١ - وانسحب رداء الليل رويدا رويدا عن رقيق النبت ونقط الندي تلمع فوق أوراقه ، فخيل إلى أنها لؤلؤ تساقط ، وتتطاير الندى فوددت ان لو كانت الحياة كنقطه يبرق صفاؤها حينا ثم يذهب من غير اثر ، ورأيت في ذلك أتم معاني الخلود .
وأمحي سناه وامتد بصري فما وجدت لسناه رمادا ، فبكى قلبي ووددت أن لو كنت ندي تذهب نضرتى ثم لا تجد الأكف ما تواري ، وقد عدت إلى عناصر المادة متصاعدا إلى حيث اسبح في فسحة الفضاء وقد خفت مني الذرات وتناثرت حتى نشا كل عنصر الروح مني . وتصاعد الندى فاختلط جماله بجمال الكون ، وحزنت نفسي إذ كانت ترفف حول نقطه ، تعجب بإجماع ذراتها وقد تكائف صفاؤها فتود ان لو استطاعت ان تلم ما انتشر منها نقي المعدن نقاء ما تري . ثم التمست العزاء فيما حال إليه هذا اللؤاؤ الجميل
واختلط الندى بعناصر المادة ، فما لعين أن تنعم بجماله ، ولكم غفلت عن جماله أعين
٢ - ولاحت بالأفق طلائع الشمس فكأن الندى ما كان ، فأغمضت عيني لعلى أمسك ما رأيت ، وإذا بنفسي تبدد ما حرصت عليه الحواس . أتراها لا تسكن إلا إلى ما هو رهن ساعته ؟ يا لها من صناع لا تبطل لها يد ! وعربت الأوراق عن لآلئها ، فقلت ولكنها الذكرى تخصب ماتعى فاذا به أزهي مما كان . وقوي إحساسي بجمال ما رأيت ، وأما صوره ففيها خانتني الذكري
وودوت ان لو اخذت بغصن صغير اندية بالماء ، فإذا
بها الذكري تناديني : إنه لن يكون ذلك ما احببت من ندي الصباح
وانطوت نفسي في مكنونها تنتظر الصباح المقبل ، وجاء ألم الانتظار ويقظة الترقب ينذران بأن تدعى اليوم ان يكون ندي الغد
وذهب جمال الندى غير مخلف املا ، وبقيت وحدي أبكي ما لن أراه
٣ - وانطلقت النفس في أثره ، وعهدي بها ولوع بما هو فان . ومن عجب أن يصيب الفناء الجمال ؛ ولكن الفناء سبيل الخلود . فانى لنا به حتى نغلت من ضق البقاء ؟ خلود الفناء ؛ ما أجمله من خلود ! خلود الندي يتطاير إلي حيث يختلط بمثال الجمال

