لفت نظرى فى " الثقافة " أنها تعنى بدراسة الآداب الغابرة وإحياء تراث الراحلين بالأمس وأمس الأمس . وهو نهج حسن جدير بالتقدير والإجلال . ولكن الا يكون أحسن لو عنبت ، بمحاتب الوفاء لأدباء الأمس ، بالعطف والتشجيع لأدباء اليوم ، وأخص منهم الشعراء ؛ فالشعر ، ذلك الفن الخالد ، كاد يموت وينفرض
أبدأ فألفت نظر الأستاذ إلى أنا نعنى وتهتم بجوانب " الثقافة " جميعا . . وهذه المجلة - حينما اتخذت ( الثقافة ) اسما لها - أرادت بذلك أن تحمل مشعل الفنون والعلوم والآداب جميعا .
فإذا أعطت أهمية لشعراء الأمس والأدباء السابقين فذلك جزء من واجبها المناط بها . وإذا بحثت في الفكر الحديث وانصرفت إلى أعمال المؤلفين الغربيين والشرقيين فهي إنما تؤدي مهمة أوقضت جهودها عليها منذ سنوات . والمجلة - خصوصا الأدبية - إذا خلت من اتجاه وسقط من حسابها الهدف الذي ترمى إليه تموت يوما يوم ولن تتحقق
لها الحياة في عصر ينزع كل إنسان فيه إلى أن تكون له غاية ، ويجهد نفسه من أجل تذليل الصعاب التي تقف فى سبيله إلى تلك الغاية . إن الحياة - في العصر الحاضر - أصبحت لا تحتمل سيرا بغير هدى أو نزوعا بغير هدف . وقد تظهر هذه الأهداف واضحة في وقت من الأوقات وقد تحتفي بعض الأحيان ، ولكنها تظهر في النهاية فكرا بأنما في رءوس الناس ومبادئ مرسومة في عقولهم .
و " الثقافة " تعنى بالشعر . . ولا شك في أنها تبذل جهدا كبيرا في سبيله لأنه فن أدبي خالص . ولأننا نعتقد أنه فرع من فروع الثقافة التي أخذنا على أنفسنا أن زرع شجرتها في هذا البلد كاملة مستوفاة . والشعراء الأحياء يأخذون من عنايتنا أضعاف أضعاف ما يناله الأقدمون من الاهتمام والجهد . ولكن ... و آه من لكن هذه . .
ولكن أين هو الشاعر الممتاز الذي يستهوي فئة المثقفين بقراءته ؟ أنا لا اتهم احدا ، ولكنى أنظر من حولي فأجد سوق الشعر قد اقتصر على الإنشاد الصوتى بين جماعة من الناس . ولسنا في هذا بدعا بين الأمم . . فغالبية المثقفين من أبناء الدول المتحضرة جدا في فنون الأدب قد أصبحت لا تجهد نفسها في الإبداع الفني للشعر الخالص ولم تعد تهتم به ذلك الاهتمام الذي ترويه لنا كتب الأدب القديم .
حضارة الغرب
ألست معى فى أن الموضوعات المترجمة تطغى على معظم صفحات هذه المجلة الغراء . يجوز أن يكون لكم رأي فى هذا ، فارجو أن توضحوا ماغاب عني وعن امثالى من القراء .
( إسنا )
نعم . . لنا رأى بل لنا آراء وغايات حول هذا العمل . وليتنا نستطيع أن نقدم إلي قارئنا كل ما نريد أن يطلع عليه من ثقافة الغرب . وليست هذه أول مرة يعترض علينا هذا الاعتراض وتوجه إلينا هذه الملاحظة . ولكننا نصر على اتجاهنا هذا معتقدين أننا مازلنا فقراء إلى ما تنتجه المطابع الغربية . والحقيقة التي لا ينكرها أحد هي أن الأوربيين قد تقدموا علينا في أبواب المعرفة تقدما يجعلنا في تأخر متصل يوما بعد يوم . ومهما ترجمنا ونقلنا واقتبسنا فلن نستطيع أن نحيط علما بكل ما أخرجوه من ثمار العقول الناضجة هنالك . وقد رأيت مرة قشرة خاصة بطلبة السوريون في علم النفس وأحسست عند قراءتها إلى أى حد لا نزال تافهين . وعند ما وازنتها بأفضل المجلات الأدبية أو النفسية عندنا وجدت أنها تفوقها بمراحل .
