الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 659الرجوع إلى "الثقافة"

بين المجلة وقرائها, أندريه جيد, الحب والزواج

Share

قرأت بعض القصص التي ألفها أندريه جيد وأعجبت بها أيما إعجاب. ولا أدري كيف لا تذكره مجلاتنا بعد موته وتبحثه بحثا أدبيا. بل إنني أشك في احتفال الفرنسيين بفنه. تري ما السبب؟.

(اسكندرية)

أما مجلتنا فقد كتبت - ولعلها الوحيدة - عن أندريه جيد عقب موته. وأما عن تقدير أندريه جيد عموما فأرجو أن تلاحظ أولا أنه مات في سن متأخرة، بعد أن كان قد أتم كل حركاته واستكمل جميع أفكاره وخلص من توكيد اتجاهاته. لقد استشعرنا جميعا بمعني الأسى لذهابه. ولكن حزننا عليه لا يبلغ درجة الحسرة ولا يرتفع إلى حد البكاء من أجله .. فليس من الغريب أن يموت وقد نيف على الثمانين، وليس من المأمول فيه أن يتمم رسالة لو طال به الأجل، لأنه لم يكن صاحب رسالة من الرسالات. ولذلك يمكننا القول بأنه مات بعد أن استوفى شروطه ونال من الحياة أغلى ما تستطيع أن تقدمه لإنسان من الشهرة والتأثير والمكانة الرفيعة في نفوس عشاق أدبه، والحسد والبغضاء في قلوب الحانقين عليه.

فإذا نظرت حواليك ولم تجد أندريه جيد يثير زوبعة في عالم الأدب، فاعلم أنه قد خرج إلى الحياة الأدبية في أواخر القرن الماضي ومستهل هذا القرن، وانه قد ثارت حوله الزوابع مرات ومرات ، وانه من خير من لعب دوره كأديب مفكر، وأدى واجبه كصاحب قلم. إننا نقرؤه الآن في مصر ونعجب من أن الفرنسيين المحدثين لا يأتون على ذكره. ولكننا لو تمعنا قليلا لعرفنا أن حياتهم لم تعد في حاجة إليه، وأننا نحن هنا محتاجون لعشرات من أمثال هذا الرجل العظيم.

وإذا أردت أن تستفيد من أندريه جيد حقا فخذه

- كما قلت لك - على أنه كاتب بغير رسالة .. ونحن لا ندعي هذا الادعاء، ولا نلصق به هذه الصفة للخفض من شأنه والتقليل من أهميته. وإنما نحاول أن نفهمه الفهم اللازم حتي لا يختلط علينا فهمه. وترجيح رأينا هذا بما قاله هو نفسه في بعض كتاباته من أنه لم يكن غرضه قط إحداث أثر في نفوس قرائه، ولم يرغب - كما قال في يومياته بتاريخ ٣ يونيه سنة ١٩٢٤ - إعطاء إرشادات وتقديم التعاليم، مقدرا أن هؤلاء القراء لن يمكنهم ولا ينبغي لهم أن يجدوا تلك التعاليم والإرشادات إلا بأنفسهم . فما هو من أصحاب المذاهب الذين يغارون على ما يقولون غيرة المفكر الذي أجهد نفسه في الإعداد والحبكة والتنظيم، ولا هو من أولئك الذين تقبل على دراستهم وعنهم بعقلية منطقية تحسب حساب الأصول والمراجعة، ولا يحل لك علاوة على ذلك أن تضمنه في قائمة المصلحين والفلاسفة وأصحاب الدعوات. كل ذلك لابد من أن تستبعده من خاطرك وأنت مقبل عليه، ولابد من أن تنحيه جانبا عندما تحاول النظر في كتبه، لأنه لا يحتاج لأكثر من الإحساس والذوق والتقدير العاطفي والمبادلة الشعورية الخالصة. أو إذا شئت فلك أن تحكم عليه من وجهة النظر الجمالية، وأن تزنه بميزان التذوق البحت، لأنك مهما قلت من أن للرجل انتقادات اجتماعية ومهما وضعت في حسابك نظراته الأخلاقية، فلن تستطيع أن تقتنع بالمقاييس التي استجدت على يديه ، وستهمل بالتالي كل تقديراته والتفاتاته بعد ثوان من الإقبال عليها، ثم إن هذه النظرات والآراء لا ترتفع إلي حد أن تكون أساسا لنظريات كاملة، ولكنك ستراع حتما بما فيها من صراحة ترغمك على اعتبارها مذهبا وتدفعك دفعا إلى أن تفردها رسالة قائمة بذاتها. فلو قلنا إن أندريه جيد دعا إلى الصراحة في صراحة وحبب إلي الناس الوضوح والبعد عن النفاق لكان هذا حسبه مذهبا قائما بذاته في دستور العلاقات الاجتماعية.

فلا شك أنهم غير محتاجين اليوم في فرنسا لرسالة

الصراحة التي أتى بها جيد .. أما نحن فما أحوجنا إلى أمثال هذه الرسالات ؟!.

