الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 658الرجوع إلى "الثقافة"

بين المجلة وقرائها, مشكلة النقد, الموسيقى الكلاسيك

Share

... ولا يكاد يرفع الإنسان عينيه إلى جملة من المجلات والصحف حتى يفاجأ بهذه الروح النقدية الزائفة ، حتى لكأنهم من عالم آخر سوى هذا العالم . لقد آذوا حياة

الفكر والأدب بهذا الأسلوب العتيق المهلهل في النقد . فمقالاتهم النقدية لا تعدو أن تكون تعبيرا مكشوفا عن شهوات دفينة .

(القاهرة)

إنها لحيرة وانه يا سيدي .. فأصوات الكتاب تعار من حين

إلى حين منادية بضرورة الأخذ بوجوه النقد النزيه ، والبعد عن روح التعدي والاتهام الحالية من التأييد المنطقى.. وعلى الرغم من ذلك تقع المجلات الأدبية الظاهرة في أخطاء عجيبة من هذه الناحية ، ولا زالت تتكرر الحوارث السخيفة في النقد المعاصر من يوم إلى يوم ١١ مازلنا نري عناصر التحقير بغير موجب ، ومازلنا نفس ملامح التشنيع والإهانة بين سطور الكتاب والمعاقين . ولا تخلو مجلة حديثة من هذه الظاهرة ، ولا تكاد نجد كاتبا واحدا من أصحاب الميول النقدية أو من أصحاب المكانات الممتازة في أدينا الحديث بريئا من هذا العيب . إننا نفاضل ولا ميزان للمفاضلة  ونقدر ولا موجب حتى لمجرد التقدير . وأدل شئ على ذلك هو اننا نثير ذكري الماضي ، ونعيد وضع المؤلفات على صورة إحصائية ، ونجددا أسلوب القدماء في الترقيم وإعطاء الدرجات .

لقد انتهى عهد الامارة في الشعر والسلطة فى البيان والإمامة في اللغة ؛ لقد فرغنا من مهمة التفضيل والأعتبار المسمى .. وأصبحنا الآن في جو ادبي آخر لا تقول فيه هذا أفضل كتاب وتلك أعظم قصيدة ، بل تقول هذا الكتاب يمتاز بكذا وكذا وكذا وعيوبه كذا وكذا .. أو هذه القصيدة تصدر عن شاعرية وتفوح بالحيالات ونموج بالتعابير

الموسيقية ، وسبب جمالها كذا وكذا .. وإما العكس . فالدراسة الأدبية التحليلية الآن شئ آخر سوى إعطاء الأحكام الجارية وتنصيب المعقولات التي تسري مسري الشعائر والأمثال .

والنوادر في هذا المعنى كثيرة .. ولا يلهيني عنها الآن

سوى حيرة مثل حيرتك بإسيدي .. إذ لا أدري - والحالة هذه - كيف أبدا ، وماذا أقول ، ولمن أرفع شكواك ؟ فقد وقع خطابك من نفسى موقعا مؤثرا حتى بدأت أشك في الأحكام الجارية وأحسست بأن النقاد جميعا أبناء هوى وأصحاب حماقة.

واتهامك يشملني أنا ايضا طالما كنت لا استطيع أن أصرخ بأعلى صوتي في وجه أولئك الأسياد الجالسين على دست الحكم في دولة الأدب . وأنا عاجز طالما كنت قليل التأثير في المقبلين على حرفة النقد والمشتركين في حليته . إذ كيف يسمع الناس مني ويتعتون إلي بعد أن تيقنوا من أنني أحمل الخطيئة بين جنبى - شأنى شأن سواي - وأنني ماض مع الماضين في ساحة التجريح الهوائي والمؤاخذة الطارئة !!

يرجع اهتمامي بالموسيقي إلى زمن بعيد .. ولو كنت بصدد تاريخ تلك الهواية لرجعت بك إلى أيام الطفولة . ولكنني لم أبدأ  بالموسيقي إلا بعد أن اشتركت في جمعيات خاصة لا تزال موجودة في كليات الجامعة . هنالك في أروقة كلية الآداب بالقاهرة استمعنا إلى تسجيلات نحلم بها الآن ونتخيل رنيتها في الأذان ، ونود لو أتيح لنا شئ منها بعد أن أصبحنا تتذوقها ونستطعمها . هنالك في أروقة الكلية ومدرجاتها استمعنا إلى معزوفات بتهوفن وموتسارت . وجلسنا صامتين بإزاء الألحان الممتازة من وضع اتشايكونسكى وفاجنر ، وبقينا ساعات طوالا تتأمل الأرض بعيوننا الغافية

وتنتحس أنغام ليست وشوبير بأنفاسنا للمقطوعة .

والآن، وانظر من حولي فلا أملك إلا أن أبكى مما تعانيه من جدب وحرمان ، وأن أحسد الأوريين على هذا التفاوت الذي يرفعهم عنا درجات ودرجات في دنيا الفنون .

