أستاذنا أحمد بك أمين
هذه مناقشة علمية قامت بينى وبين الدكتور جميل سلطان أستاذ الأدب العربى بتجهيز دمشق حول نص لابن خلكان قد نقله بعد التقديم والتأخير فى كتابه فى القصة والمقامة ، واستند إليه فى أن لابن فارس أثره فى نشأة فن المقامة ، وأنكرت أنا عليه ذلك لأن النص لا يدل عليه ، كما أنكرت عليه أن يبيح لنفسه التقديم والتأخير فى نص علمى والحذف أحيانا ، فالا أنه لا يحق للعالم هذا وانما الذى من حقه أن ينقل النص كما هو ثم يعلق عليه بما يشاء . ولما كان موضوع المقامة من المفردات الدراسية على الطلاب ، ولما كان الدكتور سلطان لم يقتنع برأيى ، ولما كان الطلاب فى حاجة إلى من يوضح لهم الطريق وينير لهم السبيل ويجعلهم يطمئنون إلى وجه الحق فى
هذه المسألة ، لجأت إليك وآمل أن توضح لنا الحقيقة بعد إذ أخذت المسألة هنا دورا كبيرا .
أستاذى . هأنذا أضع المسألة بين يديك مرتبا لها حسب خطواتها فى نفسى ، من أين نولد الشك وإلى أين انتهى بى المطاف .
كنت أقرأ فى كتاب الدكتور سلطان فوقعت على نص ابن خلكان فى ترجمة ابن فارس موضوعا على هذه الصورة " كانت له رسائل أنيقة ومسائل فى اللغة تغالى بها الفقهاء ، ومنه اقتبس الحريرى صاحب المقامات ذلك الأسلوب ، وعليه اشتغل بديع الزمان الهمدانى صاحب المقامات وإنه وضع المسائل الفقهية فى المقامات الطيبية وهى مائة مسألة " ص ١٧ فن القصة والقامة .
وعلق على ذلك الدكتور سلطان بقوله : " وفى هذا بيان لتأثير ابن فارس فى نشأة المقامات إذا اقتبس الحريرى منه ( ٤٤٦ - ٥١٦ ) ، ( ١٠٥٤ - ١١٢٢ ) وكان بديع الزمان الذى سبق الحريرى بنحو قرن تلميذ ابن فارس الخاص لازمه حتى استنفد ما عنده كما يقول الثعالى فى
يتيمة الدهر ، على أن مقامة ابن فارس مفقودة ، فلا يمكن أن تقارن بينها وبين مقامات البديع أو الحريرى "
قرأت كل هذا فالتفت ذهنى إلى قول ابن خلكان ومنه اقتبس الحريرى ، وقلت مادام البديع الهمدانى كان تلميذا لابن فارس فلماذا لم يقل ابن خلكان ومنه اقتبس البديع ؟ وقلت لابد فى المسألة من سر ، ولابد من أن يكون المقتبس شيئا غير المقامة ، شيئا يخص الحريرى ولا يخص البديع ، ومن هنا كان لا بدلى من الرجوع إلى ابن خلكان .
رجعت إلى ابن خلكان فرأيت ما توقعت وتيقنت من أن صاحبا قد أخطأ خطأين : أخطأ أولا فى فهم النص وأخطأ ثانيا فى التقديم والتأخير والحذف والتقصير ، ثم علمت أن الخطأ تسرب إليه وشرب إلى من ذهب مذهبهم من أصحاب دائرة المعاوف الاسلامية وجورجى زيدان والأستاذ الزيات وخليل بك مردم ، وفسرت هذا بأن الخطأ لحق كتاب الدائرة أولا ثم تسرب منهم إلى غيرهم ، وتسرب إليهم الخطأ من وجود اسم المقامة الطيبية فى ترجمة ابن فارس ، ومن عدم فطنتهم للفاعل من وضع ولمرجع ذلك الضمير الفاعل وها هو نص ابن خلكان وتعليقى عليه .
" وله رسائل أنيقة ومسائل فى اللغة تعامى بهما الفقهاء ومنه اقتبس الحريرى صاحب المقامات الآتى ذكره إن شاء الله تعالى ذلك الأسلوب ووضع المسائل الفقهية فى المقامة الطيبية وهى مائة مسألة وعليه اشتغل بديع الزمان صاحب المقامات " .
رأيت أنا من هذا النص ما يخالف تمام المخالفة ما ذهب إليه الدكتور سلطان ومن ذهب مذهبهم . فالضمير الفاعل من وضع يعود حسب قواعد الإعراب إلى الحريرى . ثم نظرت فى مقامات الحريرى فوجدت المقامة الطيبية ووجدت مائة المسألة المنصوص عليها ووجدت أن الحريرى
نفسه قد أشار إلى ذلك فى المقامة الطيبية - فقد أشار إلى العدد بقوله مائة فتيا فى أوائل المقامة ، وأشار فى آخرها إلى أنها من الفقه الشافعى ، ثم تابعت البحث فوجدت أن هذا النوع من الألغاز اللغوية الفقهية لا يوجد عند البديع وإنما يوجد عند الحريرى ، فتيقنت من أن ابن خلكان حين قال ومنه اقتبس الحريرى إنما قصد إلى هذا النوع ولم يقصد مطلقا فن المقامة ، وإلا كان الواجب أن يقول ومنه اقتبس البديع لأن البديع تلميذه ولأن الحريرى قد قلد البديع وقد ذكر ذلك فى مقدمة مقاماته كما ذكر ذلك ابن خلكان .
على أنى فكرت تفكيرا آخر ، وهو : لماذا يذكر ابن خلكان هذا ولا يذكره عند حديثه عن الحريرى ؟ ودفعنى هذا التفكير إلى شئ آخر هو : هل من عادة ابن خلكان إذ أراد أن يذكر أثر استاذ فى تلميذه أن يذكره عند حديثه عن الأستاذ .
تتبعت هذه المسألة فى بعض المواطن فوجدتها صحيحة خاصة عند حديثه عن البديع والحريرى ، إذ ذكر ما يقوله الحريرى عن تأثره بأبى الفضل فى ترجمته له . والغريب الذى لم يقتنع به الدكتور سلطان ان ابن خلكان فى ترجمته للبديع يذكر أن الحريرى قلده فى فن المقامات وأنه سار على منهجه ، وهذا يؤيد ما إليه ذهبت من أن ابن خلكان لا يقصد مطلقا أن يقول إن لابن فارس أثرا فى نشأة فن المقامة .
( أحمد أمين ) أوافق الأستاذ محمد خلف الله فى وجهة نظره .
استدراك وقع خطأ مطبعى فى البيت الثانى من قصيدة " أنشدينى " بالعدد الأخير من الثقافة وتصحيحه . " واخرجى من عالم الذكرى إلى دنيا الفنون "