كنت أطالع في كتاب من أمهات كتب الاجتماع وفوجئت يقول المؤلف إن الزواج لا ينبني على ظاهرة الحب .. تلك الظاهرة التي قد يخيل إلينا أنها كل شئ في تكوين الأسرة، وأنها العماد الأول في بناء المجتمع الذي يقوم على علاقات وعقود.

(الحلمية الجديدة)

ليس هذا بالغريب إذا كان صاحب الكتاب من علماء الاجتماع الذين يقررون الحقائق بناء على الإحصاء والتقدير العلمي. وأغلب ظني أنه كذلك .. فليس يبدو من ملامح هذا الرأي أية شاعرية أو خيال، ولو قدر أن يكون هذا الكتاب لأديب أو شاعر للحب إلى حد القول بأن الحب هو أصل كل علاقة بين قلبين بتوادان وبتحابان ، وأن الزواج لا يعدو أن يكون مواصلة لهذا الشعور البرئ الذي أحمر به كل من الزوجين في مبدأ الأمر .. والحقيقة أنها غلطتنا عندما نخلط بين أقوال الفنانين وأقوال العلماء. فالفنان ينظر إلى الأسرة على أنها الرباط القدسي الذي جمع بين قلبين تآلفا في عش منعزل حلقت في سمائه عصافير الجنة وانطلقت في جوه ملائكة الحنان الإلهي وعرائس البهجة العاوية. أما العالم فنظرته بخلاف ذلك.

وأذكر بهذه المناسبة ما كتبه أزقالد اشوارز صاحب كتاب " علم نفس الجنس " في الفصل الخاص بالزواج .. فهو يقول نفس هذا الرأي ويؤيد ذات الحقيقة عندما يجري قلمه بهذه الكلمات : إن شيئا واحدا ينبغي أن يقرر في الحال وبتأكيد شديد، ألا وهو أن طبيعة التجربة النفسية التي تكون عصب الزواج لا تتمثل كما هو معتقد عموما فيما يسمونه بالحب. ومن وجهة النظر النفسية يمكن أن تقول إنها تتمثل في ذلك الشعور بالانتماء إلى شخص آخر على نحو أشد قربا واكتمالا مما هو الأمر في أية علاقة أخرى بإنسان؛ إنها الإحساس بالاندماج مع هذا الشخص الآخر في وحدة هي ما نسميه بالتنائي أو "نحن". ونستطيع أن نحقق رأينا

بأن الحب ليس الجوهر الأساسي في الزواج عن طريق ما نلاحظه من الاختلافات في العلاقات التي تقوم بين المحبين وبين الأزواج. واللغة نفسها تشير إلى هذا عندما تقول عن فلان إنه " وقع " في حب وعن آخر إنه عقد علي زوجته. في العبارة الأولى تحس بدور المصير الذي يكتسح حياتنا. أما العبارة الثانية فتعبر عن الإقبال على عمل فيه إحكام واتزان وتصميم. ولذلك يعد الحب الفاشل مأساة، أما الزواج الفاشل فعبارة عن خطأ ..

ولم ينسى أزقالد اشوارز أن يقول إنه على الرغم من أن الحب ليس أصلا للزواج ولا يعد أساس العقد الأسري فإنه يلعب دورا هاما على مسرح الحياة الزوجية. وهكذا يمكن أن نوفق بين الفهم العلمي الصحيح وبين ما قد يخيل إلينا عن حقائق المشاكل الجنسية. فالأمور توضع في نصابها عندما نعرف جيدا دور الإحساسات والعواطف في الأعمال العادية بغير أن نرد أعمالنا العادية إلى الإحساسات والعواطف وبغير أن تجعل الإحساسات والعواطف وفقا على بعض أعمالنا العادية. ومعنى هذا أن الحب لا يكون أصلا في الزواج ولكنه لا يختفي مع ذلك من حياة الأزواج. وكونه شديد اللزوم في حياة الأزواج ليس معناه أنه يبرز هاهنا وحسب، فمن الجائز بروزه في مجالات أخري من علاقات الناس بعضهم وبعض.

ثم إن هناك ملاحظة أخري يسوقها اشوارز تأييدا لفكرته. لأنه أراد أن يعد عامل الحب من أصل الزواج فاستدل على ذلك بما قد يطرأ على الحب من شدة أو ضعف وأن هذا لا يؤدي إلى نتيجة إيجابية في العلاقة الزوجية. فليس الحب العاطفي هو الذي يقرر نجاح الزواج أو فشله تبعا لما شهدناه من أن الزيجات التي تمت في العصور القديمة بغير اختيار الزوج نفسه كانت أسعد بكثير من زيجات المحبين الوالهين

نحن نؤكد هنا لصاحب الخطاب أن الزواج شىء آخر سوى الحب وأن الحب قد يوجد ولو لم يتم زواج وأن الزواج قد يتم، ولا أساس هنالك من حب أو عاطفة. ولكن مع هذا لا ننس أن نندب حظ أولئك الفاشلين في الحب لأنهم قد فشلوا في تجربة الحياة ).

اشترك في نشرتنا البريدية