفائدة ما من وراء إخراجه على الشاشة البيضاء ؟ .

هناك عداء قديم بين الكتاب وبين التمثيل (سواء كان على المسرح أو على الشاشة البيضاء) .

وهناك أدباء كثيرون يؤمنون بأن أدب الكتب شئ

وأدب المسرح والسينما شئ آخر ، وأن التوفيق بينهما لا يكون إلا على حساب أحدهما ، لأن كليهما خصالصه التى لا يمكن أن تنتقل إلى الآخر .

وللأديب الفرنسي جورج دوهاميل كتاب طريف عنوانه "صور من حياة المستقبل" يتحدث فيه عن الحضارة المادية التي تسود أمريكا اليوم، ويقارن بينها وبين الحضارة الإنسانية التي يجب لها أن تنتشر، وفي بعض فصوله يتحدث عن دور الخيانة وأثرها ، فيقول:

".. الصور في الأفلام تتحرك وتذهب، أجل: إنها تذهب . وكل عمل فني صحيح يبحث قبل كل شئ عن الخلود ...

"السينما تسلية عيد ولهو جهلاء أذهلتهم هموم الحياة عن التفكير .

"إنها مناظر ميسرة لا تقتضي من الإنسان أى جهد ، ولا تتطلب منه مواصلة الانتباء وربط الأفكار . إنها لا تعرض لأي مشكلة عرضا صحيحا وافيا ، ولا تبعث في القلوب العواطف والأنوار والأمال .

"والصور التي يحب الإنسان أن يتعلق بها في الرواية وأن يتأملها مليا تنزع منه في قسوة ، ولا تدع له مجالا للحلم أو التدبير . فالمشاهد لا يشارك في هذا اللهو الذي يقدم له . وإنما هو خاضع يؤتى طعاما فبيتلعه دون أن يكون لإرادته في ذلك دخل ..

"إنني أقرر أن شعبا تفرض عليه مثل هذه الحضارة زهاء تصف قرن لابد وأن يتحدر إلى أحط الحالات . وقد تقولون إن الحضارة في أمريكا بلغت درجة هالة برغم دور الخيانة . والجواب على ذلك : انه إذا كانت ناطحة السحاب في هذه البلاد تبني في بضعة أسابيع ، فإنه قد لزم لفاجذر عشرون سنة كي بنشيء بعض أعماله الفنية .. وإني مستعد للتضحية بكل أفلام العالم مقابل مسرحية واحدة لموليير أو لوحة لرامبرانت أو لحن لباخ

"والسينما لم تصل بعد إلى أن تكون فنا فكل الأعمال الفنية التي تؤثر في حياة إنسان يجب أن لا يصل إلى لبابها إلا بعد جهد ومشقة . والكتاب العبقري مثلا يجب على القارئ أن يتمعن كلماته ويكد ذهنه فيه .. أما "الفيلم" فهو ليس بالمتنع على الفهم : إنه كبائعة الهوي تعطي الحب لمن يريد مقابل دريهمات .

"السينما بطبيعتها حركة متصلة ، ولكنها لا تحرك فكر المشاهد بل تدعوه إلى الخمول ...

"وراعني أخيرا أن رأيت الروايات التي أبدعها فن كتابنا الأفذاذ تخرج لنا على الشاشة البيضاء .. فمن يصرخ في وجه المعتدى قائلا: دع العبقرية الحقة ، دعم الفن الصحيح لا تمسه بأناملك المشوهة ؟ !.."

وقد حضر جورج دوهاميل إلى مصر منذ بضع سنين وألقي في الجامعة الأمريكية محاضرة عن مقومات الحضارة ووسائل نشرها ، تعرض فيها للمفاضلة بين الكتاب وبين الوسائل الحديثة لنشر الثقافة من إذاعة وسينما وصحافة ، فقال:

"أما الكتاب فهو خلاصة تجارب الإنسان وعصارة دروس الحياة ، فيه تحتفظ بحضارتنا، وبه تنشرها ونذيعها ، ولئن كان للجمل سنامه الذي يدخر فيه الغذاء حتى تلجته الضرورة إلى الاستنجاد به ، فإن المكتبة هي الذخيرة الروحية التى يحتفظ بها الإنسان ويستمتع بها حينما يحلو له ذلك ، أو حينما يضيق بالحياة ذرعا .