لا أريد أن أضع من شأن مكتبتنا العربية ، ولا أميل إلى التجريح ، وأعتقد أن لدينا كتابا يوضعون جنبا إلى جنب مع بعض المفكرين القريبين . ولكنهم لم يعطونا كل الجوانب ولا نزال فقراء في أبواب كثيرة . . بل استطيع أن أحكم بأننا سنظل عيالا على الفكر الأوربي جبلا آخر . ولكى تحس بالمشكلة إحساسا قويا ، سل واحدا من طلبة الآداب والتجارة والعلوم والرياضيات بالجامعات عندنا : هل تجد مراجعك العربية مستوفاة ؟ وهذا طالب عادى ، فما بالك بطلبة الدكتوراه والماجستير .
ثم لاحظ شيئا آخر ، وهو أننا - في هذه المرحلة بالات من تاريخ الأمة - نضع دعائم الرأي والتفكير ونرسم الخطوط التى ستتقدم في حدها طلائع المعرفة والعلم . كل عمل في مجال الأدب الآن هو حجر في الأساس الذي سينبني عليه تفكيرنا وذوقنا ، فإذا لم يكن الأساس متينا وإذا لم تكن الدعامة قوية ، وإذا لم تستهد بتجارب الآخرين ممن شقوا نفس الطريق بشجاعة وبأس فان نبلغ شيئا في معراج الفكر
والفنون ، ولو عملنا قرونا بعد قرون . إننا نريد أن نزود القارئ بمحصول فكرى وزاد أدبى ينقى ذوقه من شوائب التهريج الذي امتلأت به حياتنا اليومية ، ونضع بين يدى عميلنا كل ما تتوق نفسه إليه من ثقافة الغرب ، وكل ما يتطلع إليه من أبواب الفنون التى لاغنى عنها لشباب العالم المثقف وشيوخه . أو بعبارة أخرى : إننا نسعى بكل ما فينا من قوى في سبيل جعل ينبوع المعرفة في الغرب يسبل بين جدران وادينا فيجد في عقول أبنائه تربة خصبة ، وتنشأ عندنا الثمار مباركة طيبة .
انزع يا أخى من ذهنك هذه الصورة المشوهة التي اعتاد بعض الناس أن يرسمها في أذهاننا عن حياة الغرب وفكره وأدبه . فالحق أنهم قوم ممتازون ، واننا نحتاج إليهم احتياجا كبيرا لنخط معالم طريقنا .
الفن الحديث
وجاءتنا رسالة من احد الفنانين يسألنا : ما بالكم تعودوا تهتمون بدراسة الفنون العامة كالرسم والنحت والموسيقى . وأؤكد لصاحب الرسالة أنه فى نيتنا عمل أشياء كثيرة ، وأنه لا ينقصنا إلا الإحساس بحاجة القراء . فأنت تعلم أن عدد القراء في مصر ضئيل ، وتعلم ايضا أن هواة الفنون قلة ، وفي الوقت الذى يظهر في مجتمعنا طوائف من محبى القراءة والفن ستجد مجلاتنا الأدبية مضطرة إلى أن تجاري هواياتهم وتتجاوب مع رغباتهم . ومع ذلك فستحاول أن تقدم دراسات وافية لفنانين كبار ، وستعمل دائما على تغذية المجلة بعناصر الفن الرفيع . وسنعنى من وراء هذا كله بالتربية الذوقية .
القراءة والحياة !
تناولت بقلمك مشكلة القراءة عند الناس وتحمست تحمسا شديدا بهؤلا ، الذين يدفنون أنفسهم بين الصحائف ويقتلون وقتهم بالقراءة . وأنا ايضا على مثل رأيك . . ولكن أظن أن كلينا أنت وأنا نتجاهل بهذا حقيقة كبرى هي حقيقة الحياة . فللحياة على نفوسنا حتى أكبر من حق الكتب ! والغلطة الكبرى التى يرتكيا معظم المثقفين في مصر هى أنهم يملأون رءوسهم بالكلمات ويحشدون في رءوسهم المعلومات وبيدون فى النهاية كأطفال كبار .. لماذا !! لأنهم
لم يوازنوا بين ما فى رءوسهم من صنوف المعرفة وما فى قلوبهم من ضروب التجرية . وليتك تقرأ مقال هازلت عن " جهل المتعلم " الذي يقول فيه إن جليس الكتاب يغلف نفسه بنسيج من التعميات اللفظية ولا يرى سوى التماعات الظل التي تنجم عن تفكير الآخرين في الأشياء . ولذلك تراه يعتاد أخذ الرأى عن سواء ويجهده التفكير في المشاكل
مباشرة .. !