(العراق)

لسنا أسعد منك حظا في مصر يا أخي .. إن الحرمان من الفنون معقود على رءوسنا جميعا كالطير . وإذا كانت هذه اللحظات الفنية قد أتيحت لك أثناء دراستك الجامعية فتيقن من أن هذا لم يكن إلا بجهود قوم فضلاء وان حياتنا الخارجية ليس فيها موسيقى كلاسيك . وفي الممرات المعدودة التى شرفتنا في مصر أثناءها فرق أجنبية حال الفقر على منذوقي الموسيقى الحقيقيين أن يشهدوا شيئا . وأوربا نفسها تعاني هذه الحالة نفسها ولكن بصورة اخرى . فالإقبال عندهم على الكلاسيك قد ضعف إلى حد إفلاس فرق كبيرة كثيرة .

وقد نشرت مجموعة الكتب "بليكان" مؤلفا عن الموسيقى سنة ١٩٥٠ للناقد الموسيقى المعروف رالف هيل وبعض زملائه من المحررين المختصين . والكتاب - ولعلك رأيته - عبارة عن مناقشة لموضوعات موسيقية بارزة ودراسات شاملة لكل ما يتعلق بفن الموسيقى ولو من جانب الشكليات الصناعية . وبشير الأستاذ رالف هيل في أول بحوث الكتاب إلى الصعوبات المادية التي تعانيها الفرق الموسيقية التي تعزف أنغام الكلاسيك في لندن . وهو يقرر حقيقة الزيادة الملحوظة في عدد المهتمين بالموسيقى الكلاسيك منذ عشر سنوات ، ولكنه لا يجد مع ذلك مندوحة عن تقرير حقيقة المعاناة التى تتسم بها حياة الفرق العازفة الإنجليزية فيما عدا الفرقة الخاصة بالإذاعة في لندن . فهذه قد وجدت الحماية من دار الإذاعة على الرغم من المهاجمات الشديدة التي قام بها الجمهور نحو برامجها .

والقراءة أيضا

إنني أحب مجلتكم يا سيدي وأقبل على قراءتها بنفس مشتاقة .. ولكنني أتعب من القراءة وأمل بسرعة ، وكثير ما أقبلت على كتب وروايات لقراءتها فإذا بي لا اكاد أقرأ صفحتين حتى يقلبني النعاس وأهرع إلى السرير لأدخل في نوم عميق ! إنني حائر يا سيدي بين هذه الرغبة الشديدة في القراءة والتزود بالثقافة وبين هذا الضعف الذي أشعر به كل هممت بأن أقرأ . . ألا من علاج ؟    (قارئ)

إن مشكلتك يا عزيزى هي مشكلة جيل الشباب في مصر الآن ، إن إرادة عدم إجهاد النفس هي التي تنيم الانسان عندما يقبل على القراءة ، وهي إرادة قوية متمكنة من نفوسنا قادرة على التأثير في مشاعرنا الباطنة . إنك لست بمفردك على هذا الحال ، وتيقن من أن لك زملاء مخلصين  في هذا المنحي ، فشعبنا ليس من الشعوب القراءة بمحمد الله ولا تكاد نجد من بين شبابنا الذي يدعي أنه مثقف شخصا أو اثنين يتابعون الكتب بانتظام أو بغير انتظام . واجلس في أي مكان عام فلن نجد إنسانا واحدا يطالع شيئا في يده . ليس هذا فحسب ، بل تعجب معي من أولئك الذين يخجلون من حمل الكتب في الطريق خشية اتهامهم بأنهم لا يزالون تلاميذ ١١ ولا زلت أذكرهما سمعته وأنا ماض في طريقى يوما من أنني مع ما أبلغه من الكبر لا ازال تلميذا . لا لشئ إلا لأنني أحمل الكتب !

اه لو نعلم كيف يقرءون في الخارج وفي أوربا بالذات ، إنهم ينتفسون الثقافة ويتغذون ويحسون بأن الإنسان من غير قراءة لا يساوي شيئا . إنهم يقرمون في الطريق وفي الترام وفي القهوة ويستهولون قداحة العيش من غير تشغيل معدة المقفل . وقلما تجد إنسانا فرنسيا مثقفا لا يكون قد اطلع على جملة المؤلفات الأدبية المعاصرة أو شهد أغلب التمثيليات التى يضعها كبار الكتاب هنالك . ويحكى لنا أستاذ جامعي أن لبقى بريل وهو من أكبر علماء الاجتماع كان يقرأ في الكتاب من بيته إلى كرسيه بالقاعة كأنما يأسف للدقائق يمضيها في غير اطلاع.

وأعود فأقول إن إرادة الإنسان الباطنة اقوى من  إرادته الظاهرة ، وقد أجري علم النفس الحديث تجارب على الجنود الذين أصيبوا بالعمى أثناء القتال بالمعارك الحربية ، وانتهى إلى أن الخوف من القتال هو الذي كان يؤثر عليهم التأثير العضوي الذي يؤدي إلى سحبه ووضعه في المستشفيات بعيدا عن الميادين . لم يكونوا يحبون الحرب ويكرهون رؤية الفظائع الدموية فأعماهم شعورهم الباطن حتى يخلصوا من هذا الهم الثقيل ، وكذلك القارئ الذي يحس بالنعاس بعد دقائق من الإمساك بالكتاب ، إنه هو الآخر يحمل في باطنه رغبة أصيلة وعشقا خالصا لدولة الكسل . إنه ابن بار لهذه الامة التي لا تريد أن تعرف ولا تتطلع إلى ثقافة ولا تهتم بالغذاء العقلي .

اشترك في نشرتنا البريدية