أخذ بعض القراء على الدكتور عبد الوهاب عزام أنه حين روى هذا البيت في مقالة أخلاق القرآن:
ولم أر في عيوب الناس شيئاً ... كنقص القادرين على التمام نسبه إلى (أبي الطيب) ويرى أن الصواب أن ينسب إلى (المتنبي) وأخذ قارئان آخران على صاحب مقال (شعر الزواج) أنه
نسب البيتين الآتيين: تقول التي من بينها خف محملي ... عزيز علينا أن نراك تسير. الخ
إلى (الحسن بن هانئ) والصواب أنهما (لأبي نؤاس) وتحب (الرسالة) أن تذكر للقراء الأفاضل أن (أبا الطيب) هو (المتنبي) . وأن (أبا الحسن بن هانئ) هو (أبو نؤاس) .
دار الثقافة بالسودان
جاء في جريدة (المؤتمر) السودانية ما يأتي: افتتحت أبواب دار الثقافة بالخرطوم ليجتمع بها السوداني والمصري والبريطاني جنباً لجنب يتناظرون ويبحثون في العلوم والفنون والآداب، وينهلون من بحر مكتبة ضافية بالمراجع العلمية في شتى ما وصل إليه الفكر الإنساني من المعارف
وحكومة السودان كانت حريصة كل الحرص لنشر الثقافة العامة عن طريق هذه الدار، وما زال أعضاء هذه الدار يواصلون محاضراتهم - منذ أن أنشئت - في مختلف الشؤون التي تهم الرجل المثقف. والدار فوق ذلك يراد بها أن تكون حلقة اتصال ثلاثي بين إنجلترا ومصر والسودان، أو إن شئت فقل محور ثلاثي ولكن للتعاون الثقافي وخلق التفاهم بين عناصر قد يكون من الخير لها جميعاً أن تتفاهم فكرياً حتى يأتي اليوم الذي تتفاهم فيه على أمور حيوية أخرى، ونحن نأمل أن يكون قريباً إن شاء الله
وكثيراً ما سمعنا همسات وكلمات لا ينقص بعضها الصراحة نشرت في الجرائد اليومية عن هذه الدار وعن الأغراض التي أنشئت من أجلها، ولست أرى معنى للتخوف والتردد في كل أمر جديد إذا اقتنعنا بأننا أفراداً أو جماعة لا يمكن أن يغرر بنا
أو نساق سوق البهائم ما دمنا مدفوعين برأي وعقيدة!
لكن هناك مسألة أراها جديرة بالذكر والتعقيب تلك المسألة هي خوف بعض الناس على (ثقافتنا التقليدية) أن تطغى عليها تيارات أخرى غريبة عنا في وسط لا تتكافأ فيه عناصر المحور الثلاثي، ومع احترامي لهذا الرأي فلست أرى وجهاً لهذا التخوف للسبب الآتي:
تقوم دعائم الثقافة السودانية على أسس عربية إسلامية وهذا هو الوضع الطبيعي لبناء الثقافة في قطر كالسودان يدين بالإسلام ويمت إلى العروبة بوشائج الدم والرحم - والإسلام كما يعرف الناس جميعاً هو عقيدة وحضارة معاً ولا يمكن لأي حضارة أخرى مهما بلغ سلطانها واجتمع نفوذها أن تطغى معالم الحضارة الإسلامية - والثقافة في رأينا تمثل جوانب عامة من النواحي العقلية والنفسية وأساليب العيش والتفكير التي تفرضها عادة الحضارة على الناس
ولست أريد هنا أن أتعرض لمن يتوهمون بأن السودانيين والشرقيين عامة يمكن أن يتخذوا الثقافة الغربية ثقافة عالمية تشمل الشرق والغرب وتقرب أوجه النظر بين الشعوب والأجناس المختلفة، ذلك وهم ساد بعض العقول فظنت أنه حقيقة وأنكرت ميراث الناس واختلاف بيئاتهم ونزعات عقولهم ومناط تفكيرهم وما لهذه العوامل من الأثر الفعال في خلق الثقافة العامة وتوجيهها في الطريق الطبيعي الذي تسلكه
إن ثقافة هذا الشعب عربية إسلامية، وهذه الثقافة قد كتب لها البقاء والتغلب لأن من خصائصها أنها تأخذ وتعطي في وقت معاً فهي لا تأبى الأساليب الجديدة والأفكار والمبتكرات والاتجاهات بل تأخذ هذه كلها ثم تصهرها في قوالبها الخاصة وتزيل عنها عوامل الضعف والفساد مما لا يتمشى مع روحها العام ثم تعيدها مرة ثانية وهي حرة خالصة عميمة النفع سليمة الأصل.
لهذا لا خوف على (ثقافتنا التقليدية) من هذا الاختلاط ما دمنا مدفوعين بعقيدة، وهذه العقيدة هي أننا أبناء أمة ناشئة
تريد أن تبني مجدها على ميراثها العربي الإسلامي، وأن لا تتخلى عن مثقال ذرة من هذا الميراث الذي يأخذ ويعطي بطريقته الخاصة، والذي غالب الزمن فغلبه، وما زال حياً باقياً وسيظل كذلك ما دامت في الدنيا حياة
حول تفسير بيتين
قرأت في الرسالة الغراء أن الأستاذ السعيد جمعة رأى لزاماً عليه أن يتقدم لتفسير هذين البيتين
بذكر الله تزدادُ الذنوب ... وتحتجب البصائر والقلوب وترك الذكر أفضل منه (حالاً) ... فإن الشمس ليس لها غروب
والتفسير الذي تقدم به مقطوع الاتصال بالمعنى المطلوب. والذي أراه أن لرجال التصوف نظرات عكسية تقلب الحقائق المعلومة إلى حقائق أخرى عليا لا يدركها غير أهلها. فالشاعر
يشير إلى علمه بعيوب بشريته ومساقط نفسه ويرى أن مقام العزة الإلهية أجل وأعلى وأرفع من أن يتلوث بذكر لسان غير منزه عن فحش القول ويرى أن جرأته على ذكر العظمة القدسية وهو في دائرة عيوبه النفسية ذنب، وهذا المعنى العكسي ينبعث من مقام تنزيه الألوهية عن الحاجة إلى التنزيه
أما الشطر الثاني فليس المراد به ذكر اللسان الذي يترك القلوب مطموسة والبصائر مغلقة. وإنما المراد به وصف (الحال) في أرفع مقامات الشهود حيث يكون الذكر نفسه حجاباً للذاكر عن مذكورة.
وهذا ما يشير إليه في البيت الثاني بأنه راسخ القدم في (الحال) الشهود الرفيع الشأن كما تشهد الشمس عياناً فتستغني بشهود ذاتها عن ذكر أسمها. وهو في مقام شهوده لا يشهد في ذاته غير أنه عين شمس الوجود فشمسه ليس لها غروب. ويشير الأستاذ السعيد جمعه إلى هيام رجال التصوف باللغز والرمز وأنهم يشيرون بمثل قولهم (معبودكم تحت قدمي) و (ما في الجبة غير الله) إلى مذهبهم في الحلول. وما هي حيلتنا مع من يتهمنا بما لا يعلم.
فأهل الحقيقة ليس لهم مذهب يسمى (الحلول) لأن (الحلول) يستلزم الظرفية بقولك (حل في كذا) وهذه الظرفية باطلة فلا يشهدون في الوجود غير الله إذ لا غيرية ولا أثنينية، فهو الله الظاهر والباطن إلّه واحد لو كنتم تعلمون.

