الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 665الرجوع إلى "الثقافة"

بين المجلة وقرائها, الشعب والفنون

Share

. . أريد أن أعرف السبب الذي جعل شعبنا ₎₎ ليس من الشعوب القراءة ₍₍ على حد تعبيرك ، ومن المسئول عن تقصير الشعب في هذا المضمار ! أهو الشعب نفسه ؟ هذا الشعب الذي يسيطر عليه الجهل ويخيم عليه الفقر . فهو أمي جاهل لا علم له بالقراءة والكتابة والعلم والثقافة . . . وهو فقير ليس في مقدوره شراء مجلة أو كتاب ليقرأه ، بل ليس في مقدوره شراء قوت يومه ! إن شعبنا ليس شاذا ، فهو كبقية الشعوب يحب العلم والأدب والاطلاع . ولكن هنالك عقبات تقف في طريقه لتمنعه من بلوغ السعادة . هذه العقبات هي التي نعرفها جميعا ونحس بوقعها في مجتمعاتنا : فقر ومرض وجهل . وأقل نظرة إلى أسلوب الحياة من حولنا ستدير لنا ببساطة معرفة هذه الأدواء والعقبات التى تحرم الإنسان من جميع حقوقه بل وأبسطها . . .

لم تبلغ الشعوب العربية بطبيعة الحال تلك الدرجة التي بلغتها شعوب أوربا ، ولم تصل إلى جزء مما يتمتع به الغربيون من معاني الكرامة الإنسانية . وقد نالت شعوب أوربا ذلك

كله بفضل نضالها الذي لا هوادة فيه ، حتى قضت على معظم العقبات التي في طريقها واستطاعت في النهاية أن تصل إلى حضارتها وثقافتها هذه التى تكلمت عنها . . فواجب كل شخص يحتم عليه أن يبحث في أسباب آلام الشعب ومتاعبه ، وأن يعالج هذه الآفات الاجتماعية حتى يستطيع أن يكشف الدواء الناجع لهذا الداء العضال .

فعند ما نستطيع أن نقضي على هذه العقبات ، ونخلص الشعب من أوهامه التي تشده إلى الأرض ، وتهيء ونوسع الفرص الاجتماعية لكل شخص في المجتمع . . . عندئذ يحق لك ولكل شخص أن يلوم الشعب . وأظن أنه لن يفعل . .

) بيت جالا - فلسطين (

هذه أغلب فقرات خطابك . .ولو استطعت أن أنشره كاملا لفعلت . فإنه يعطي فكرة طيبة عن جانب له خطورته في علاج المشكلة . والواقع أن اهتزاز القلم في يديك وارتعاد أطرافك وأنت تسطر هذه الكلمات دفعني إلى قراءة الخطاب مرات ومرات . وهي دليل في الوقت نفسه على أنك تكتب عن إيمان وعن رغبة صادقة وانك تصدر في قولك عن نفس حساسة ؛ وان أملك ، وقد جمعت أطراف

المشكلة ، إلا أن أؤمتن على كلامك . . فأتعجب لهذه الظاهرة الفريدة في بلادنا ، وهي أن الفنون فيها تكلف الإنسان أكثر مما يكلفه أى شئ اخر . إن العلم في بلاد الله جمعاء هو أرخص شئ ، وتكاد تكون رغبة الناس في القراءة نتيجة لإحساسهم بأن هذا الباب أن يكون باهظ التكاليف شأن الدواعي الأخرى للهو . أما عندنا فالكتب والمجلات ذات سعر مرتفع يعجز عن دفعه الإنسان المتوسط الحالة فضلا عن الفقير المعدم .

ولكنني مع ذلك أحس في داخلية نفسى بأن المسألة ليست مسألة فقر أو سواه . فالإحساس الغني والملكة التي يقدر بها الانسان طعوم الأشياء المتواردة على خاطره إنما توجد في بيئتها من غير تأثر كبير بالظروف . ولعل شيئا من الأشياء لم يتح للناس مثلها أتيح لهم أن يفكروا ولو كانوا في أسوأ الأوقات . فلم يمنع الفقر جان جاك روسو من الخروج إلي الطريق مساء كما يقرأ على ضوء المصباح العام : ولم يحل جوع أوربا ونهمها بعد الحرب الأخيرة دون استمرارهم في عاداتهم القديمة . يقرءون ويقرءون ويقرءون .

ولكنني أستطيع - من ناحية أخري - أن ألاحظ ملاحظة من شأنها أن تقوض حكمنا في العطف على الشعب والاعتذار عنه بخصوص القراءة . ذلك أن فقر الشعوب عندنا لم يمنع دون انتعاش الحركات السينمائية في مصر والشرق . وبقليل من التأمل نستطيع أن نلمس مقدار التهالك الذي يبديه الأفراد عندنا على أفلام السينما ، على الرغم من الفقر الذى يهددهم والعوز الذي يحرمهم من أهم ضرورات الحياة المعيشية ! ولا أشك في أن ثمن تذكرة السينما التي تعرض أفلاما عربية يساوي أو يقل قليلا عن ثمن كتاب أدبي لمؤلف كبير ، ومع ذلك فالكثيرون منا يفضلون دفع النقود في تذكرة سينما على قراءة قصة أو الإقبال على بحث . ولو أن شعبنا من الشعوب القراءة بحق ، لزهد في أفلام قيمتها الفنية معروفة ، وآثر القراءة الصامتة حيث تستجلي الروح ، في ظلال الوحدة ، معالم الفن الصحيح ، ومعاني العزة الروحية والكرامة العقلية .

وفي النهاية يمكن القول بأن شعبنا ₎₎ منفتح ₍₍ للعالم

ولا يقبل الانفصال عن المجتمع ، ويحب التزاحم " مع الآخرين " من أجل نسيان فرديه . . وهذه هي المشكلة في الواقع ؛ إذ لو استطاع الناس عندنا احتمال العزلة والانقطاع عن العالم ، وأمكن الفرد منا البقاء وحيدا مدة طويلة لاستقامت لنا القراءة . ولكننا - في الغالب - لمسنا كذلك . إننا نميل إلى العمل المشترك ونخشى الانفراد بذواتنا في مكان مقفل ، ولا نكاد ندع فرصة لداخلية أنفسنا كيما تطفو وتظفر . ولهذا نفشل في تكوين عادة القراءة التي تتطلب على الخصوص قدرة على مواجهة النفس في حالة ابتعادها عن الآخرين وشجاعة بإزاء الأعاصير الباطنة المخيفة ، والله أعلم .

اشترك في نشرتنا البريدية