هازلت من النقاد المحترمين الذين نطأطئ الرأس إجلالا لأفكارهم قبل أن تحاول الرد عليها وتفتيدها . ورأيه فى هذا الجانب - ولا شك - له خطورته . والحق أننى نسيت جانب الحياة ، وأنا اتكلم عن القراءة ، من شدة الفورة التي ألمت بى حينئذ ، وقد كنت خليقا أن أعمل لها حسابا لولا السرعة وضيق المجال . أما وقد أعطيتنى فرصة أخرى لطرق الموضوع مرة ثانية ، فستكون هذه المناسبة أوفق من أجل التحدث عن الجانب الذي فضلت الإشارة إليه
ولكن ستعجب - مرة اخرى - من أن تجدنى هاهنا أيضا متحمسا لرأيى في ضرورة القراءة الدائمة والتحصيل العقلى المتصل . إن أمثال هازلت حينما يقولون هذا الرأي ، سيكون كلامهم مناسبا للجو الذي يعيشون فيه ، حيث تتكالب الغالبية علي استطعام القراءة واستعذاب المعرفة . فرأيه هذا رد فعل لمجتمع اتخذ من القراءة عملا أساسيا وجعلها ذات أهمية بين العادات اليومية للانسان المثقف . وبهذه الفكرة ثراء كأنما يحاول إخراج الناس عن الحدود الحرفية للكلمات التي يطالعونها في الكتب ، أما نحن فاجئنا إلى من بحثنا على القراءة أشد من حاجتنا إلى من يدفعنا إلى الفطنة لتجربة الحياة . ذلك لأننا من ناحية القراءة معدمون ولا تكاد تظفر بأكثر من عشرات بين المصريين اتخذوا من القراءة الأدبية عادة حيوية لهم . كذلك أشعر بأن مجال التجربة في حياتنا الشخصية ضئيل ، ولا سبيل إلى تنعيته وتغذيته في مجتمع مجدب قاحل . ولاشك في أننى أحس باحترام عميق لأولئك الذين يجمعون إلى قيمة العقل قيمة الروح ، وتتوافر لهم أداة العلم وأداة الحياة الصحيحة معا .. لاشك أننى أؤمن بالتجربة فى حياة الفرد وأعتقد أنها شئ ثمين في معيشة الإنسان ..
ولكن كيف يمكن هذا في مجتمع يتحدث عن التجارب كما يتحدث عن الملاهي ويظن أنه قد استوفى حظه من التجربة واستكمل أدواته من معرفة الحياة عندما ينتهى من حفظ عبارات الحب ويعتاد كئوس الشراب .
فما أحب إلى قلبى أن أتحدث عن التجربة في حياة الشباب ؛ ولكننى أظن أن حاجتنا إلى تعود القراءة أشد من هذا كله . ذلك أن العقول إذا استوفت شروطها من العلم والمعرفة استطاعت أن تجسد في تجارب الكتاب - وهم قوم لهم تجاربهم بطبيعة الحال - شيئا أجمل بكثير من التجارب التافهة التي يسمح لنا بها المجتمع المصري الآن . وإنني لأتهم أى إنسان يدعوك إلى ترك الكتاب من أجل القيام بتجربة ما ، بأنه جاهل يريد أن يتهرب من جلسة الوحدة التى تتيحها له القراءة في ساعات طوال . سيقول لك ذلك الجاهل أشياء كثيرة كما تحبب إليك مفارقة الكتاب وهجران المكتب حتى تخرج إلى الوجود المطلق حيث تحتسي كئوس التجربة مفعمة بالمرارة المعهودة . وإنه لينطق في وجهك بأسم الثقافة التي لا يمكن أن تتحد مجالاتها بكلمات الكتاب بين يديك ، ولكن تيقن من أنه يخدعك ، وأن حياتنا خالية من التجربة الصحيحة ، وأن الجلوس إلى الكتاب أعود عليك بالنفع من أروع أنواع التجارب التي يمكن أن نسمح بها ظروفك .
إنها حركة رائعة ولا شك أن يقوم الإنسان بإلقاء الكتاب بعيدا كما يستعد للخروج إلى الحياة حيث تكمن المعرفة الكبرى ، وحيث يغترف من الحقيقة ذاتها فى باطن الأشياء . ولكن كيف يمكن هذا وعقولنا أخوي من صناديق الإحسان ونفوسنا أضعف من أعواد الذرة ؛ وأكاد أجزم بأن القراءة هي الملاذ الوحيد للراغبين في التجربة عندنا من المصريين ، خاصة وأنا نستطيع أن نعدد من التجارب بكثرة القراءة لكتاب الغرب من أصحاب الأقلام الرفيعة . وأبعد شئ عن التصديق هو أن يكون كتاب الغرب الحاليين فارغين من التجربة وضعفاء في جانب الروح ، إذ أنهم قاسوا حقا من ظروف الحياة ما يجعلنا نطمئن إلى أحكامهم في مجالات الحياة الصحيحة .