"لا يستطيع أحد أن ينكر فضل الكتاب على الحياة ، فلولاء لأصبحت أثرا بعد عين . فكروا قليلا في مصير الحضارة الحالية او هدمت المكاتب وأخرقت الكتب . لاشك أن صرحها ينهار ، ويعود الإنسان تدريجيا إلى الحالة البدائية والمعيشة المتوحشة ... فلا تنفعه حينئذ صحف أو إذاعة أو سينما .

"فالصحف والإذاعة والسينما وجبات من الطعام يدفع إليها الإنسان دفعا ، أما المكتبة فالمادة تزخر بالوان من المأكولات المختلفة يستطيع الإنسان أن يتخير منها ما يلد له ويطيب.

"والكتاب أخيرا ، بما يتطلب من المقارئ ومن المؤلف على السواء ، من مجهود وإعمال تفكير ، يفيد المجتمع فائدة عظمي ؛ فهو يعين على تقوية الانتباء وتركيزه، وليس ذلك بالأمر الهين من الناحية التربوية .. "

أما الكاتب الناقد الكبير أناتول فرانس فلم يدرك عهد السينما وأمجادها ، ولكنه تحدث عن المسرح بما يشبه كلام دوهاميل عن دور الخيالة . . قال في مقال له مفاضلا بين المسرحية الممثلة على الأخشاب ، وبين الأدب في دفتي كتاب : " .. كثير من الناس يستحيل عليهم تكوين فكرة

واضحة عما قرأوا، فإذا ما شاهدوا قصة تمثيلية استطاعوا أن يحكوا بدقة ما رأوه.

"والسبب أننا عندما نقرأ كتابا ، فإنما تقرؤه كما تريد ، أو بعبارة أصح : تقرأ منه ما نريد .

"فالكتاب يعتمد علي التخيل كثيرا . لذلك لا تجد فيه العقول الجامدة العادية سوى متعة ضئيلة .

"وعلى النقيض من ذلك نري المسرح يظهر كل شئ ويحق المشاهد من عب التخيل . لذلك يلقى فيه عامة الناس ما يروقهم ، بينما تتأقف منه النفوس التي تتسم بسعة الخيال والتي جبلت على التأمل : فهي نفوس لا تحب الأفكار إلا لما تتيحه لها من الاسترسال في الأحلام ، وما تبعثه فيها من صدي موسيقى جميل .

"ما لهاتيك النفوس والتمثيل ؟! . خير لها ألف مرة أن تستشعر البهجة واللذة النشيطة بين صفحات الكتب، فذلك بالنسبة لها متعة لا تعدلها اللذة الساكنة التي يمنحها المسرح .

"أندري ما الكتاب ؟ ..

"إنه مجموعة من الرموز المتتابعة لا غير . وعلى القارئ أن يستخلص منها بنفسه ما تنطوي عليه من صور وألوان وعواطف . وعلى القارئ وحده تتوقف قيمة الكتاب: فهو الذي يسبغ عليه حرارة العاطفة أو فتورها .

"بل إن مثل الكلمة في الكتاب كمثل الأنامل السحرية تلمس عصبا من أعصاب الذهن لمس الريشة للوتر ، فتحدث لحنا يلائم الروح ويتردد صداء طويلا . ومهما كانت يد الفنان بارعة ملهمة ، فإن ما تثيره من لحن تتوقف قيمته على نوع أوتارنا الداخلية .

"أما المسرح ، فإن الأثر فيه ليس على هذا النمط ، بل العلامات الصغيرة السوداء ، التي على الورق ، تتشكل في مناظر حية ؛ والحروف المطبعية الدقيقة التى كانت تترك المجال واسعا للتخيل والتفكير ، تنقلب في صورة رجال ونساء لا عموض يحيط بهم ولاخفاء . وكل شئ في المسرح محدود محسوس ، لذلك يضيق مجال الاختلاف بين مشاعر النظارة مهما تباينت طبائعهم ..."

اشترك في نشرتنا البريدية